"عند البطون تضيع الذهون"

single

تزدحم الصور والعبارات في رأسي، تطل جدتي بغضبها الرقيق العابر، حين نهرع الى الطبلية في أيام شهر رمضان، نحاشر الكبار كي نجد منفذًا للأيادي التي تريد الوصول الى الصحون المصفوفة على سطح الطبلية، عندها تلوم جدتي الكبار قائلة " عند البطون تضيع الذهون " أي بما معنى عقولكم ضاعت عند رؤية الطعام، انتبهوا وأشفقوا على الأطفال..!
هناك من يحاول توسيع الفتحة المجاورة التي شُقت بينه وبين الذي يجلس الى جانبه، كي تنفذ اليد وتصل الى الصحون، أو يتجاهل ويكمل تناول طعامه، وغالبًا بعد أن يأكل الكبار ويشبعوا وينهضوا يهجم الأطفال لأكل البقايا والفتات.
قد تضيع العقول أمام ملء البطون - ليس قاعدة - لكن صراع البطن والعقل يهدي الانسان حالة من فقدان البوصلة وانتفاخًا يطير به الى أماكن قد تلغي وجوده.
في بيت رئيس الدولة "روبي ريفلين" إفطار رمضاني، كما في كل سنة، تُمد الموائد وتفرش الصحون وتلمع الوجوه ضاحكة، مبتسمة، كقوالب الحلوى الشهية، لا شيء يقلقها، لا شيء يعرقل مسيرة اعتزازها بوجودها في بيت رئيس الدولة، لا شيء يوقف عزف كلماتها، جميعهم تحولوا الى أنامل حريرية، تفتش عن الكلمات في علب البهجة والفرح.
لا شيء يعكر صفو التعايش، والذي يراهن على تفسخ العلاقات خسر الرهان أمام كلماتهم التي اخترعوها خصيصًا للرئيس الليكودي "روبي ريفلين".
أنظر الى الوجوه التي تقتحم الفضائية التي تنقل الحدث الهام – إفطار رمضاني في بيت رئيس الدولة – والرئيس يرحب ضاحكًا بشوشًا، فكل شيء يسير حسب المخطط، توهمت أن يخرج أحدهم معلنًا أننا لا نريد التدخل في السياسة، وأن علينا التفتيش عن طيران فوق الخلافات والاستيطان والأسرى واللاجئين و... الخ.
لكن في ظل العنف المستشري في مجتمعنا حتى أصبح يشكل الخطر على و جودنا، في ظل قلقلنا الذي نعيشه في كل لحظة، لأنه يدق على باب كل واحد منا منتظرًا الضحية القادمة الأبن الأخ الزوج العم الخال الجار الصديق، حتى أصبح الموت بالرصاص قانون المساواة بين الجناة، حيث يفوز القتيل برصاصة في الرأس أو الصدر، المهم أن لا يعيش ويكون عنوانه القبر.
في ظل هدم البيوت ومعاناة الخرائط الهيكلية ومصادرة الأراضي وباقي الكمبيالات التي يدفعها المواطن العربي نتيجة وجوده في وطنه، جميعها ضاعت بين الصحون والضحكات، حتى رأيت الشاعر يردد (قد يهون العمر الا ساعة – وقد تهون الأرض الا موضعا) وهذه الساعة تختصر العمر والأرض.
الإفطار على مائدة الرئيس ريفلين كان كالفوز بورقة يانصيب للبعض، هكذا بانت الصورة على الشاشة التي نقلت الحدث.
لكن غرقت في خجل حين تكلم كل واحد من كبسولته الفضائية، كأنه يعيش في فضاء وحده، مادحًا، شاكرًا، مهللًا، ومنهم من اعتبروا رفع الأذان في بيت رئيس الدولة انتصارًا، مع العلم أن الرئيس تعامل معهم – ليلة وتمضي – ويبقى الواقع هو الحقيقة المرة، الصعبة، الصادقة التي ترفض التلون.
حتى لم يفطن أحدهم الى ذلك الدكتور الليكودي من جماعة الرئيس، الذي أصدر كتابه معتبرًا العرب طفيليات ويجب أن يعيشوا في غيتاوات أو طردهم.
خجلت حين وجدت همومنا تقف على البوابة الخارجية، ممنوعة من الدخول، لأن الفرح يقفز فوق الصحون، فلا مجال لدمج الطعام مع الحزن.
وددت أن اعانق الهموم وأقول لهم: اذا كانوا هم طبخات في صحون فأنتم الصابون المعطر بالصدق الذي سينظف تلك الصحون.
قد يهمّكم أيضا..
featured

وضع سياسي مأزوم.. وسلام عليك يا أبا سلام!!

featured

سليم الديب – وطنية تقاس بعمق أمميتها

featured

العنصرية بوجهها القبيح

featured

رثاء الصّديق علاء

featured

روايات النساء عن الاقتتال الداخلي: هي النكبة الكبيرة

featured

القذافي والناتو ضد ليبيا (وليس اليوم فقط)