لوحة للفنانة الفلسطينية الغزيّة حنان الآغا
- ألهذه الحافّة ركلتنا القيم المهترئة في مجتمعنا "الزفت"، حتى بات الزواج تهمة يتنصّل منها "قالب" الشباب المتحرّر والاستقلالي. حتى حشرني لقب "ال" عروس هذا في الزاوية مع نفسي أيضا: هل سأبقى أنا كما أنا؟ هل يعتبر زواجي تنازلا لضغوطات المجتمع؟ هل هذا ضعف منّي؟
لم تكن أمي لتقبل بأن ارتدي "بدلة" بيضاء أسوة بباقي البنات اللاتي كنّ ينتهزن فرصة وجود عرس في الجوار أو حتى حفلة عيد ميلاد لقريب أو بعيد، كي يرتدين فستان عروس مصغّرًا فيظهرن عرائس ملوّنات الوجه يمتطين كعوبا عالية ويشبهن بشعورهن المصففة بأشكال غريبة الى حد كبير كل العرائس الكبيرات. لم تعتد أمي كذلك على أن تضع لي أحمر الشفاه في المناسبات السعيدة، بل ذهبت أبعد من ذلك حينما كانت ترفض بحزم كل محاولة لإقناعها بأنه لا ضير إن أفرحت قلبي وجعلتني أكون كباقي بنات جيلي الصغيرات، معلّلة ذلك بأنني لا زلت مجرّد طفلة.. نعم طفلة.
ربما لم تكن أمي لتدري وقتها انها كانت تزرع فيّ شيئًا هاما، ففي باطن وعيي تشكل منطق واضح: "مش مهم تصيري عروس، في كثير اشياء غير هيك"، أو ربما انها أرادت بالفعل الإشارة إليّ بألا أركض في مساق الأحلام الجاهزة، أو الأدوار الجاهزة، لكن دون أن تدري انها قد تتعب منّي بالفعل!
أمّا انا، وبموقف شخصي صلب ومن منطلق القناعة التامة لم أكن استحسن فكرة ارتداء فستان عروس مصغّر، وقد انطلقت بقناعتي هذه يوم تزوجت عمتي، ففي عرسها ارتديت للمرة الاولى والاخيرة وبعد مشاكسات حثيثة مع أمي، فستانا هو في الواقع يقع في منزلة بين منزلتي فستان العروس والفستان الأبيض البريء من ان يكون فستان عروس. وهذا الفستان بالتحديد كان هدية لي من بلاد الحجاز، يعني الحج. ومن يومها "هملت الهم" وضقت ذرعا بما قد يحلّ بي عندما أكبر وأقرر الزواج وأضطر الى ارتداء فستان عروس حقيقي. فالفستان إيّاه كان أشبه بطوق شوك حوّط خصري. فكانت عمتي تبكي في "صمدتها على اللوج" وانا أبكي لصدمتي واعتقادي بأن لكل "بدلات" العرائس الأثر ذاته، حكّة لا تطاق حول البطن.
وكبرت، وليس بسبب موعد قطاف الوردة التي انهمكت جدتي طويلا في الهمس بالقرب من مسامعي بأنها تكبر لتذبل في نهاية المطاف، تزوجتُ، إنما لأنني أردت ذلك. ودون أن أدرك وجدت في قراري مسرة للبشرية، فعدا أمي التي كادت لا تصدق الخبر بعدما صارت تلعن الساعة التي تخلّفتْ بها عن باقي الأمهات ومنعتني من الالتحاق بركب بنات جيلي الصغيرات، رأيت الفرح مشعشعا بين الجيران والأقارب وأهل البلد قاطبة، حتى بي إن اسرفت في التمحيص عن مكنونات ذلك شككت بأن أكون متورطة في منعهم عن النوم بسبب مستقبلي المحفوف بالمجهول! ومنذ تلك اللحظة أصبحت "أل" عروس، واصبحت أيضا محط اهتمام الجميع: ما أخبار العروس، أين هي العروس، نادوا على العروس، اشتقنا للعروس، كيف نعيش بدون العروس...العروس، العروس العروس...
وأنا في غمرة ذلك بالكاد أفطن واستوعب انني قررت الزواج بالفعل، بل قد أصرّح بأن الامر يحتاج الى شجاعة ما، دون أي علاقة بفستان العرس الذي لم يشغلني –على فكرة- البتة في هذه المرحلة حيث كنت قد بلغت من الوعي الإدراكي بأني قد اجد واحدا "خفيفا لطيفا "، إنما لأن القرار مصيري وصعب فعليه قد يتعلّق المستقبل أو يحلّق.
- لقب "ال" عروس..
أما لقب "ال" عروس هذا فقد أنشأ عندي أزمة حقيقية هي نتاج خليط من المشاعر، كان أبسطها وأرقّها فرحة والدَيَّ. لكنها لم تكن لتشفع لي بالتخلّص من "طقوس الموت" التي انهمك الجميع بها، ففجأة تنكب الذكريات محشوّة أمامي في كأس زجاجي شفّاف، أراني طفلة، أحبو، أمشي، أسمع جارتنا الصغيرة تعظني بألا أركب الدراجة. أجدني بلباسي المدرسي.. كلا في الصف الرابع ذهبت يوما الى المدرسة بـ " شورت وشيّال" فأوقفني معلّمي وقال لي: عيب! ثم رأيت مدير المدرسة الثانوية يقول لي ثانية : المرّة الجاي بحملّك وبوديكِ عند إمّك. وذلك لأني تجرأت على جداله في أمر ما.. ثم أرى مربّي صفّي الذي اشتكيت المدير إليه ينصحني بقراءة المعوّذات في وجهه –وجه المدير-!!. أهرب الى ذكرياتي بين رفاقي في الجامعة – ما أحلى العمل الطلابي-، ثم أراني في ميادين العمل، ثم فجأة تقفز أمامي صورتي وأنا على ظهر "شاحنة الهتافات" في مظاهرة سخنين ضد حرب اسرائيل على غزّة وبحر من الوجوه تحتي – معظمها من الأخوات- تصرخ بي أن أترجّل عن الهتاف لأن صوتي عورة...عورة... عورة. أعود إليّ " العروس" ..... يااااه شو كبرت. وهنا الآن تتحلّق حولي كل نساء العائلة، تارةً يتحدثن عن طفولتي وعنّي، ففجأة انا موجودة! رغم اني وطوال السنوات التي عشتها خارج البيت لم اسمع حديثا واحدا يدور حولي بعيدا عن السؤال: شو بدكش تتجوزي؟ طب لوينتا؟؟ وتارة اخرى يغنين لي أغاني الوداع ويذهبن في صراع وتحدٍ عميق لدفعي على البكاء. "شو هالساديّة!" لم ابك.
لم أبكِ لكني وخلال تتبعي لكل كلمات الأغاني الشعبية - وقد اعتبرت زواجي فرصة للتفرّغ في مراجعتها وحفظها عن ظهر قلب- أحسست بصلافتها وعبئها غير المحتمل، احسست بأني ألتقي بعائلتي وجيراني وذاكرتي للمرة الاخيرة، إذ سأنتقل الى "غيرهم" فتكون لي عائلة وجيران وذاكرة وحتى "حارة" غير تلك الفطريّة. يا للهول أهذا كلّه لأن المجتمع صوّر لنا أن الزوج مظلّة المرأة؟ أهذا لأن الوصاية عليّ انسابت من ضمير بيئة النمو الاولى؟ ألهذا يجب عليّ ان أُلحق اسمي باسم زوجي؟؟
والعجيب، أنه وفي خضم هذا الجو الملتهب بالمشاعر ومكاشفات المحبة الكامنة، تخرج من أكثر الدوائر "حشمة ومحافظة" نصائح جنسية بالصوت الجهور، وكأن في حرمة الاجساد وخصوصيتها لا عورة على الإطلاق! وكأن موازين " القوى" المتعلّقة بالتجربة الزوجية تتفتت والخطوط الحمر بينها تتلاشى، وكأن المحرّمات تصبح فجأة حلالا، والصغيرة – انا- تتسلّم أخيرا صكّ البلوغ والعقل. ألا يعبّر هذا عن أزمة نفسية مجتمعية محتدمة؟! أقصد خانقة.
خلاصة القول في ذلك، لم أفهم ابدا ولن افهم أبدا كيف لفتاة في طور خطوها نحو عمر الشباب، أن تتزوج. لا استوعب فكرة إمكانها على خوض غمار هذه التجربة النفسية العنيفة في جيل مبكّر مسكينة.
- مسلّمات بائسة وقواعد رتيبة
أعود للمجتمع، فهو قاسٍ، ليس فقط في رموزه التقليدية وإنما في رموزه المتنورة والتقدميّة كذلك.. لأن المحاسبة فيه لا تنقطع، وكوني عروسا علقتُ أيضا بصبغة المرأة التقليدية" – قد ينكر المتنورون والتقدميون ذلك، لكنني أقول ما أحسسته، وإحساسي على عكس نظريّات كثيرة، لم يخنّي يوما- التي ستغدو بعد زواجها صورة مكررة لملايين النساء العربيات اللاتي يعملن في البيت وأحيانا خارج البيت ونقطة. فجأة تجرّدت بعيون من أنا منهم ومنهن: من طبيعتي، من طباعي، ومن حريتي.
ألهذه الحافّة ركلتنا القيم المهترئة في مجتمعنا "الزفت"، حتى بات الزواج تهمة يتنصّل منها "قالب" الشباب المتحرّر والاستقلالي. حتى حشرني لقب "ال" عروس هذا في الزاوية مع نفسي أيضا: هل سأبقى أنا كما أنا؟ هل يعتبر زواجي تنازلا لضغوطات المجتمع؟ هل هذا ضعف منّي؟
نعم كان علي ان اعود لأسأل نفسي هذه الأسئلة مرة تلو الأخرى كي أشفي نهمي بمعرفة إذا ما كنت مُقدِمة على خطوة أثق بها أو لا أفعل. نعم، كان عليّ انا بنفسي ان أسائل نفسي على قرارها مرار وتكرارا، لأن خارجها تنتظرني محاسبة نسوية. وعليّ النجاح.
خلاصة القول مرة اخرى، المجتمع "الزفت" بكل مسلّماته البائسة وقواعده الرتيبة يحشرنا جميعا في الزاوية، ويجعلنا نتّخذ حتى من صديقه عدوا لنا، بغير حكمة منّا في الكثير من الاحيان.
لكن مع ذلك يبقى حتى الرمق الأخير يلاحقنا في أدق تفاصيلنا، ولأن وظيفتي النمطيّة لا تزال تقف لي بالمرصاد، يأتي إلي بعد أن " كففت شرّي عنه وتزوجت" ليسأل: "حوّشتِ"؟(*)
//هامش:
(*) "حوّشتِ؟": صياغة مشفّرة للسؤال: أأنت حامل؟..
