الغِربال

single

بعد أن قدَّمَت ابنتي رُبى، المُرفَّعة إلى الصَّف الثَّاني عشر، وظيفتَها، قال لها المُدرِّس بعد أن أطرى عليها: لقد غرْبلتِ المادَّة جيِّدًا، وعرفتِ المهِمَّ من غيره، وأظهرتِ فهمَك كما يجب. فأتتني سائلةً بخجل ناعمٍ ورقيقٍ: بابا ماذا قصد المعلِّم من كلمة غرْبلتِ؟ فبدأتُ اشرح لها مصدر الفعل، إذ انَّ الغرْبلة هو إبعاد الغثِّ عن السَّمين وفصل الحبوب عن شوائبها، بعد أن يقوم الفلاح بعملية التَّذرية، وهي عندما  يقوم المزارع بتذرية الحبوب في الرِّيح لفصلها عن القشِّ بعد أن يرميها عاليًا،  فتسقط الحبوب أرضًا بجانب المُذرِّي ويطير القشُّ جانبًا، بحسب اتِّجاه الرِّيح، حيث انَّ الأداة التي كانت تُستعمل في الغرْبلة هي الغِربال، وفي التَّذرية هي الشَّوكة (الشَّاعوب) أو المِذراة، فبعد حصاد السَّابل تُدرَس بواسطة لوح الدِّراس أو النَّورج الخشبي وتُذرَّى.
لقد كان الفلاح في الماضي القريب جدًّا، الذي لا تعيه حبيبتي رُبى، يُغرْبل القمح ليُزيل منه الشَّوائب من الزُّؤان والحشرات والسُّوس والحجارة والحصى.
كذلك كانت والدتي أم خالد، جدَّتها، طيِّبة الذِّكرى والذِّكر، تنقلُ الطَّحين من الشِّوال وتضعُهُ في المنخل لتُنخِّله من خلال فتحاته الصَّغيرة تحضيرًا لعجنِهِ نظيفًا أبيض ناصعًا من كلِّ شائبةٍ، كقلب والدتي، ولخبزه في فرن الرَّاجح حسين، أبي محمَّد، وبعد أن توفَّاه العزيزُ أُقفل الفرن، واشترت طنجرة كهربائيَّة وبدأت تخبز في البيت واليوم نشترى الخبز حاضرًا من الفرن..
حبوب القمح تُغربَل والطَّحين يُنخَّل، والسَّنابل بعد الحصاد تُدرَس وتُذرَّى وكلُّ
فعلٍ له أداته، إذ لا يصلُحُ أن يُغربل الطَّحين، كما هو من غير المناسب أن تُنخَّل الحبوب..
حين كنتُ اشرح لابنتي عن عمليَّة التَّصنيف والتَّنظيف والتَّنخيل والغرْبلة والتَّذرية والفصل، مرَّت أمام عينيَّ عدَّة مشاهد، من حياتنا اليوميَّة ووددْتُ لو تمرُّ عاداتنا وتقاليدنا بهذه العمليَّة، ويتمُّ استئصال شوائبنا، لتكون رافعة تقدُّم لمستقبل أفضل ونفكِّر بما يجمعُنا على الخير حتَّى ننبُذ الشَّر، ونجتهد لبلورة الجامعِ بيننا، الذي يلمُّنا على المحبَّة والعطاء وخدمة النَّاس لما فيه تطوُّر المجتمع وتطوُّرهم، وعلى الخير والمحبَّة يجب أن نلتقي دائمًا، حتَّى يكون لنا مجتمع جامع وشامل وكامل نفخرُ ونفتخِرُ ونتباهى به، وتمنَّيتُ على بعضهم ألا يكونوا عُمْيًا بعيون غيرهم من الاشرار وأصدقاء السُّوء، الذين يتجاهلون رؤية الحقيقة ساطعة كعين الشَّمس ولامعة كأنوار البرق، كما جاء في النَّشيد: "واللي ما شاف من الغربال يا بيروت أعمى بعيون أمريكيَّة" واللي ما شاف من الغربال يا فيحاء الشَّام والعرب أعمى بعيون أمريكيَّة وصهيونيَّة ورجعيَّة وقطريَّة..
ولا غرابة في أنَّ هذا الجيل لا يعرف الغِربال أو المذراة أو الهاون أو جرن الكُبَّة أو المهباج وهنا يمر في خاطري حديث الإمام علي بن أبي طالب (كرَّم الله وجهه) الذي تتمَّته تقول:..خُلِقُوا في زَمَانٍ غَيْرِ زَمَانِكُم.
ويقول المثل "من غربل النَّاس نخَّلوه" لذلك فقبل ان نتغربل ويُغربلونا، علينا ان نغربل أنفسنا، حتى تقوم لنا قائمة ترفَع لنا قامةً نعتزُّ بها..

قد يهمّكم أيضا..
featured

وللمخدرات أيضا وجه عنصري

featured

حَيرتنا بين الدين والدنيا؟

featured

مسرحية اللامعقول السياسي

featured

الحجر الّذي رفضه البنّاؤون....

featured

ويكيليكس في عالم الحريات المزعومة

featured

المعركة ليست عسكريّة فحسب

featured

قطاريز ومطاريز!

featured

مصر تثور من جديد