شعوبنا العربية كلها من المحيط الى الخليج موجودة منذ زمن طويل في حَيرة من أمرها بين الدين والدنيا. أي أنها تتخبط بين نقيضين بينهما صراع وجودي أو بعبارة أكثر دقة صراع جدلي بين أضداد.
هذا التناقض في الوجود أدخلها أي الشعوب العربية في مرحلة مُزمنة من عدم اليقين. عدم اليقين المُزمن قادها الى ضعفها وتفتتها ومن ثم يكاد يخرجها من المعادلة التاريخية الطبيعية لتطور الشعوب.
منذ أكثر من ألف عام تعيش هذه الشعوب بهذا الصراع الفكري العقيم الذي أثر على أفرادها ومجتماعاتها وشل حركة التحرر العربية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأهم من كل هذا وذاك أفشل هذه الشعوب المُمزقة من الوصول الى ثورتها الثقافية والفكرية.
تَشَتت رواية هذه الشعوب التاريخية وظهرت نتيجة عدم اليقين هذا وان شئتم الصراع الفكري الداخلي طفرات سلبية مُجتمعية وسياسية وفكرية هدامة ومُدمرة للهيكل الاجتماعي كالإسلام السياسي التكفيري بكل صوره البشعة الذي يعمل ومنذ أن وجد بإمرة الغرب الاستعماري الذي عمل ويعمل ضد تحررنا وعلى تدمير الكيان الهش للدول العربية وبذات الوقت يعمل على الغاء الدين الوسطي المتسامح مع ذاته ثم مع المعتقدات الأخرى التي يعيش معها.
عدم اليقين سيكولوجيا يؤدي على مستوى الفرد الى حيرة والى صعوبة في أخذ القرار ومن ثم الهروب من مواجهة الحقيقة والتعامل معها بفهم وادراك مما يؤدي في المجمل العام الى شخصية مهزوزة وضعيفة. ما ينطبق على الفرد ينطبق أيضا على المجتمعات الحية ولكن بفارق نسبي كبير. تقود شخصية الفرد المهزومة والحائرة الضعيفة الى تأذية الذات وربما الأسرة والافراد المقربين منها. عدم اليقين والحيرة والضعف والعجز عن اخذ القرار الصائب في الوقت المناسب عند الشعوب الى بلبلة مُجتمعية مُدمرة تُضعف هذه المجتمعات وتَجعلها مُخترقة من المجتمعات الأخرى الأقوى والأكثر جرأة والأقل حيرة والقادرة على آخذ القرارات المصيرية، الأمر الذي يُمَهد الطريق للمجتمعات القوية أن تأخذ موقف عدائية من تلك الضعيفة وربما الى عدوان أو اعتداء فكري ثقافي واقتصادي وعسكري عليها مع الأخذ بعين الاعتبار الحقيقة التي نعرفها ونعيشها كلنا أن الامبريالية الغربية وخاصة الأمريكية مازالت تعمل بشريعة الغاب.
هذا الاعتداء الغربي الامبريالي الوقح يضع الشعوب الضعيفة في حيرة مستبدة ومستمرة وضعف عام كما نشهده الآن وقد تصل المعاناة الى الذروة أي الى مسألة وجودية تكون هذه الشعوب المغلوبة على آمرها أم لا تكون؟؟؟. ما نراه حاصلا لمجتمعاتنا العربية التي تتفتت وتتآكل وتدفع ضريبة الدم والكرامة الوطنية لما حدث أو صار لو لم تكن هذه الحيرة المُستبة التي تعاني منها شعوبنا الضعيفة المُحتارة أبدًا بين الدين والدنيا التي بدورها تؤدي الى تدمير هذه المجتمعات وسرقة ثرواتها وتشرذمها وضياع كرامتها الوطنية وتقسيمها فعلا كما هو حاصل اليوم الى شيع وأحزاب وفرق وجماعات ضعيفة مُتصارعة يُفني الواحد منها الآخر بإمرة من أعدائها وأسيادها الحقيقيين في الغرب المدمر للحضارات وللشعوب.
هذا للأسف ما يحصل الآن في هذه المرحلة التاريخية البائسة التي نعيش احداثها اليوم ساعة بساعة.
