العتبة:"و الثروة في غيط الفلاح والعامل صاحب المفتاح"

single

  *أغنية*



".. والمفتاح عند الحداد والحدّاد بدو مره (مرأة)  والمره بدها صبي والصبي بدو حليب والحليب عند البقرة والبقرة بدها عشب والعشب بدو مية والمية من عند الله، لا اله الا الله".
اعتقد ان مقدمة هذه الاغنية الشعبية او لربما المحرّفة من اغنية شعبية، قد سقطت من ذاكرتي، فاقتصر ما بقي عالقا فيها على الكلمات المنسوجة سوية بمنطق ما. من خلال نظرة خاطفة الى الكلمات اجده منطقا ذكوريا صلفا: الرجل الحداد يحتاج لامرأة والمرأة تحتاج لصبي والصبي لا يتغذى منها. الاغنية الشعبية هذه او ما حرّف من اغنية شعبية ما – لا اعرفها- تصادمت مع منطق الطبيعة كي تتجنب دورا فاعلا للمرأة، ببساطة هو تغذية ولدها، لكن التغذية لها دلالات لا تنحصر بالدهون والكربوهيدرات والبروتينات! وربما تحولت هذه الاغنية عن منطق الطبيعة في مسار مغاير كي تصل للنتيجة الأصل المطلقة التي يُراد ترسيخها في ذاكرة الأطفال.
تلك الأغنية رددناها اطفالا بإيعاز من احد ما كان او كانت اكبر منا سنّا، ربما معلمة ما في البستان (المرحلة ما قبل الابتدائية) او في المدرسة، او شخص في طور انهماكه بالمجتمع والدين. 
عندما كبرت سررت باكتشاف صيغة اخرى اكثر جمالية وانسانية – برأيي-  لتلك الأغنية، صيغة محرّضة برقّة متناهية على الجدِّ.
 يقول الشيخ امام: يا غربَه روحي روحي / لا تحطي على سطوحي/ وسطوحي يطلع فدان والفدان محتاج مروى/ والمروى عرق الانسان والانسان يحتاج ثروة/ والثروة في غيط الفلاح والعامل صاحب المفتاح/والمفتاح يفتح جنة والجنة فيها الحنّا.



*الأول من أيّار قبل سنوات طويلة*


 تجهّزت بالقميص الأبيض منتظرة والدي، لا ادري أين كان، لكنه قد وعد باصطحابي معه الى مظاهرة عيد العمال، هناك كنت سأحصل على "ربطة حمراء"، انتظرته كأي طفلة تنتظر الانطلاق في الرحلة. ذلك اليوم تحديدا لم اشارك في المظاهرة، لكن رحلتي كانت قد انطلقت فعلا، مع والدي ومن ثم مع ما تعلمته منه.
سنوات طويلة مرت، اصبحت بنفسي عاملة، لست أعمل لا في البناء ولا المصانع ولست فلاحة في الحقول، لكني أكدّ واتعب وأركض خلف لقمة العيش، ولا أحصل بالمقابل على وردة العيد في الاول من أيار مثلما كان العمال في تلك السنوات البعيدة.
تغير وجه العامل والعاملة في بلدنا، الأرض صودرت بالكامل تقريبا، ومن يملك أرضه ممنوع من العمل فيها. والبناء والتشييد والصناعات الاخرى آفاق موصدة تقريبا أمامنا، فالسوق رخيصة وأصبحت لغرباء لم يكونوا يوما اعداء لنا، بل إن الفقر الذي حملهم من الشرق الاقصى الينا، هو عدونا المشترك، والفقر صناعة لبعضٍ مستوحش من البشر. والبشر دول وأجندات وسياسة.
اليوم، في الأول من ايار أفتقد من يحمينا نحن العمال من ذلك البعض المتوحش من البشر، أفتقده فعلا مدويا عند كل مفصل ومِحكّ.


*المِحَك*



تمادت بمخططاتها العلنية تلك المسماة زورا وبهتانا المؤسسة الاسرائيلية، وصدقا وحقيقة الاحتلال الاسرائيلي، فالاحتلال مؤسسة لا تكتفي بالأرض، بل تسعى للنيل من الإنسان عليها. والاحتلال واسرائيل اسمان مترادفان. إذًا يصح القول تمادت اسرائيل. وهي فعلا تمادت ببسط مشاريع التهجين والاسرلة والتجريم للانسان العربي الفلسطيني المخلوق فينا، لكنه لن يبقى إن تمادينا بالسكون، الذي سيطبق على مستقبلنا، مستقبلنا نحن "البقية الباقية في وطنها" كما يطيب للكثيرين القول.
مبادرات سياسية وحزبية واجتماعية عديدة انتفضت امام دعوات الحكومة الاسرائيلية واذنابها لتجنيد شباب شعبنا الفلسطيني في جيش الاحتلال، مستغلة اوضاعهم الاقتصادية المسحوقة بسبب سياسة الحكومة ذاتها، لكنها، أي تلك المبادرات لا تزال في البدايات، والطريق جليّة: موحلة ووعرة، الجميع فيها سواسية، فلا فضل لعربي على عربي امام اسرائيل.
تظاهرات عدة نُظّمت على وجه السرعة لتطلق موقف الرفض والغضب ضد اعتداءات "تدفيع الثمن"  اليهودية المتطرفة التي تسللت الى مدننا وقرانا، كما تسللت من ذي قبل الى قرى الضفة وحارات القدس. اخشى على هذا الغضب أن يخفت، فهذه الاعتداءات أشبه بالسرطان الخبيث الذي ينتشر بقوة ما لم يجتث. والاجتثاث مداواة للداء من أصله.
قبل يومين، قام مجرمو حملات تدفيع الثمن بالاعتداء على مسجد في قرية الفريديس، اضرار ليست ببسيطة ايضا ألحقت بعدد كبير من سيارات الاهالي، اولئك الاهالي عمال تعطلوا عن ارزاقهم، والارزاق تحتاج لمن يرعاها، وذلك حتما ليس في بيئة ترعاها سياسة الاحتلال والارهاب الممنهج. في الفريديس لاحظت الاعلام الاسرائيلية التي رفعت عند مدخل القرية استقبالا "لعيد الاستقلال" الاسرائيلي، قد يكون اعتداء المتطرفين على القرية سببا وجيها ليفكر مَن قَبِل بتلك الاعلام المحتفلة بنكبة شعبه، بانزالها مثلا! 
نصرة للعمال والشباب والاهالي في قرانا ومدننا، يتطلب المحك تخطيطا بعيد المدى وافعالا تبنى عليه وتجمع فيها كل من يرى بنفسه جزءا من الشعب العربي الفلسطيني او مناصرا لحقوقه.
***
ينهي الشيخ امام اغنيته العظيمة:
ورفاقي يا كل الناس من كل الناس والاجناس/ عالحنّا واقفين حراس / والحنّا على سطوحي/ يا غربِة روحي روحي.

قد يهمّكم أيضا..
featured

مخاطر العاصفة وعلل السياسة

featured

قراءة أولية في الإنتخابات اليونانية

featured

يجب الاتّهام، وتحميل المسؤوليّة

featured

"الأمن" كبغل يُمتطى للمصالح!

featured

إن كنت رجلا اصمت وأطلق نحو الهدف!

featured

سيرة ناصعة ومسيرة مشرفة

featured

زمن الردّة العربي