الراحلان جمال عبد الناصر وسلطان باشا الأطرش
*مراجعة نقدية لكتب تعليم الأدب العربي في المدارس الدرزية
* فيما يلي الحلقة الأخيرة من هذا البحث الهام
فعلى سبيل المثال في باب النثر الحديث المؤلف من المقالة والقصة- كتاب المنتخب من الأدب العربي ونصوصه للصفين العاشر والحادي عشر، لجأ القيمون على كتب الأدب إلى انتقاء 14 نصًا، 6 نصوص منها لمؤلفين دروز، بعضهم لا يمكن تصنيفهم بأيّ حالٍ من الأحوال تحت خانة أدباء محليين أو على المستوى العربي. أبرز مثال على ذلك هي قصة الشيخ سليم لسلمان فلاح التي تمّ موضعتها جنبًا إلى جنب مع قصص للمنفلوطي والمازني وسليمان البستاني ومارون عبود وغيرهم! (المنتخب للصفين العاشر والحادي عشر 1996 ص 69-145).
إلا ان البعد الآخر الذي يقف وراء آلية الانتقاء تتعلق بالمضامين. او ما أسميناه هنا الرسائل المبطنة، فقصة الشيخ سليم التي تتحدث عن شاب درزي "ومن بيت مشايخ" اضطر إلى الهجرة والزواج من غير درزية والانقطاع عن مجتمعه ومن ثم يصف المؤلف حالة التخبط التي عاشها الشيخ سليم الذي بلغ السبعين من عمره حاملًا معه ذكرى تكاد تفقد صوابه كلما تذكر ذكرى فقدانه أمه وأبيه دون ان يراهم (المصدر السابق ص 130-134). من الواضح أنّ المؤلف الذي كان قيمًا على وضع برامج التعليم في المدارس الدرزية أراد من وراء إدخال هذا النص التنظير للتقوقع الطائفي من خلال طرق مسألة حساسة طالما احتلت جزءًا في الخطاب الدائر في المجتمع العربي وهي مسألة الزواج المختلط. فالنص الأدبي الذي من شأنه تعريف الطالب على ثقافته ومحيطه العربي تحول إلى أداة لقوقعته اجتماعيًا وثقافيًا.
قصيدة رجوع للشاعر المحلي نزيه خير تنصب في نفس سياق التقوقع الديني والطائفي. فهذه القصيدة تتناول عقيدة التّقمص التي اختص بها مذهب التوحيد الدرزي وكانت نصوص الأدب العربي هي الإطار التعليمي الذي يجب من خلاله إبراز العقائد الدينية لدى الدروز (المنتخب للصف الثاني عشر 1997ص 133). ألا يكفي التراث الدرزي ذلك الموضوع المستحدث لتعريف الطلاب الدروز بعقائدهم وتاريخ مذهبهم؟ أهو من قبيل الصدفة الإتيان بنص شعري ينظر لعقيدة التقمص التي يختص بها مذهب التوحيد الدرزي دون غيره؟ أليس بالحري الإتيان بنصوص شعرية تؤكد على الجامع الثقافي والتاريخي ما بين الدروز وأولئك الناطقين بالضاد من حولهم؟ ولماذا يجب ان تكون العربية التي هي القاسم الثقافي الأساسي المشترك لسكان هذه المعمورة مؤطرة في سياق درزي صرف؟
هذه الانتقائية المؤدلجة تنعكس ايضًا من تناول الشعر في العصر العباسي، حيث خصّص واضعو الكتاب بابا للشعر الفاطمي مؤلفا من 7 نصوص في حين خصّص للشعر المشرقي في العصر العباسي 11 نصا. 4 من النصوص الشعرية المصنفة فاطميًا تختص بالمذهب الدرزي ولها خصوصية دينية عقائدية هي للأمير سيف الدين التنوخي والشيخ الفاضل والشيخ الكفرقوقي (المنتخب للصفين العاشر والحادي عشر ص 170-77) فهؤلاء الذين تقدم ذكرهم هم رموز وأعلام دينية وليسوا بأي حال من الأحوال رموزا معروفة في مجال الأدب العربي وكتابتهم لم تتعد السياق الديني، وبالتالي فإن اختصار الإنتاج الأدبي الغزير للعصر الفاطمي بنصوص شعرية أو نثرية مختصة بالأساس بمذهب الدروز هي محاولة لاغتصاب اللغة والأدب وتوظيفهما في غير ما أريد لهما.
اختيار هذه النصوص من بين آلاف النصوص التي أفرزها العصر العباسي تصب في نفس السياق الرامي إلى التقوقع الطائفي - المذهبي من خلال استقراء نصوص شعرية صنفت على أنها فاطمية، في سياق الرسائل المبطنة يندرج أيضًا نصّ "نصيحة يترو لموسى" في كتاب المنتخب للصف التاسع وتحت باب "نصوص دينية". لم يجدِ القيّمون على تعليم العربية في الوسط الدرزي إلا المجيء بهذا النصّ الذي يقصد منه إعادة إنتاج الوعي حول تاريخية وأقدمية حلف الدمّ ما بين الدروز والدولة اليهودية، فما يُراد من هذا النص هو أن يُعاد بالحلف ثلاثة آلاف سنة إلى الوراء عندما قدم يترو نصيحته القضاة لموسى (المنتخب للصف التاسع 1996 ص 229-230).
ما يَلفت الانتباه في هذا النصّ أمران اثنان: الأول أنه من كلّ التوراة وقع الاختيار بالتحديد على هذا النصّ لانه يُعتبر المرتكز الاساسي لجوقة التنظير حول التحالف التاريخي بين اليهود والدروز كأقليتين مضطهدتين بدأت العلاقة بينهم بنصيحة قدمها يثرو نبي الدروز في إسرائيل لموسى نبيّ اليهود وزوّجه ابنته تسيبورا (Derfner, 2009).
الأمر الثاني أنَ يترو ذكر باسمه التوراتي وليس باسمه المتداول عربيًا بإيحاء من النصّ القرآني ألا وهو شعيب وذلك في إشارةٍ ضمنية إلى استبعاد المدلول العربي للاسم.
السؤال الذي لا يمكن تجاوزه هُنا هو لماذا لم يقع الاختيار مثلًا على القصص الأخرى للأنبياء والتي يعج بها النصّ التوراتي كقصة يعقوب ويوسف الصديق والملك داوود وجليات، ابراهيم، والذبيح وقصة الملك سليمان الحكيم وغيرها الكثير؟
* الخلاصة*
إن منهاج التعليم الذي وضعته وزارة التعليم بناء على توصيات لجنتي بن دور وشخترمن جاء ليخدم ايديولوجية محددة يمكن تلخيصها بتعزيز الهوية الطائفية الدرزية- الانطوائية لدى الأجيال الجديدة وكذلك الولاء الايديولوجي والسياسي لدولة إسرائيل والإمعان في الانعزال عن المحيط العربي- الاسلامي، وبالتالي فإن تدريس اللغة العربية بأدبها ونصوصها في المدارس الدرزية ينصب في نفس السياق. فاللغة العربية والتي من المفروض ان تشكِّل وسيلة ثقافية للتواصل والتعرف على ثقافة الذات أصبحت أداة لإعادة إنتاج الوعي وتأطير النشء الجديد بما ينسجم مع الفكر الأقلوي" الذي جاءت به الايديولوجية الصهيونية.
اللغة التي اعتبرها ساطع الحصري متاثرًا بفيلسوف القومية الألمانية يوهان غونتليف فيخته محور الفكر القومي العربي معتبرًا أنّ اللغة هي روح الأمة وحياتها وهي بمثابة محور الانتماء القومي وعمودها الفقري والأساس في تكوين الأمة وبناء القومية، هو: وحدة اللغـة ووحدة التاريـخ (عيسى 1999 ص 164) - تصبح في منهاج التعليم الدرزي أداة إضافية للتحصيل العلمي لا غير وتفقد دلالتها القومية وكأن إحياء اللغة العبرية لم يكن أحد مرتكزات النهضة القومية للحركة الصهيونية منذ بدايتها.
ولا زلت أذكر مقولة أحد المدرسين الذي كان يُصرح، أن تنطق بالعربية لا يعني أنك عربي. فاليهود الشرقيون كانوا ينطقون بالعربية إلاّ انهم لم يكونوا عربًا وكذلك الأمر بالنسبة للأمريكيين والكنديين والانجليز والاستراليين، كلهم يتحدثون الانجليزية إلا انهم لا يشكلون أمة واحدة.
إن تعليم اللغة العربية في المدارس الدرزية هو جزء لا يتجزأ من سياسة تدريز الدروز التي بدأ تطبيقها منذ منتصف السبعينيات وانعكست بشكل واضح على آلية اختيار النصوص الأدبية. هذه الآلية اتّسمت بإلغاء البعد الفلسطيني وتهميش المدلول القومي والثقافي للغة. وتجاوز كلّ ما من شأنه أن يتناول عوامل التواصل ما بين الجماعة ومحيطها. النهج الأيديولوجي نفسه كان وراء وضع النصوص التعليمية في مجالات التاريخ والعبرية والتراث الدرزي وغيره، فكون السواد الأعظم من الموحدين الدروز في سوريا ولبنان في وعيه وممارسته وتوجهاته السياسية والفكرية مندمجا في المحيط، متفاعلا معه، متناغما مع تحولاته تعكس في رأي القائمين على التعليم الدرزي الشذوذ وهم بفكرهم الانعزالي يمثلون القاعدة.
إن منهاج تعليم اللغة العربية في المدارس الدرزية يحاول قسرًا إلغاء العلاقة الجدلية ما بين اللغة والهوية. ولعلّ أزمة الهوية التي تعيشها الأجيال الجديدة اليوم هي من إفرازات هذه المناهج التي لم تتورع حتى عن توظيف العربية لإلغاء الانتماء العربي لمجتمع الدروز داخل إسرائيل.
(انتهى)
* مراجع باللغة الانجليزية*
Derfner, L. (2009). Covenant of Blood. The Jerusalem Post, January 15, 2009.
Kassab, E. (2010). Contemporary Arab Thought. New York: Columbia University Press.
Kraemer, R. (1990) Social-Psychological Factors Related to the Study of Arabic among Israeli Students, unpublished Phd. Dissertation, School of Education, Tel Aviv University.
Suleiman, Y. (1994). Arabic Sociolinguistics: Issues and Perspectives. Richmond: Curzon Press.
Turkyimaz, Z. (2009). Anxieties of Conversion: Missionaries, State and Heterodox communities in the late Ottoman Empire. Unpublished thesis, University of California, Los Angeles.
* مراجع باللغة العبرية
***
* مراجع باللغة العربية
ارسلان، ش. (1990). الدروز أو بنو معروف بأجمعهم عرب اقحاح في: الامير شكيب ارسلان بنو معروف اهل العروبة والاسلام. بيروت: دار العودة والمجلس الدرزي للبحوث والانماء.
عيسى، م. ع. (1999). نظرية الحصري في القومية العربية: جدلية الاثبات والنفي في: ساطع الحصري: ثلاثون عاما على الرحيل. بيروت: مركز دراسات الوحده العربيه.
لجنة المبادرة العربية الدرزية (2005). الشيخ فرهود قاسم فرهود. شفاعمرو: دار المشرق.
المنتخب من الادب العربي ونصوصه للصفين العاشر والحادي عشر (1996). جامعة حيفا كلية التربية فرع المناهج الدراسية.
المنتخب من النصوص الادبية للصف الثاني عشر (1997). جامعة حيفا كلية التربية فرع المناهج الدراسية.
المنتخب من النصوص الادبية للصف التاسع جامعة حيفا (1996) كلية التربية فرع المناهج الدراسية.
كتاب المنتخب من النصوص الادبية للصف الثامن (1996). جامعة حيفا كلية التربية فرع المناهج الدراسية.
