تقييم الذات من خلال إلغاء الآخرين

single

في بداية معركة الانتخابات السابقة اتخذت الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة قرارا صحيحا، شجاعا، واعيا في غاية الأهمية، وذلك بالالتزام بطرح الموقف الصحيح بعيدا عن المهاترات بالامتناع عن مهاجمة ومناكفة او شن الحرب الكلامية على أي حزب سياسي في الوسط العربي.
وطرحت مواقفها الصلبة والمبدئية بكل هدوء وترو لكن بصلابة وثقة بالجمهور وبوعيه وحسن تقديره للأمور. وقد اكسبها ذلك المزيد من الاحترام والتقدير كما اتضح ذلك ايضا في صناديق الاقتراع.
وواجهت الجبهة بذلك التيار العنصري والتيار القومجي الذي لم يلتزم بالأمر بل بنى دعايته الانتخابية واستغل كل منبر ممكن للهجوم على الجبهة ورموزها ببث الأكاذيب والتضليلات التي يمتنع اللسان أحيانا عن ذكرها وصلت أحيانا حد التخوين، متناسيا العدو الحقيقي الا وهو ليبرمان وأعوانه.
ان على الحزب الشيوعي والجبهة بحكم موقعهما كأكبر تيار وطني ديمقراطي يساري ومن موقع المسؤولية الوطنية العليا ان يسيرا الخطوة الثانية في هذا الاتجاه بترسيخ الموقف ونشره والالتزام به الى النهاية، وبتثقيف كوادرهما واصدقائهما ومؤيديهما على هذا النهج، وذلك لاننا نعيش في مجتمع مليء بالقضايا الهامة والملحة، الاجتماعية والسياسية والفكرية، والتي بحاجة الى نقاش، ومراجعة ومصارحة في أجواء ناضجة وواعية.
ان ما يحدث في مجتمعنا، هو أمر في غاية الخطورة على مستوى الفرد والمجتمع على المستوى الثقافي والسياسي. اذ ما ان يتشكل حزب او مجموعة وما ان يظهر فرد ويبرز في أي مجال من مجالات الحياة حتى يبدأ الهجوم غير المبرر والنقد غير الموضوعي والنقاش السطحي وإلغاء الأخر والسب والشتم واستعمال كل مصطلحات التسفيه الموجودة في قاموس اللغة العربية وكأن الحياة بدأت عندما قام هذا الجسم للحياة، او بالضرورة جاء هو ليحل محل غيره، وهكذا يعيش شعبنا في دوامة المناكفات والمزايدات التي لها أول وليس لها آخر.
لقد أسهمت في صنع هذه الأجواء وتعميقها بعض القوائم والأحزاب السياسية النفعية المحلية وقطرية التي لا هم لها ولا برنامج غير السب والشتم وذم الآخرين من اجل ان يكون لها مكانها وتسجل نقاطا، او تكسب بعض الأصوات. أليس من السخرية ان يفصل الجهلة في القضايا السياسية الخطيرة مثلا لتضيع الآراء والمواقف والمبادئ في زحمة الثرثرة والصراخ؟ أليس من العار ان تترك مقدرات مجتمعنا تحت رحمة مواطنين يتصرفون بهذه المقدرات بخفة واستهتار كما لو كانوا يلعبون الورق؟
ان ما يحدث على ارض الواقع هو انه تسيطر على مجتمعنا بشكل او بآخر ثقافة ذم الآخرين من اجل مدح الذات، وكأن مكانتنا وصدقنا وصحة طريقنا ونهجنا أمور مرهونة بشكل كلي بمدى فشل الآخرين في تحقيق ذاتهم، لا بنجاحهم وتقدمهم وتطورهم.
الحياة السياسية في البلاد بالأحزاب والقوائم المتنافسة على السلطة، أي سلطة،  بحاجة الى قيادة من مختلف التيارات والأفكار والمشارب وجميعها تبغي الوصول بشكل أو بآخر إلى السلطة لتحقيق الذات او لتحقيق أهداف ورؤى تراها مناسبة لها قد تكون ذاتية وقد تكون جمعية، وربما لمنفعة المجتمع ككل او لتطبيق مبادئ وآراء تؤمن بها وترى ان خلاص المجتمع بتطبيق هذه المبادئ والأفكار. يستطيع الحزب او الشخص ان ينشر مبادئه ويدافع عنها ويشرحها كيفما شاء وبالطريقة التي يراها مناسبة فهذا حق وواجب من اجل ان يفهمه الآخرون، وهو مثقف ومجند وهام من اجل ان يفهم المجتمع في شتى مجالات الحياة اين يقف، من يؤيد ويدعم ومن يرفض ولا يقبل، والساحة الحزبية والاجتماعية والفردية تتسع للجميع.
في كل مجتمعات الأرض وعند كل الشعوب هناك احترام وتقدير لكل إنسان حسب مكانته وموقعه وثقافته، هناك تنافس حضاري وإنساني في شتى مجالات الحياة وعلى كل المستويات ومن يبدع يقدر ويحترم ويصبح ملك للشعب والأمة، ومن كان ضعيفا وغير قادر يأخذ بيده ويساعد كي يسمو ويعلو مع الآخرين وان كان حزب او مجموعة فإن الشعب والمجتمع يلتف حوله ويدعمه ويسانده بمقدار ما هو صالح او ينفع الشعب والمجتمع، وان لم يكن فان المجتمع سيبتعد عنه ويتركه حتى يضمحل ويتلاشى، هكذا تتطور الأمم وترتقي الشعوب وتسيطر نخبتها على عامتها في شتى المجالات ولمصلحة الجميع، هذا هو الجو العام الذي يجب ان يسود مجتمعنا وامتنا كي تتطور وتنهض وتسير بخطى واثقة وصحيحة نحو العلا.
هذا ما تؤمن به الجبهة، بالمنافسة الحضارية، محترمة تعددية الآراء بين فئات شعبنا. لكن الويل لمن ينسى اننا شعب واحد لنا قضايانا المشتركة ونضالنا المشترك لنيل مطالبنا. والويل أيضا لمن ينسى او يتناسى العدو المشترك لجماهيرنا العربية بشكل خاص إلا وهو اليمين الآخذ بالانتشار الذي سيسيطر رويدا رويدا على حياتنا، وأكلنا وهواءنا.
شعبنا سيجدد مرارا عهده مع حزبنا الشيوعي وجبهته لأنه الخط الصحيح، الواعي والوطني لجماهيرنا العربية الفلسطينية.

(كوكب ابو الهيجاء)

قد يهمّكم أيضا..
featured

" ابو أسعد رجل والرجال قليل"

featured

إعادة احتلال مخيم اليرموك

featured

هدى ورحاب والعميلة نهى والشيخة موزة!

featured

حيفا بعد الاحتلال المصري

featured

مستنقع العنصرية الآسن..!

featured

احقا انتهت الحملة العسكرية ؟

featured

حضارة سبعة آلاف سنة