كان لقاؤنا الأخير في 30 نيسان 1994 في المستشفى النمساويّ في الناصرة حيث كنا نعود صديقنا المشترك الكاتب إميل حبيبي قبل رحيله بيومين، وكان الأسى في عينيه والمرارة على لسانه، ومنذ ذلك النهار زاد الاستيطان وسيطر اليمين على الكنيست وعلى صنّاع القرار في إسرائيل وزادت مرارة الرجل وتصاعد غضبه.
يشعر نتان زاخ منذ سنوات بالغربة في هذه الدّولة التي حارب لإقامتها: "قالوا ستكون بلاد السمن والعسل. فماذا وجدنا؟ لا أنصح أحدا أن يأتي إلى هنا. هناك أمور كثيرة سيّئة في هذه الدّولة وأنا أتفهّم الشبّان الذين يرغبون بالهرب منها. يا أيّها الشبّان إذا رغبتم بالذّهاب إلى برلين فاذهبوا بل اذهبوا إلى كل مكان ترونه أفضل من هنا!".
الشّاعر الإسرائيليّ نتان زاخ (83 عاما) من كبار شعراء اللغة العبريّة على مرّ العصور وتُرجمت أشعاره إلى لغات عديدة ونال جائزة إسرائيل للآداب، ودعا قبل سنوات بجرأة إلى مقاطعة المستوطنات، وكان أول شاعر إسرائيليّ لا يوافق على نشر أشعاره خارج الخطّ الأخضر الذي يقول عنه "كانوا يسمّونه الخطّ الأخضر لكنّهم سرقوا الخضرة منه وبقي الخطّ وقريبا سوف يسرقون الخطّ أيضا" ويؤكّد كما في السنوات الماضية أنّ هناك علاقة بين الاحتلال وبين العنف الذي تفشّى في المجتمع الإسرائيليّ "امرأة تقتل أبناءها وأب يقذف أبناءه من طابق عالٍ في البناية وينتحر. يحدث هذا في إسرائيل وليس في المهجر" ويصل إلى نتيجة قاسية: "لا أريد أن تنتهي حياتي في دولة أبرتهايد". ويعتقد أنّ أجمل سنوات عمره هي التي قضاها في انجلترا (1967 – 1980) ويقرّ بأنه أخطأ حينما عاد إلى "دولة تقوم على حدّ السّيف". ويقول بأسى ومرارة "اعتقدتُ أنّنا نستطيع أن نغيّر العالم وأن نؤسّس هنا شيئا ما، ولكنّا لم ننجح لأنّنا حرباوات. ولن ينمو هنا شيء ما. لن يكون سلام. والتلفزيون الإسرائيليّ يبثّ برامج تثقّف المجتمع على الحرب وتعدّ عقول النّاس ونفوسهم للحرب النوويّة القادمة." ويكشف نتان زاخ عن الواقع المأساويّ للشّعب الإسرائيليّ: "لا أحد يستطيع أن يغني هنا بسبب واقع إسرائيل. حتّى العصافير التي أقدّم لها الطّعام على شرفة البيت ما عادت تغرّد."
و زاخ الشاعر الكبير وأحد أعمدة الشّعر العبريّ يقول "الشّعر العبريّ مرعب وقذر وأما الثقافة الإسرائيليّة فهي ثقافة فوضى مثل أيام روما الأخيرة" ويقول عن برامج التعليم: "نحن ندرّس طلابنا الكراهيّة والاستعداد للقنبلة الذريّة بدل أن نثقفهم على الجيرة الحسنة" في حين أنّ حكام إسرائيل ينتقدون برامج التعليم الفلسطينيّة وهذا يذكرني بالمثل "في عينه خشبة ويقول شو القشّة إللي في عينك".
هذه الأقوال الجريئة التي أدلى بها الشاعر نتان زاخ إلى الصحفيّ إلعاد زرط ونشرها في ملحق "7 أيام" في صحيفة "يديعوت أحرونوت" في 25 أكتوبر 2013 بمناسبة صدور مجموعته الشعريّة الجديدة "من المكان الذي لم نكن فيه إلى المكان الذي لن نكون فيه" تفصح عمّا يدور في نفس المثقف الإسرائيليّ الذي يقرأ الواقع قراءة عميقة... ولا بدّ أن تحرّك المياه السّاكنة.
نتان زاخ ليس شاعر غضب، ولا نبيّ غضب، ولكنه مثقف هامّ ذو ضمير مستيقظ وشجاع!!
