* كتاب "الموروث المسروق" يشكّك في التحقيب المهيمن ويفترض أن مؤلفات أرسطو قد جلبت من الإسكندرية *
يشكك الدكتور جورج جيمس في مصداقية مؤلفات أرسطو وحجته في ذلك أن عددها هائل ولا يمكن أن يؤلفها شخص واحد. وعلى هذا الأساس إنه يفترض بأن هذه المؤلفات قد جلبت من الإسكندرية ومن ثم نسبت إليه. ويقدم الدكتور جيمس تعليلا آخر وهو أن أرسطو قد زار مصر بالتأكيد، ولكنه لا يحسم في القول بأنه (أي أرسطو) قد زارها بمفرده، أو بمعية الإسكندر الأكبر الذي غزا الإسكندرية.
يلاحظ المرء ندرة الأبحاث والدراسات العربية المقارنة التي تتقصى جذور ومصادر الفلسفة التي تدعى في تاريخ المعرفة البشرية بالفلسفة اليونانية التي يؤرخ لها بأنها- إرث أوروبي- غربي خالص. ونتيجة لذلك فإن مناهجنا وبرامجنا التعليمية ما تزال هي بدورها تدرس جنيالوجيا الأفكار الفلسفية بمعزل عن مكوناتها الأصلية، وعن المؤثرات المتبادلة بين الغرب المتمثل في اليونان وبين الفضاءات الثقافية والحضارية الأفرو-أسيوية. وهكذا نجد ثانوياتنا وجامعاتنا تعيد اجترار التحقيب الذي صممته الجامعات الغربية، وبذلك ساهمت سلبيا في عدم تعريف الأجيال من المحيط إلى الخليج بدور مصر مثلا في مجال الفلسفة، والأساطير والمعمار، والرياضيات. ولحد الآن تفتقد جامعاتنا إلى المبادرة في دراسة التأثير العميق الذي مارسته كل من قارتي إفريقيا وآسيا في صنع عدد من الأفكار المحورية للحضارة اليونانية. بالنظر إلى هذا الوضع فإن الوقت قد حان لتوجيه الدارسين والطلاب ببلداننا لفحص وبحث هذا البعد التاريخي والفكري والحضاري إنه لا بد أن لا يفهم من هذا بأن اليونان هو من صنعنا كلية، بل لا بد من الاعتراف بهوية وفرادة الثقافة الغربية واليونانية جزء مكون لها. وهكذا، فإن هذه الفرادة لا تعني مطلقا عدم تأثير اليونان بالعناصر الحضارية المصرية على سبيل المثال لا الحصر.
وبناء على ما تقدم، فإن المطلوب من جامعاتنا تأسيس ما يدعى بالدراسات الثقافية المقارنة، وبالدراسات الفلسفية المقارنة لكن ندفع بأجيالنا الجديدة إلى معرفة المثاقفة التي تمت في العصور القديمة بين الحضارة اليونانية والحضارة المصرية، أو الحضارة الفينيقية. إنه من الضروري أن يعيد القيمون على المنظومة التعليمية العليا ببلداننا النظر في مضامين مناهجنا وبرامجنا. وفي هذا السياق فإنه لا بد من التذكير بأن التركيز في جامعاتنا ومعاهدنا العليا قد انصب في الغالب التأثير اليوناني على العقل العربي- الإسلامي.
كما أن التركيز قد تمحور أيضا حول دور المسلمين في ترجمة الفلسفة اليونانية وشرحها وتأويلها، وبالتالي تقديم حتى للغرب نفسه عندما كان يعيش في كنف الانحطاط. وهكذا تم تعتيم دور مصر الفكري والتاريخي في المساهمة الفعلية في مساعدة اليونان لينهض فكريا وفلسفيا. ومما لا شك فيه أن الذين قاموا بالكشف عن هذا الدور هم بعض الدارسين الغربيين أمثال مارتن برنال في كتابه الشهير "أثينا السوداء"، بجزئيه، والذي يعد من أهم وأبرز الدراسات الفكرية المقارنة التي قامت بتتبع جذور التأثير الأفرو-أسيوي في المجتمع اليوناني الفلسفي والحضاري. إلى جانب مارتن برنال هناك الباحث في الفلسفة وتاريخها الأستاذ جورج م. جيمس المولود في جورج تاون- غيانا بأمريكا الجنوبية. لقد تمكن هذا الدارس من مفاجأة المجتمعات الأكاديمية المهتمة بالدراسات الفلسفية المقارنة في الفضاء الغربي وذلك في عام 1954 بكتابه الذي يحمل عنوان "الموروث المسروق" محاججا فيه بالشواهد، وبالاعتماد على النصوص الفلسفية المصرية القديمة بأن الإغريق ليسوا بمبدعي الفلسفة الإغريقية، بل إن المصريين هم مبدعوها من حيث الريادة والأصل. في هذا الكتاب الذي يعد وثيقة أكاديمية أساسية مفتوحة على النقاش يرى جورج جيمس بأنه لا بد من إعادة كتابة تاريخ الفلسفة الإنسانية وخاصة الغربية منها. وبالتالي، فقد أوضح بأن تاريخ الفلسفة السائد والمسيطر في المناهج والبرامج التعليمية في حاجة إلى تعديل، وتصفية مما لحقه من تزوير للحقائق وقلب لها، وإنكار متعمد في الغالب للدور الحضاري الذي لعبته مصر في المساهمة جزئيا في صياغة العقل الفلسفي اليوناني. ويصف عمليات الإنكار هذه لدور مصر بالمركزية اليونانية- الغربية اللاغية للمثقافة وللتأثير التي جاءت من حوض النيل في مصر بالذات.
يتضمن كتاب الدكتور جورج جيمس "الموروث المسروق" ثمانية فصول وهي كالتالي: الفلسفة اليونانية مسروقة من الفلسفة المصرية؛ ما يسمى بالفلسفة اليونانية كانت غريبة عن أهل اليونان وأسلوب حياتهم؛ الفلسفة اليونانية كانت من أصل النظام الديني السري المصري؛ المصريون علموا الإغريق؛ الفلاسفة ما قبل السقراطيين والتعليم المنسوب إليهم؛ الفلسفة الأثينية؛ منهج نظام الطقوس الدينية السرية المصرية؛ ديانة ممفيس هي أساس أهم المعتقدات الفلسفية الإغريقية.
* العبودية الذهنية متواصلة
في مقدمته لهذا الكتاب "الموروث المسروق" يرى جورج جيمس بأن "العبودية الذهنية هي عنف غير مرئي، في حين أن العبودية الجسدية قد أشرفت على نهايتها في الولايات المتحدة الأمريكية. أما العبودية الذهنية فإنها متواصلة حتى الآن". ويعني الدكتور جورج جيمس بذلك بأن إنكار الدور الحضاري والفلسفي الذي ساهمت به الشعوب غير الأوروبية، وفي مقدمتها مصر يعتبر ممارسة للعنف الفكري، ولتكريس عبودية غير مرئية. إن هذه العبودية الذهنية اللامرئية لا تقل شراسة وخطورة عن العبودية الجسدية.
ويوضح الدكتور جيمس الموقف هكذا "لقد قيل لنا في العالم الغربي بأن الشكل الحضاري الأعلى هو غربي، وأن الحضارة الغربية هي إنتاج مستقل للعبقرية الغربية، وأن العالم ما عدا بعض الاستثناءات الممكنة قد انتظر داخل الظلام حتى جلبت إليه أوروبا الغربية الأضواء. وفي بعض الحالات فإن الأضواء التي جلبتها أوروبا الغربية كانت متقدمة جدا على بعض شعوب العالم". وهنا يدعو الدكتور جورج جيمس هذه النزعة الغربية المتمركزة ذاتيا واللاغية للآخر بالنرجسية الغربية المتمركزة إثنيا. ويرى أيضا في معرض نقده للغرب أن قول نابليون الذي مضمونه هو "التاريخ خرافة قد تم الاتفاق بشأنها" هي خرافة الحضارة الغربية وأوهامها في أنها مستقلة ذاتيا، ولم تؤثر فيها وعليها حضارات أخرى. ففي حديثه عن مميزات الفلسفة الإغريقية" خاطئ بسبب انعدام هذه الفلسفة.
ويطور الدكتور جيمس المناقشة هكذا "المصريون القدامى قد طوروا نظاما دينيا معقدا جدا وسمي بالطقوس الدينية السرية، والذي كان أول نظام للخلاص". ولقد اعتبر هذا النظام "الجسد البشري كسجن للروح، والذي تحريره منه بالفنون والعلوم"، أي بممارسة الفكر والمواهب الفنية. ومن الناحية التاريخية يذهب الدكتور جورج جيمس بأن الشعب الإغريقي قد حرم من النهل من الثقافة المصرية لمدة طويلة دامت خمسة قرون تقريبا. ولكن من خلال الغزوات الفارسية تمكن الشعب الإغريقي من الدخول إلى مصر أولا، وثانيا قد ربط علاقة وطيدة معه في عهد غزوات الإسكندر الأكبر. وهنا يشكك الدكتور جورج جيمس في مصداقية مؤلفات أرسطو وحجته في ذلك أن عددها هائل ولا يمكن أن يؤلفها شخص واحد. وعلى هذا الأساس إنه يفترض بأن هذه المؤلفات قد جلبت من الإسكندرية ومن ثم نسبت إليه. ويقدم الدكتور جيمس تعليلا آخر وهو أن أرسطو قد زار مصر بالتأكيد، ولكنه لا يحسم في القول بأنه "أي أرسطو" قد زارها بمفرده، أو بمعية الإسكندر الأكبر الذي غزا الإسكندرية.
وبهذا الشأن يعتبر الدكتور جورج جيمس الصمت المضروب على هذه الزيارة أمرا يستدعي التفكير في خلفياته وأسبابه. وفي الوقت نفسه نجد الدكتور جيمس يتقصى التاريخ الإغريقي بعمق. وفي هذا الإطار قد أبرز بأن الفيلسوف والرياضي الإغريقي الشهير وهو فيثاغورس قد تعلم في مصر، ومن ثم عاد "إلى موطنه ساموس الجزيرة اليونانية حيث أسس نظامه الفلسفي لمدة قصيرة. ومن بعد هاجر إلى كروتون بجنوب إيطاليا وذلك في عام 540 قبل الميلاد". ويحاجج الدكتور جيمس أيضا بأن أرسطو طاليس قد تعلم في مصر، ومن ثم عاد إلى أيونية بآسيا الوسطى التي كانت مقرا للطقوس الدينية السرية المصرية وتعاليمها.
* الفلسفة وأسلوب الحياة
أما بخصوص نفي الدكتور جورج جيمس لوجود أية علاقة عضوية ومتميزة بين ما يسمى بالفلسفة اليونانية وبين أسلوب الحياة في اليونان فإنه يدعم رأيه وفرضيته بقوله بأن المرحلة التي يتفق عليها المؤرخون بأنه فيها ولدت الفلسفة اليونانية وهي تمتد من 630 قبل الميلاد إلى 322 قبل الميلاد هي في الواقع فترة زمنية تميزت بعدم الاستقرار السياسي، وهي المرحلة التي "اندلعت فيها الحروب الداخلية في اليونان".
وبناء على ذلك فإن الدكتور جورج جيمس يعتقد بأنها مرحلة "غير ملائمة لإنتاج الفلسفة" لأن الإبداع الفلسفي هو ثمرة الاستقرار، والتأمل. إذا كان الدكتور جورج جيمس يعيد أصول الفلسفة اليونانية إلى جذرها المصري فماذا أخذ اليونانيون إذا من مصر بالتحديد؟ ففي تقديره فإن اليونانيين قد نهلوا من معين نظام الطقوس السرية الدينية السرية. وكما اعتمدوا في بناء فلسفتهم على النظرية المصرية في الخلاص. وفي هذا السياق يذهب الدكتور جيمس إلى القول بأن النظرية المسيحية في الخلاص هي ذاتها قد تأثرت بالتعاليم المصرية. وعلى ضوء المقارنات التي عقدها الدكتور جورج جيمس بين النصوص المصرية كما هي في البرديات وفي كتاب الموتى وبين النصوص الفلسفية لسقراط وأفلاطون يستنتج بأن هذه الأخيرة مشتقة من عمق الموروث المصري.
كما يحاجج بأن نظرية المثل لأفلاطون، ونظرية الكون مؤسستان على المفاهيم الفلسفية المصرية. على أية حال، فإن المناقشة الفكرية والعلمية التي يجريها الدكتور جورج جيمس تؤكد مسألة مهمة وهي أن الحضارات متبادلة التأثير، وأن الفكر ينتقل من ثقافة إلى أخرى. إنه بهذا ينزع القناع عن نظريات التمركز الحضاري، أو الإثني، أو العرقي. فما أجدر دارسينا وباحثينا في مجال تاريخ الفلسفة بمواصلة هذا المشروع في الدراسات الفلسفية المقارنة.
* كاتب جزائري (عن "العرب أون لاين")
