هدير في بحر الدموع

single


كل شيء في هذا الكون، له أساس، نقطة انطلاق، يعني بداية وبالضرورة ان تكون له خاتمة. أما الشعب فله عنوان، علم وهوية ودولة والحتمية هي الحرية، كما ان للجراح والنزيف نهاية، عندما تحضر وتتوفر وسائل العلاج. فهل من مفارقات الحياة في دورتها وجدليتها ان لكل معضلات الحياة والصراع بدايات وحلولا إلا معضلة واحدة في هذا الكون الواسع إلا كيفية وضع حد لمأساة الشعب الفلسطيني، وكأنه كُتب عليه ان يدفع الفاتورة تلو الفاتورة في زمن الحصار الخانق.
بالرغم من كل المآسي والويلات فإن شعب فلسطين الطيب والصابر والصامد، ومن بين الدمار، يقف كالمارد يتلقى الضربات ويبتسم للحياة وكأنه على موعد معها مع فجر جديد، يمارس حياته وسط كومة الردم وبحر الحسرة والدموع وآلاف الشهداء الذين عبّدوا ويعبدون الطريق إلى الحرية والاستقلال والدولة بالدم الأحمر، ليس حبًا "بالدم" وإنما يمهر ذلك وبدموع العيون مقدمًا بالشهادة والهامة المرفوعة في وجه الظالم من الصهيونيين والاستعماريين والأمريكيين والخليجيين المتواطئين حتى النعال مع أسيادهم.
بقد كان القرار التاريخي الوحدوي برفع التمثيل الفلسطيني في الأمم المتحدة إلى مستوى دولة غير عضو في الأمم المتحدة، كي لا تبقى الغطرسة الإسرائيلية على فلسطين حكومة وشعبًا من فوق الأنف، لكن ما زال في جعبة المتآمرين من صهاينة وعرب أمريكيين وغيرهم، مخططات للمزيد من إجراء التجارب وقطع الطريق أمام تحقيق أحلام وطموحات وأماني هذا الشعب.. وبالطبع توجد هذه في جوارير وحقائب الدبلوماسيين وردهات المخابرات والاهم في عقول الساسة أصحاب القرار في إسرائيل وأمريكا وأعوانهم في المنطقة. إنهم لا يتعلمون من التاريخ شيئًا فمقولة ان إرادة الشعوب اقوى من طغيان الحكام بألف مرة تبقى تلاحقهم حتى الممات. والشيء الوحيد الذي يدركونه ويتجاهلونه ان بحر الدموع في عين المواطن الفلسطيني في غزة وجنين ومخيمات الشتات وكل أماكن التواجد الفلسطيني هو الفيد المقدم للدولة والوطن.
ان من سار على درب النضال والتضحيات الجسام لا بد وان يفوز في نهاية السباق نحو الحرية والاستقلال والعدالة. لان الدموع تتدفق وفي جوفها العزيمة والإصرار.. وهي قابلة للانفجار في كل لحظة، حين تتحول الدموع إلى دموع من الغضب والنار لتقاوم ولا تساوم، ولتجرف معها تلك الشلة من المتآمرين على حقوقه ومصيره وتعطيل بنائه، وممكن ان تتحول هذه الدموع الى دموع فرح وعزّة تبشر بمولود جديد اسمه فلسطين حرية دولة وهوية علم وأمانة وطنية. هذا يعني ان الحصول على مكانة دولة بصفة مراقب، مع كل أهميته السياسية والقانونية على الصعيد الرسمي والشعبي والدبلوماسي، يبقى منقوصًا ما لم يسعَ المجتمع الدولي للعمل الجدي على إنصاف الشعب الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، وإجبار إسرائيل على الانصياع للمنظمة التي هي عضو كامل الحقوق فيها، والتي قامت على أساس قرارات الأمم المتحدة. واليوم تسعى إسرائيل والولايات المتحدة وبعض الزعامات التي تنمو في المحيطات والتي تدور في فلك السياسة الصهيونية والأمريكية، لإجهاض الطلب الفلسطيني للحيلولة دون اتخاذ القرار الذي يشكل رافعة دولية وقانونية هامة نحو تحقيق الحلم الفلسطيني كاملا. فقد حان الوقت ان يسترد المجتمع الدولي ثقته بنفسه وان يحمل مشعل العدالة بحق الأمم والشعوب في تقرير مصيرها، بعيدًا عن الضغوط والاملاءات الغربية والصهيونية والأمريكية بالذات.
لم يكتمل العرس الفلسطيني بعد، ولكن الذي جرى ليلة الجمعة 29/11 هو الزفة السياسية الدبلوماسية من الدرجة الأولى، وقد جاءت في وقتها وزمانها، كي نضع حدًّا ولجامًا للمأفون ليبرمان ولكل أقطاب الصهيونية واليمين الإسرائيلي وجعل انف الخارجية والسياسة والدبلوماسية الإسرائيلية الشوفينية العنصرية يتمرغ في الوحل. فإذا كانت دموع الفرح والانتصار قد تفجرت فعلا في شوارع رام الله وغزة الجريحة ونابلس الشامخة وجنين الباسلة وكل قرى ومدن الدولة الفلسطينية المحتلة فانما هذا تعبير عن فرح وذلك لسببين، الأول حصول فلسطين النجمة الأولى صفة دولة غير عضو بالأمم المتحدة، وهذه خطوة هامة على طريق رسم صورة العرس الفلسطيني كاملا، والثاني سرور وفرح وابتهال بانتصار الحق والدبلوماسية الفلسطينية ولأول مرة في التاريخ الحديث على اكبر واهم قاعدة سياسية دبلوماسية والتي تملك من القوة والتأثير والإرادة والأموال، ما لا تملكه مجموعات من الدول، وهي التي تقود العالم الاستعماري – الغربي الرأسمالي، الولايات المتحدة ودلوعتها إسرائيل، الدولة المحتلة الخارجة عن ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي. هذا يعني ان إرادة الدول والشعوب في التحرر والاستقلال هي الطريق المنتصر في نهاية الأمر، مهما بلغت أمريكا وإسرائيل والعالم الرأسمالي والذين لا يجيدون قراءة المتغيرات الحاصلة على الساحة الدولية، ومهما بلغوا من القوة والعظمة والجبروت، فمثلما هزمتهم شعوب التاريخ والمجد والتحرر مثل فيتنام والجزائر وكوبا وأغلبية الشعوب العربية ها قد هزمهم الشعب العربي الفلسطيني شر هزيمة. لم يستعمل أي نوع من أنواع الأسلحة لا الفسفورية ولا العنقودية ولا الانشطارية ولا يملك الشعب الفلسطيني أي نوع من أنواع الطائرات ولا طائرات بدون طيار، ولم يدخل جندي فلسطيني واحد ارض المعركة، لم تستعمل المدفعية الثقيلة ولا الدبابات وراجمات الصواريخ. كانت المعركة تجري على كل الجغرافيا السياسية لكوكب الأرض. كان الأطفال واللاجئون الفلسطينيون يتابعونها من أماكن سكناهم المؤقتة في أماكن متهالكة من هذا العالم الذي فكر اليوم ان ينصر الفقير والمظلوم ولو مرة واحدة.
لقد جرت الحرب، ولم يُسفك فيها قطرة دم واحدة. لكن القتيل الذي قتل نفسه بنفسه نتيجة غبائه، فكان تشييع السياسة الخارجية لحكومة بيبي، براك ليبرمان في أروقة الأمم المتحدة، حتى ان المشاركين لم يقدموا التعازي ولم يجرِ تصفيق ولو مرة واحدة عندما وقف المندوب الإسرائيلي لإلقاء كلمته التي نثرها على المندوبين، التي تركزت بين الخصوصية اليهودية والاستعطاف للرأي العام، وبين كلمات الغزل بمعاني السلام واليد الممدودة للسلام واليد الخفية التي تهدد بالعربدة والاحتلال والإرهاب، لقد كانت معركة شبه متكافئة جرت بين الحق الطبيعي والأخلاقي لشعب لا يملك دولة ويملك الأرض واللغة والتاريخ والهواء والجغرافيا، وبين الباطل القائم على الغش والخداع والبلطجية والاحتلال والحرب والاستيطان ويملك دولة قائمة على انكسار حق الآخرين وانكسار مبدأ الشرعية الدولية وجعلت من نفسها فوق القانون الدولي، لكن هذا القانون لن يحميها كل الوقت على ما يظهر.

 

(كويكات /أبو سنان)

قد يهمّكم أيضا..
featured

أمور مسيئة للدين الحنيف وللمسلمين

featured

الناصره بخير، العرب بألف خير

featured

لتبقى جمرة النضال متقدة

featured

الانتصــار الفلسطينــي المنشــود

featured

بحثت عن طارق فوجدت قبيلة من القرود

featured

تصحيح الخطأ الشنيع

featured

وقائع محاكمة أبو النكبة

featured

عندما يبادر ليبرمان!