أوباما ونتنياهو.. وصراع الإرادات

single

يدشن أوباما علاقة دبلوماسية من المرجح أنها ستكون على قدر من الحساسية والتعقيد، والإزعاج، والاضطراب، ربما أكثر مما ستكون عليه أية مسألة أخرى يواجهها خلال السنوات الأولى من ولايته كرئيس. ومع ذلك، فإن اجتماعه برئيس الوزراء الإسرائيلي اليميني "نتنياهو" في البيت الأبيض لن ينتج على الأرجح ذلك الانفجار في العلاقة بين أميركا وإسرائيل الذي يتوقعه البعض، إذ إن الاحتمال الأكثر ترجيحًا هو أن يدخل مجرد تعديل طفيف فحسب على درجة تناغم تلك العلاقة. غير أن المؤكد، مع ذلك، هو أنه سيفتتح بهدوء صراعات إرادات بين سياسيين مختلفين جد الاختلاف (أوباما ونتنياهو)، وهو صراع يمكن أن يساعد على تحديد ما إذا كان الشرق الأوسط سيتحول نحو عهد من دبلوماسية المفاوضات والوفاق، أم نحو تفاقم الصراع والمواجهات.
ولاشك في أن أوباما يسعى إلى الخيار الأول: فهو يأمل في جر إيران إلى طاولة المفاوضات حول برنامجها النووي، في الوقت الذي يريد فيه نزع فتيل الاستقطاب بين محور إيران وسوريا، و"حماس"، و"حزب الله"، من جهة، ومحور الدول العربية السنية، من جهة أخرى. ويحتل إحياء مباحثات السلام العربية- الإسرائيلية أهمية مركزية في هذه الرؤية. فمن خلال التحرك نحو التوصل إلى تسوية مع سوريا، ولبنان، والفلسطينيين، يمكن عزل المتطرفين الأكثر تصلبًا.
أما نتنياهو، فعلى النقيض من ذلك، حيث ينظر إلى إيران على أنها نسخة حديثة من ألمانيا النازية، بمعنى أن الدخول في أية مفاوضات معها سيكون نوعًا من الحمق، والسعي إلى التوصل إلى تسوية معها أمر غير قابل للتفكير فيه من الأساس.
غير أن هناك فرصة لتجيير الفجوة بين موقفي الرجلين، حيث يمكن لنتنياهو أن يعد ببحث آفاق المفاوضات مع الفلسطينيين والعرب، كما يمكن لأوباما أن يتجاوز مسألة صمت نتنياهو عن موضوع الدولة الفلسطينية. كما يمكن لإسرائيل القبول بالمنطق الذي يعتمد عليه أوباما في التواصل مع طهران، وهو أنه سيتم البدء في حملة جديدة لفرض عقوبات أشد صرامة عليها، إذا لم تتحقق نتيجة لبوادر التقارب معها من جانب الولايات المتحدة بحلول الخريف القادم.
وفي كافة الأحوال، ستبقى هذه الحقائق: بالنسبة لأوباما، سيظل نتنياهو عقبة لا حليفًا في إطار الجهود التي سيبذلها من أجل تنشيط عملية السلام. وبالنسبة لنتنياهو، سيظل أوباما عقبة في وجه القيام بأي عمل قوي يعتقد أنه عاجل للغاية من أجل الحيلولة بين إيران وبين إنتاج القنبلة النووية.
والعمل القوي الذي يقصده نتنياهو، يعني استخدام القوة العسكرية. وعلى النقيض مما تريد إسرائيل من إيران وباقي العالم أن يعتقدوه، فإن اعتقادي أنا الشخصي هو أنها لن تقدم على مهاجمة منشآت إيران النووية بدون الحصول على ضوء أخضر من الولايات المتحدة. وإذا ما تم القيام بعمل مسلح ضد طهران خلال السنوات القليلة القادمة، فإن ذلك سيعني أن نتنياهو قد تمكن على نحو ما من إقناع أوباما، أو إجباره على التخلي عن التقدير السائد لدى الحكومة الأميركية، وهو أن أي هجوم عسكري على إيران لن يكون خيارًا قابلا للتطبيق، وأن الأفضل هو اتباع بديل الدخول في مفاوضات معها.
وعلى المنوال نفسه، لن يحدث تقدم ملموس نحو تحقيق السلام في الشرق الأوسط، إذا لم يتمكن أوباما من إقناع نتنياهو بالتخلي عن بعض مفاهيمه المتشددة، ومنها أن الفلسطينيين يمكن أن يقبلوا بما هو دون الدولة كاملة السيادة، وأن التسوية يمكن أن تؤجل إلى ما لا نهاية مع استمرار فرض الحصار على "حماس" في قطاع غزة، وتوسيع المستعمرات اليهودية في الضفة الغربية. وفي هذا السياق، سيذهب البعض إلى توجيه النصيحة للإدارة الأميركية بأنها لن تكسب شيئًا إذا ما واصلت الضغط على نتنياهو طالما أن الفلسطينيين أنفسهم لا يزالون منقسمين وغير راغبين في القبول بعروض معقولة كما كان دأبهم خلال السنوات الماضية.
وفي وقت ما خلال الأشهر القليلة القادمة، سيتنازل رجل من هذين الرجلين عن موقفه. فأوباما يمكن أن يتوصل إلى أن المواجهة المباشرة مع إيران هي الخيار الوحيد، وأن موضوع سلام الشرق الأوسط يمكن تأجيله ووضعه على الرف مؤقتًا كي يحتل مكانة ثانوية. أما نتنياهو، فيمكن أن يتخلى عن وعوده الانتخابية ويعرض إعادة الجولان على سوريا، أو قد تبرز مبادرة أولية لتوسيع عملية السلام في الشرق الأوسط، بحيث تكتسب مفاوضات إسرائيل، على كافة المسارات، بغرض الوصول لتسوية شاملة، زخمًا يمكنها من الاستمرار.
وهناك سيناريو على الدرجة نفسها من الاحتمالية، وهو أن يحبط كل منهما -أوباما ونتنياهو- جهود الآخر، بما يبعث السرور في قلوب أعدائهما المشتركين. والاحتكاك الذي يمكن أن ينشأ في هذه الحالة، سيكون أكثر خطورة على نتنياهو، الذي تعلم منذ عقد من الزمان أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي يتنازع مع واشنطن قد لا يستطيع الاستمرار في منصبه. لذلك أقول إن أوباما إذا ما أراد أن ينجح في جهوده الشرق أوسطية، فعليه أن يستخدم قوة الضغط الأميركية هذه. وهو يستطيع أن يبدأ الآن، وذلك من خلال تأكيد دعم الولايات المتحدة لإسرائيل، مع ترك مسافة للتمييز بين تلك الدولة ورئيس وزرائها.

* كاتب ومحلل سياسي أميركي  ("واشنطن بوست")

 

الصورة: بالنسبة لأوباما سيظل نتنياهو عقبة في تنشيط عملية السلام، وبالنسبة لنتنياهو سيظل أوباما عقبة في وجه عمل عسكري ضد إيران

قد يهمّكم أيضا..
featured

لا بدَّ لصوت المحبة ان ينتصر في النهاية!

featured

أوباما يحقن مبارك " بالمخدّر" الاسرائيلي!

featured

المطلوب في يوم الطفل العالمي

featured

لتحصين شبابنا من أوبئة العصر

featured

لا تذهب بغصن الزيتون وحده

featured

مواقف مختلفة والضحية فلسطينية

featured

معركة على ربع الوطن المتبقي

featured

نضال ذوي المحدوديات الشجاع أثمر