في باب التبر ع

single

-1-
حسب الرواة، فقد عرّف حاتم الطائي الكرم بأنه لحظة عطاء لا تفكر فيها لمن ذهبت العطية وإلى أين. وعندما سُئل من هو أكرم منه فقال إنه صبي كانت له عشرة رؤوس من الغنم، ذبح له إحداها، وخلال تناوله اللحم عبّر حاتم الطائي عن استطابته للمخ، فما كان من أخينا الصبي إلا أن ذبح باقي الغنم ليوفر له ما أراد من المخ، دون علم حاتم الطائي، ولما اكتشف الأخير ما فعله الصبي، قال له: ماذا فعلت؟ أجاب الفتى: يا سبحان الله، تستطيب شيئاً لأبخل عليك به، إن ذلك لسبة قبيحة على العرب.
المهم، حسب الرواية، أن حاتم الطائي عوّض الفتى بمئات النوق ورؤوس الغنم، فقيل له إذا أنت أكرم من الصبي، فقال حاتم الطائي، لا، فأنا قد منحته بعض ما عندي أما هو فقد منحني كل ما عنده.
وهذه الحقيقة التي توصل إليها حاتم الطائي، بشأن كرم الفقراء الذين يجودون بكل ما عندهم، هو ما توصل إليه بحث أكاديمي نُشر هذا الأسبوع في صحيفة "هآرتس" ومفاده أن الفقراء أكثر كرمًا من الأغنياء.
أما لماذا الفقراء أكثر كرمًا، فيضع البحث الاحتمال القائل بأنه من "السهل على الأنانيين أن يصبحوا أغنياء"، ومن هذا المنطلق فإنهم أقل كرمًا، لأنهم في الأصل أنانيون. ولكن البحث يشير أنه حتى الأغنياء، الذين ورثوا الأموال الطائلة، فهم أقل كرمًا. ربما، و هذا التحليل من عندي، يقول الفقير الذي لا يملك شيئًا، بما اشتهر عن الفقراء قوله: "اللي خايفين عليه قاعدين عليه". وكان أحد أصدقائي "المشحرين" لا يدخن إلا مارلبورو، فأقول له إرحم حالك، دخّن تايم، فيرد: "شو بدها تفرق- كلو من المينوس".
ومن الماضي البعيد- البعيد عن الأجيال الشابة والقريب منا ويسكن ما بين ضلوع صدرونا- نستذكر الحملات المالية التي كان يعلن عنها الحزب الشيوعي، وكيف كان العمال الفقراء، يقدّمون جزءًا كبيرًا من معاشاتهم، من أجل تمويل نشاط الحزب الثوري، بالإضافة، بالطبع، إلى بعض الموسرين الذين قدموا تبرعهم سرًا خوفًا من آلة البطش الحكومية.
وفي حينه، كان يذكر لنا الرفاق العتق، عن حالهم في أيام الانتداب، حين يضيق الحال بجريدة الاتحاد، "فينزلون" إلى السوق، إلى الناس البسطاء، وخلال ساعات ينفك الضيق ويزول شبح الإفلاس عن "الاتحاد".
-2- 
ولأن الوضع لا يحتمل البكاء، ولا حاجة لذلك، على ماض ذهب ولن يعود، لأن كل ماض هو حاضر حين حدوثه، ولذلك فهو ابن زمانه ومكانه، ولا حاجة لنسب الأحداث، وإن تشابهت، لأزمنة أخرى وظروف أخرى، فيمكن القول أن عهد الفزعات قد مر، وعهد العطاء غير المحسوب قد فل، لأسفنا وربما لأسف حاتم الطائي، الذي كان الكرم بالنسبة له نزعة إنسانية صميمية نابعة من صحراء لانهائية الحدود متلفعة بسماء لا نهائية الحدود مرصعة بنجومها ذهبية، طبيعة تسكر المرء فيهزأ بأموال الدنيا وحتى بحياته الفانية.
 تغيرت الحياة وتغيرت الظروف كذلك، ولو قام صبي، أو بيل غيتس نفسه، اليوم، بذبح عشرة رؤوس غنم لأن أحدهم استطابت نفسه المخ، لكان عمله ضربًا من الجنون، لا ضربًا من الكرم.
ومن جهة أخرى، وهذا هو النقيض، فما زال موضوع الكرم والتبرع، مرتبطًا في أذهاننا بمتسول، رث الثياب يقف في باب البيت، ينتظر الصدقة من المحسنين، وفي أكثر الأحيان تكون الصدقة بضع شواقل أو كسرة خبز، أو ثيابًا فاضت عن حاجة البيت، ويرتبط هذا الكرم أو "الإحسان"، بشعور الشفقة، وخاصة إذا كان صوت السائل رخيمًا حين يهتف بصوته العذب "لله يا محسنين".
ومع تغير الأحوال تغير التقييم، فإذا كان التبرع، في ماضي الزمان، بجارزة أو بقميص، هو عمل أصيل، فاليوم، يُؤخذ على من يتبرع بالملابس بأن دوافع فعله هذا ليس الكرم بل الرغبة في التخلص من فائض الثياب في دولابه المتخم بالملابس.
-3-
اليوم، ومع ازدياد الثروة وتراكمها بين الناس، أصبحت مقاييس الكرم تتخذ طابعًا علميًا أو بالأحرى جزءًا من نشاط اقتصادي محسوب الفوائد والآثار، ولم يعد الأمر يتم من خلال طفرة كرم، تجتاح هذا الموسر أو ذك، في لحظة صفاء تنضح بالقيم الإنسانية النبيلة. 
هنالك في الشركات الكبرى قناعة بأن مصلحتهم الاقتصادية تحتم المشاركة بشكل أو بآخر في حمل هموم المجتمع الذين يعيشون به، فلا يعقل أن يتم جني الأرباح الطائلة، وخاصة في هذه الأيام، وخزائن الرابحين موصدة أمام الحالات الاجتماعية الصعبة.
وخلال السنوات تطورت نظريات اقتصادية اجتماعية في هذا المجال بشأن مساهمة رأس المال في العمل الخيري، لدعم من هم بحاجة لذلك إذا كانوا من العاطلين عن العمل أو من العائلات كثيرة الأولاد، وغير ذلك.
وهنالك اليوم جمعيات ذات نشاط اقتصادي هائل، جل ميزانيتها من التبرعات الثابتة، من ممولين كبار، وتستمر بعملها بشكل منتظم لسنوات طويلة، مع أنه من الناحية النظرية من الممكن أن يتوقف التمويل بموجب قناعات المتبرع أو "جنونياته".
-4-
التبرع لدينا يحمل قيمة قومية وطنية عليا، فنحن بصدد بناء كياننا القومي في شتى مجالات الحياة، داخل إسرائيل. والجملة السابقة لا تحمل تناقضًا أبدًا، فهنالك مجموعات قومية في الدول المتحضرة، بسبب خصوصيتها، تعمل بشكل مدروس في إعلاء شأنها من خلال صناديق خاصة بها في جميع المجالات.
وغني عن الذكر أن هذا الشكل من التبرع- أي التبرع المحسوب- يأتي في ظروفنا، أيضًا، للتصدي لسياسة رسمية لا مبالية أو حتى معادية لتطورنا في مجالات علمية أدبية فكرية اقتصادية وغير ذك. ومن الخطأ القول أن علينا الامتناع عن التبرع لأنفسنا، لئلا نخفف العبء عن المؤسسة الحكومية في تنفيذ التزاماتها، فهذا الموقف يعني الاستمرار في حالة لا نريدها، ومن جهة أخرى فأخذ أمورنا بأيدينا، يفرض على الجهات المعنية أن تستجيب أكثر لمطالبنا.
هذه التبرعات من الممكن أن تكون الأساس الجيد وأحيانًا المتين لإقامة شتى المؤسسات التي نطالب فيها مثل: إقامة مستشفيات، أو إقامة ملجأ للنساء المضروبات أو إقامة دفيئة تكنولوجية، أو تمويل مؤسسة أكاديمية، أو صندوق لدعم الطلاب الجامعيين.
-4-
المشكلة لدينا بأن هنالك من كبار رؤوس الموال لدينا، لا يتعاملون مع قضية التبرع بشكل علمي، بصفته جزءًا من نشاط اقتصادي مدروس. ما زال حدود التبرع لديهم لا يتعدى فائض الشواقل المعدودة في الجزدان، الذي لا يوجد به نقود أصلاً، لأنه- أي الجزدان- ممتلئ ببطاقات الاعتماد.
الاغتراب بين رؤوس الموال لدينا وبين هذا الجانب الهام في حياة المجتمعات يثير التعجب، وفي أغلب الأحيان يثير الاستياء وأكثر من ذلك، الغضب. ويأتي لك متمول يتشدق لسنوات أنه مرة تبرع بألف شيكل من أجل مشروع خيري، يقول ذلك وهو منتعش وراض تمام الرضى عن نفسه الأبية، وعن كرمه الحاتمي منقطع النظير. 
-5-
في هذا الإطار لا بد  من تناول موضوع الجمعيات التي ترتبط بشكل وثيق بمشروع التبرعات والدعم المالي، الحكومي والأهلي، وهنالك عدد كبير من الجمعيات العاملة بين جماهيرنا العربية. وللأسف فهنالك سمعة سيئة للجمعيات بأنها جمعيات لا تهتم بأهدافها المعلنة، بل تهتم بمصلحة القائمين عليها وبأقاربهم.
هذا الأمر صحيح لعدد من الجمعيات، وهو غير صحيح، وظالم، لعدد آخر من الجمعيات. وهنا من الضروري فرز القمح عن الزؤان وأن لا يذهب الصالح بعزا الطالح، فهنالك جمعيات تقوم بدور بالغ الأهمية في تنفيذ الأهداف الإنسانية والقانونية والشعبية التي تطرحها.
لا شك أن هنالك جمعيات تضع هدفًا لها خدمة المتنفذين فيها، ولكن، بالإضافة إلى هذه الجمعيات سيئة الممارسة،  فبرأيي هنالك سببان إضافيان لهذه السمعة السيئة للجمعيات؛ الأول نابع من "تقاليدنا" التي تبحث عن "المؤامرة" والارتباطات "المشبوهة" وراء كل نجاح شخصي. والثاني، أن مجتمعنا لا يريد للنشيط في هذه الجمعيات أن يملك ثمن ملابسه ولا سجائره ولا قهوته، ولا يريد له أن يقتني سيارة أو أن يؤثث بيته، يريدون لكل من يعمل في القطاع الشعبي أن يعيش حياة المتشرد. هذه الحالة ولى عهدها فيحق لكل من يعمل العيش عيشة كريمة، كالآخرين.
وهنالك هجوم آخر على هذه الجمعيات، وهنا بيت القصيد، بالضبط في المجال الذي نحن بصدده، وهو مجال الدعم المالي، وكأن الدعم الذي يتلقوه، يُملي عليهم، طابع نشاطاتهم. برأيي، أن المطلوب قبل الخروج بحرب شعواء على هذه الجمعيات بصدد مصادر التمويل الإجابة على السؤال الأولي: هل لهذه الجمعيات، ونتحدث هنا عن الجمعيات النظيفة، خيار آخر، سوى البحث عن ممولين أجانب، أمام الكرم "الحاتمي" الذي نجده لدى متمولينا؟
وأيضًا، بالضبط هنا يجب إثارة أهمية دور الدعم المحلي (غير الموجود)، فمن خلال هذا الدعم، إذا غطّى مثلاً ثُلث ميزانية جمعية ما، فإننا نجعل للجمعية مرجعية محلية نابعة من بيئتها، ومن جهة أخرى فهذا الدعم هو بمثابة رسالة للمولين الأجانب، الذين لديهم أجندة خاصة بهم، تفيد بأن هذه الجمعيات مدعومة من جماهيرها، ووقت اللزوم تستطيع أن ترفض الإملاءات.
هل من المعقول أن جمعيات تدافع عن جوهر قضايا وجودنا، لا يصلها قرش واحد من متمولين عرب؟ بدل أن تشتموا الجمعيات لاعتمادها على ممولين أجانب، حثوا، أخلاقيًا ووطنيًا، رؤوس الأموال لدينا للمشاركة بدعم هذه الجمعيات، مثل عدالة ومساواة ونساء ضد العنف، وغيرها التي تقوم بدور وطني إنساني من الدرجة الأولى في طرح قضية شعبنا.  
-6-
ونرجع إلى التبرع المحسوب. مع أنه حتى في التبرع المحسوب تبقى قيمة التبرع المعنوية عالية؛ كأن يشعر المتبرع بالفخر وأن يسجل اسمه على مكتبة عامة أو حديقة وما إلى ذلك.. ولكن الأساس هو اعتماد التبرع كجزء من نشاط اقتصادي، وهذا يتطلب تقرير أوجه التبرع؛ في مجال الصحة أو الرياضة أو الفن أو العلوم أو المساعدات الاجتماعية المباشرة. والأمر الثاني هو  تقرير نسبة التبرع. اليوم هنالك حسابات اقتصادية دقيقة لتقرير نسبة الأرباح التي تخصصها الشركات لأغراض التبرع، وهي تتراوح بين 2-5% من الربح. وهذا يعني أن  الذي يربح 5 ملايين شيكل، من المتوقع أن يتبرع بمئات آلاف الشواقل سنويًا. لقد أصبح هذا العرف بمثابة قانون أخلاقي يلزم الشركات، وفي أماكن أخرى أصبح التبرع بنسبة معينة قانونًا رسميًا في الدولة، وتمنح في الوقت نفسه إعفاءات ضريبية لا بأس بها، بالنسبة للمتبرعين لجمعيات معترف بها.
لدينا مئات المصالح العربية في إسرائيل تربح سنويًا، مبالغ لا بأس بها، من مليون شيكل حتى ملايين وربما عشرات الملايين. وأصحاب رؤوس الموال هؤلاء، لا يستطيعون غسل أيديهم من دم هذا الصديق، بأنهم تبرعوا ب"كلرات" لفريق هواة كرة قدم بألفي شيكل، أو أنهم تبرعوا بقبعات لمخيم صيفي بمبلغ ألف شكل، وكفى الله المؤمنين شر القتال، وهنالك من يتبرع بوجبة غذاء لمخيم صيفي ويحضر جميع أفراد أسرته الكريمة من أجل أن يشاهدوه وهو يطعم الجياع.. هذه التبرعات على وزن "لله يا محسنين",, وهذا العصر قد ولى.
-7-
في الولايات المتحدة الأمريكية بادر "الرفيق" بيل غيتس، إلى مشروع يسمر الشعر في الرؤوس، حيث يقضي مشروعه أن يقدم كل ملياردير (وليس مليونير، وبالدولار وليس بالشيكل) نصف ثروته لأعمال خيرية. وقد استجاب عدد لا بأس به من أصحاب رؤوس الأموال لذلك. وأكثر من ذلك فقد قرر وورن بافيت، صديق غيتس، تقديم 90% من ثروته، لصندوق بيل غيتس الخيري. (لا حاجة للقلق على ورثة بافيت فحتى لو تبرع الأخير ب 99% من ثروته فسيتبقى لهم نصف مليار شيكل- يسدون به رمقهم من الخبز والزيتون). غيتس يتحدث عن هدف طموح لتجميع 600 مليار شكل.
لبيل غيتس الذي تبلغ ثروته اكثر من ميزانية جنوب أفريقيا، و4-5 ميزانيات دول كلبنان والأردن، يوجد ولد وبنت، بينما كل واحد عنا قنوع بالخلفة ينجب سبعة.. ويعاتبونه على تقصيره. وهؤلاء- عدا عن عائلته وعائلة زوجته- يريدون جزءًا من الورثة.
ولذلك لا حاجة لتبني مشروع غيتس. ليساهم المتمولون لدينا، على الأقل، ببعض ما عندهم في رفع شأن مجتمعهم، الذين يربحون منه، وتمكين مجتمعهم اقتصاديًا، فبالضرورة سيعود الأمر بالفائدة عليهم.. عكس ذلك سيصبحون مغتربين عن مجتمعهم ومجتمعهم مغترب عنهم.

قد يهمّكم أيضا..
featured

"الإخوان" في خطر!

featured

"عدت ووفيت بالعهد والوعد"

featured

جبّور... توأم الروح

featured

إعادة الوحدة لصد العدوان

featured

فضيحة صمت نتنياهو

featured

للكائن البشري افكاره الجميلة، والبشعة!

featured

الذكرى السنوية الأولى لميلاد المعلّم

featured

إضراب الممرضات والممرضين كشف: من هو عضو الكنيست الحقيقي