عُيوننا اليكِ تَرحلُ كل يوم...

single

القدس ليست حكاية بل هي أصل الحكايات. القدس ليست رواية بل هي كل  الروايات. القدس ليست وهمًا بل حضارة ووجودا وتاريخ وخبزا ودما ونَفحة من أنفاس كنعان. القدس كنعانية عربية الأصل فلسطينية  الهوى والهوية. أتاها  الغرباء   من كل فج عميق نبشوا  قبورها وفتحوا سراديبها وقلبوا  عاليها  سافلها  ولم  يجدوا  دليلا  ماديا واحدا عن سيرتهم  وحكايتهم وأساطيرهم المُبللة  بالقهر  والعهر والدم. القدس فلسطينية وستبقى، حَسبَها ونَسبِها  مُوَثق  على صدر التاريخ  بالخط العربي   الكنعاني والروماني والبيزنطي وحتى الهيروغليفي. كُتب اسمها ونابلس وغزة وعسقلان وعكا وبيسان  ومدن  فلسطينية أخرى على أحد أعمدة الكرنك الذي كان  معبد ومركز الامبراطورية الفرعونية مدى3000 عام وهو في الأقصر  المصرية   العربية قريبًا من سد أسوان على ضفاف النيل العظيم وعندها كنت حاضرًا أسمع  حكايات كنعان. سَكَنها أجدادنا  الكنعانيون  ومنهم ورثنا كل  قصص الزيت والزيتون والزعتر وحكايا  كثيرة عن النرجس  وشقائق  النعمان. زرعوا وزرعنا  الجبال والوهاد رُمانا وعِنبا وزَيتونا وحَلمنا بجلنار الجنة والنار. استوطنا  القدس ونابلس والخليل ويافا والناصرة وكل هذه الديار. جلسنا وما زلنا تحت عريشة العنب في ساعات العصر نعد الغمام  ورفوف الحمام. ما زالت تحط وتطير وتعود الى أعشاشها تحت قرميدنا في مسافة سحرية بين الأرض والسماء.
القدس توأم لدمشق والقاهرة وبغداد وتونس ومراكش وعمان. عندما أزورها أشمُ رائحة العصور والكعك ومناقيش الزعتر من خلف الأسوار. أتوه كل مرة من جديد في درب الآلام حاملا صليبي  في قلبي مثلما حَمله ثائرها الأول المسيح عليه  السلام. أعد خطاه خُطوة خُطوة حتى أصل الى الجلجلة وأشهد على صلبه وقيامته وبعثه. أبحث في حواري القدس العتيقة عن ناقة عمر واسمع حوافر الفرسان العرب وهي تشدو المَجد وتُخلد التاريخ في مدينة  تُعَلمُ  التاريخ  كله حكايات وقصص المجد والصدق والايمان. القدس والعروبة توأمان سياميان لا يفترقان. وجودهما أراه في وجه فلاحة  تبيع  في رأس العامود ورق العنب واللوز الأخضر. أراه في أبوابها وشبابيكها المشغولة من خشب سنديان فلسطيني قديم وخلفها حكايات وحكايات وأنا أنظر مُبتسما  نَحوها ربما تَمطرني ببسمة غادة حوراء. تعود وتأخذني القدس كل مرة من جديد في طرافتها وعبق ماء الورد والخبز والكعك والبخور والعرق سوس والنعناع وماء سلسبيل أزوره حتى أرتوي وأعود  أدراجي وأقص على المارين في كل اللغات حكاية وحياة متدفقة في مدينة عربية  خَلدَتها الأرض والسماء.
د. فؤاد خطيب

قد يهمّكم أيضا..
featured

وضعت معركة الانتخابات المحلية أوزارها ... فماذا بعد ؟

featured

عبد النّاصر، بطل واجه القضايا حتى النهاية (3)

featured

اسرائيل ضالعة في مشروع تفتيت الدولة العربية الوطنية

featured

حول وطنية هيئة التنسيق وملفات أخرى

featured

الخطر الأكبر على إسرائيل نتنياهو ونهجه

featured

لجنة تحقيق لأجل الأسرى

featured

الافعى لا تنفث الا السموم مهما رويتها شهدًا

featured

انتصارات لمحور المقاومة وبداية مرحلة جديدة