مع تراجع احتمالات الضربة العسكرية لسوريا، تراجعت آمال البعض بدخول دمشق تحت ضربات التوماهوك والقصف الجوي الغربي. وجاءت معارك أعزاز لتفتح أعين العالم على طبيعة الصراع العسكري في عدة مناطق سورية. لم يعد بالإمكان الحديث عن عملية عسكرية نظيفة شمال اللاذقية، حيث ظهر الطابع المذهبي والطائفي بوضوح. ولم يجرؤ أحد بيانات «النصر» في معلولا بالإنكليزية على أن يقول عند تسمية من نفذ العملية الانتحارية في معلولا ترجمة لكلمة الأردني حتى لا تتبين جنسيته.
اعتبر الإعلام السوري ما حدث في جنيف انتصاراً للنظام. ولكن هل يمكن لحل وضع في رزمته إعلان جنيف أن ينسى الفقرة التاسعة من هذا الإعلان التي تنص بوضوح على إقامة هيئة حكم انتقالية تمارس كامل الصلاحيات التنفيذية؟
لا شك بأن تراجع فكرة التدخل العسكري قد أعادت الاعتبار للحل السياسي، وبهذا المعنى فالرابح الوحيد مما حدث هو الشعب السوري.
لقد صار التخبط ديدن من تخلى عن المبادئ المؤسسة لهيئة التنسيق الوطنية في مقاومتها للطائفية من أي طرف جاءت، وللتدخل العسكري الخارجي في أي معسكر اصطف، وللعنف الذي أصبح مدمراً وعبثياً. فإذا بنا نعود لحملة شعواء على أطروحات الهيئة ورموزها. خاصة ممن يعتبر ما يقال من البيت الأبيض مقدساً وما يجود به الإعلام الخليجي إنجيلاً.
لقد وقفت هيئة التنسيق الوطنية منذ شهر آذار الماضي مع تشكيل لجنة تحقيق دولية حول استعمال الأسلحة الكيميائية واسعة الصلاحيات. وكانت منذ اليوم الأول لتأسيسها تعتبر احترام المواثيق الدولية لحقوق الإنسان ضرورياً في البرنامج الشعبي الثوري ولكنه غير كاف. لأن سوريا لم تصدق أو توقع على مواثيق واتفاقيات أساسية صارت المؤشر لمدى مدنية وتقدم أي بلد، مثل ميثاق روما للمحكمة الجنائية الدولية والبروتوكولات المتعلقة بالاختفاء القسري أو اللا إرادي وحظر أسلحة الدمار الشامل. وكانت هيئة التنسيق الوطنية من أول من طالب بتحرك لجنة التحقيق الأممية إلى الغوطتين للتحقيق. فإن كانت مأساة خان العسل قد انتظرت خمسة أشهر لحضور المراقبين، فمن حسن حظ الضحايا الأبرياء أن هذه اللجنة كانت على بعد أقل من ثلاثين كيلومتراً من الجريمة. وهي صدفة قلما حدثت في التاريخ المعاصر.
من الوسائل المعروفة في الصراعات المسلحة استخدام الكذب والتوظيف لغايات ضيقة النظر. ما يسميه الفرنسيون بالحرب الجيدة! لكن هيئة التنسيق الوطنية التي تمثل أطياف اليسار والوسط في المعارضة السورية رفضت هذا الأسلوب منذ ولادتها. واعتبرت الحقيقة دائماً ثورية كما يقول لينين، وهي ضالة المؤمن كما يقول الحديث الشريف. لذا لم تبع وهماً ولم تنشر كذبات نافعة كما يقول البعض. من هنا لم ندخل في عمليات التوظيف السياسي لعمل لجنة التحقيق، بل طالبنا بتوسيع صلاحياتها وعدم مغادرتها الأراضي السورية. واختلفنا في موقفنا أحياناً مع الإدارة الاميركية وأحياناً أخرى مع الفدرالية الروسية. لأن استقلال قرارنا السياسي ومصداقيته يشكلان العنوان الأهم لنضالاتنا ومواقفنا.
كلفت هيئة التنسيق الوطنية الدكتور هيثم مناع، أحد أهم خبراء القانون الجنائي الدولي بمتابعة الملف السوري أمام المحكمة الجنائية الدولية، وقد قام بالاتصال بالمدعي العام أوكامبو ثم بخليفته وما زال ينسق مع المحكمة بشكل أسبوعي. في الوقت الذي تحدث فيه غيرنا عن المحكمة الجنائية الدولية في وسائل الإعلام وحسب.
في الوضع البالغ الحساسية والدقة الذي تمر به سوريا، يطالبنا أحد المعارضين من الدوحة بالقطيعة مع الفدرالية الروسية وإيران. ويتحدث معارض آخر من باريس عن ضرورة مواجهة خطر الإمبرياليات الجديدة (الصين وروسيا وإيران) بالتعاون مع الإمبرياليات القديمة (أوروبا الغربية والولايات المتحدة).
نريد أن نقول لكل من جعل النضال من أجل الديمقراطية في سوريا صراعاً لمحور سني ضد هلال شيعي وضرورة لتحالف المعارضة مع قطب هابط في مواجهة قطب صاعد. لقد حددت هيئة التنسيق الوطنية قواعد علاقاتها الدولية بشكل واضح قائم على التواصل والاتصال بكل الدول ما عدا العدو الإسرائيلي. وهي ستستمر في هذه السياسة وتوطد علاقاتها مع كل الأطراف لأن معركة وقف العنف والتحول الديموقراطي وإعادة البناء، تتطلب منا أن نحتفظ بعلاقة جيدة مع كل طرف حريص على وحدة الأراضي السورية ونهضة الشعب السوري من جديد لاستعادة مكانته في الإقليم والعالم.
في آخر مقابلة مسجلة مع المناضل الكبير عبد العزيز الخير قبل اعتقاله، أكد على ضرورة النضال بحزم ليس فقط ضد الدكتاتورية ولكن ضد الانتهازيين الذين تخلوا عن استقلالهم السياسي مقابل دراهم. بعض هؤلاء يحاولون اليوم المزاودة على هيئة التنسيق بمعتقليها. أكثر من ذلك يطالبونها بمقاطعة قنوات «روسيا اليوم» و«الميادين». أي يطالبون هيئة التنسيق بمقاطعة الوسائل الإعلامية التي تسمح للهيئة بالتعريف بوجهة نظرها بعد أن أغلقت محطتي الخليج الرئيسيتين الباب على الهيئة منذ أكثر من عام بشكل كامل. كنا نتمنى على هؤلاء، وهم يعيشون على مئات أمتار من قناة «الجزيرة»، مطالبتها بموضوعية أكثر وحضور لكل أطياف المعارضة السورية من دون تمييز. لكن كما يقول الشاعر: لقد أسمعتَ إذ ناديت حياً...
بعض المعارضين يحاول اكتساب مصداقيته من كون هيئة التنسيق الوطنية معارضة رخوة تقبل بالنظام القائم. ينسى هؤلاء أن الوثيقة الأولى التي وقعت في القاهرة بين هيئة التنسيق الوطنية والمجلس الوطني اعتمدت على نص مقترح من الهيئة للنضال ضد كل من تلوثت يداه بالفساد أو الدم وضرورة تغيير النظام بكل رموزه ومرتكزاته.
وآخر اتهام هو أن هيئة التنسيق لم تعد وطنية إلا إذا.. نحن هنا أمام تعريف جديد مبتكر للوطنية يعتمد ضرورة تأييد التدخل الخارجي في الشؤون السورية والتمويل الخارجي لدعم الوطنيين والوقوف في معسكر الحرب على سوريا في وجه برنامج التحول المدني الديموقراطي الوطني في سوريا... يبدو أن البعض قد أضاع البوصلة.
كم كنا نتمنى ممن لم يعد لديه من خطاب سوى تصويب السهام على هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديموقراطي، أن يكون صاحب قراره. وأن يحدثنا أكثر عن نضاله. فالمثل الشعبي يقول أطعم الفم تستحي العين ولا يقول أطعم الفم يتطاول اللسان.
*نائبة رئيس فرع المهجر لهيئة التنسيق الوطنية
(السفير)
