*نأمل من الأحزاب الشيوعية واليسارية في العالم أن تستنهض حركة التضامن العالمي مع القضية الفلسطينية والتصدي لسياسات إسرائيل*
أشعر بسعادة كبيرة، وأنا أقف أمام مؤتمر حزب "أكيل"، إذ تربط حزبينا علاقة رفاقية مميزة على مدى عشرات السنين، انعكست حتى على علاقات شخصية بين الكثير من رفاق حزبينا، ومن هذه العلاقات ما تأسست على مقاعد الدراسة، في مختلف الدول الاشتراكية، وايضا، حينما كانت قبرص محطة لمئات الرفاق سنويا قبل توجههم الى الدول الاشتراكية. إن لحزب "أكيل " مكانة خاصة جدا في حزبنا، وبين كوادرنا.
الرفاق الأعزاء
نأتي اليكم، بعد أيام قليلة على اختتام مؤتمر حزبنا الـ 27، الذي انتهى بانتخاب لجنة مركزية، واتخاذ قرارات تؤكد على أهمية التمسك بالطابع الثوري التقدمي للحزب، خاصة وأننا نواجه الصهيونية العنصرية ربيبة الامبريالية في عقر دارها. ونتصدى لسياستها: سياسة الحرب والاحتلال والتمييز العنصري بحزم، دون هوادة. ونسعى الى تحالفات ميدانية في القضايا العينية، وبالأساس تحالف الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، القائم منذ العام 1977، ويسجل نجاحات بارزة، وحضور قوي، خاصة بين الجمهور الفلسطيني في إسرائيل.
قبل أقل من ثلاثة أشهر، في الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية سجلنا انجازا جماهيريا هاما، بإقامة تحالف "القائمة المشتركة"، التي في مقدمتها، الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة التي يقودها حزبنا الشيوعي. فهذا التحالف، جمع كل القوى السياسية العربية الوطنية، الممثلة في البرلمان وعددها اربع حركات ، وقوى يهودية تقدمية، هي بالأساس المؤيدة لجبهتنا. وحصلت القائمة المشتركة على 13 مقعدا، منها خمس مقاعد للجبهة، وباتت كتلة القائمة المشتركة القوة الثالثة في الكنيست.
هذا الانجاز بعث الأمل بين صفوف جماهيرنا، التي تواجه أشرس السياسات العنصرية التي عرفها التاريخ الحديث. وهي سياسة تتصاعد، خاصة في ظل حكومة بنيامين نتنياهو الحالية، التي ترتكز على اليمين الأشد تطرفا، وهي تزيد من تعنتها في رفض حل الصراع، وإقامة الدولة الفلسطينية.
لقد سجلت المؤسسة الصهيونية الحاكمة في السنوات الأخيرة انجازا مشينا، من خلال تشريع عشرات القوانين العنصرية التي إذا جمعناها سوية، فإنها تؤلف كتابا، كتاب الأبرتهايد الأول في القرن الـ 21، وهذا على صعيد التشريعات، أما على صعيد المناطق المحتلة منذ العام 1967، فهو يشهد فصلا عنصريا الأشد خطورة، وآخر تلك القرارات منع الفلسطينيين من ركوب حافلات يركب فيها مستوطنين.
إن حزبنا الشيوعي، يسعى من خلال الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، الى أوسع تعاون في الشارع الاسرائيلي، ضد الاحتلال، وضد سياسات ضرب الديمقراطية والحريات، وضد السياسة الاقتصادية الشرسة، التي عمقتها حكومات بنيامين نتنياهو الثلاث الأخيرة. ولكننا نعمل في ظروف صعبة، في الشارع الإسرائيلي، الذي تزداد فيه التوجهات اليمينية، ويزيد تطرفها، إلا أن هذا لا يجعلنا نتراجع عن محاولاتنا لإحداث اختراق الشارع الإسرائيلي، على أسس برامجنا وثوابتنا التاريخية.
كذلك، فإننا نعمل في مرحلة تنعكس فيها التطورات الاقليمية علينا، وخاصة تنامي ظهور القوى الاصولية الظلامية الارهابية، على شاكلة تنظيمي "داعش" و"القاعدة"، مما يزيد من مسؤولياتنا تجاه الجمهور الفلسطيني في وطنه، الذي نمثله على مدى عشرات السنين. إن حزبنا يؤكد على أن تلك التنظيمات الارهابية، ما كانت لتحظى بهذه القوى وهذا المد، لولا دعم الامبريالية والرجعية والصهيونية لها. والهدف هو الابقاء على منطقة متفجرة، تضمن أولا المصالح الاقتصادية للامبريالية العالمية وخاصة الأميركية، وتؤدي الى تفتيت الدولة الوطنية في العالم العربي وتضمن استمرار المشروع الصهيوني، دون تحقيق الحقوق المشروعة للشعب العربي الفلسطيني.
ونحن نتابع ما يصدر تباعا عن تلك الحكومة، فمثلا في العام 2007، طرحت شرط الاعتراف بيهودية إسرائيل، لحل الصراع، وهذا شرط رفضته القيادة الفلسطينية على كل فصائلها، اضافة الى رفض المجتمع الدولي. وقبل أيام ظهر بنيامين نتنياهو بشرط جديد، وهو يريد أن تبدأ المفاوضات من تحديد حدود الكتل الاستيطانية، التي تطالب إسرائيل بضمنها، وهذا بحد ذاته التفاف على الاعتراف العالمي بدولة فلسطين، وجعل محور التفاوض بقاء المستوطنات وليس قيام الدولة الفلسطينية وعودة اللاجئين.
وهذا يترافق مع تصعيد دور اسرائيلي اقليمي، وهناك أدوار ظاهرة وأخرى مستترة لاسرائيل، في العراق وسورية وحتى في ليبيا واليمين. وقبل أيام قليلة صدر قال نائب رئيس أركان الجيش الاسرائيلي، إن الوضع الاستراتيجي لاسرائيل في الجبهة الشمالية، أي سوريا، هو في افضل حال في اي وقت كان، هذا يعني ان اسرائيل ضالعة في مشروع التفتيت الذي تحدثنا عنه.
إن حكومة إسرائيل الحالية، كالحكومات السابقة، تسعى الى اسقاط القضية الفلسطينية عن جدول أعمالها، وجدول أعمال الحلبة الدولية، رغم أنها القضية الأساس في الشرق الأوسط. وتواجه القضية الفلسطينية مرحلة حرجة جدا، إن كان بسبب الظروف الاقليمية، التي تساعد إسرائيل على التهرب من استحقاقات حل الصراع، أو بسبب حالة الانقسام الفلسطيني الداخلي. وكل هذا ساهم في تراجع حاد في حركة التضامن العالمي مع قضية فلسطين، ونحن نأمل أن تكون هذه مهمة الأحزاب الشيوعية واليسارية في العالم، لاستنهاض حملة التضامن الدولية، دعما لقضية شعبنا الفلسطيني، ولتكون حملة ضاغطة على حكومات الدول، لتضغط بدورها على حكومة إسرائيل، لتجنح نحو حل الصراع.
ان احدى المهام الرئيسية الى جانب قضايانا المحلية التي على جدول اعمالنا كيسار مناضل وثوري أن نعمل على اعادة الحياة لحركة التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال والاستيطان والحصار، في كل المحافل الدولية الرسمية والشعبية والمنظمات الدولية ومؤسسات المجتمع المدني.
وأتمنى لحزبكم المناضل "اكيل" مؤتمرا ناجحا يقود الى تعزيز حضوره في بلادكم، دعما لمستقبل أفضل للشعب القبرصي الصديق، ودعما لمستقبل انساني عالمي أفضل.
