يشهد العالم العربي عملية استقطاب طبقي، طائفي، اجتماعي، هائلة تفرض نفسها على المجتمع محدثة ما لا يحصى من مظاهر التدمير السياسي والأخلاقي والنفسي والجنسي. وهذا الاستقطاب أفصح عن نفسه ببروز نخب كومبرادورية مالية سياسية في الوطن العربي، راحت تلتهم الأخضر واليابس وتكدس الثروة بشكل متصاعد، وتمارس الخيانة ضد شعوبها، ومثال على ذلك كشف شبكات الخيانة في لبنان، وبعضهم هرب من لبنان ليجد مكانه هنا في إسرائيل ومنهم من يعيش بيننا، تمشيا مع مصالحه الشخصية "مرتميا ومنبطحا" أمام سياسات أمريكا وإسرائيل في المنطقة، وفي حين راحت الجماهير الشعبية تعيش حالة متسارعة من الفقر والاستغلال والإذلال الاجتماعي والأخلاقي والتهميش السياسي والثقافي.
ففي هذا العالم، معظم الدول العربية تعيش على هامش الثورة العلمية والتكنولوجية والصناعية والمعلوماتية ويزداد الأثرياء ثراء، بقدر ما يزداد الفقراء فقرا، وما يجري الآن في مصر خاصةً لأكبر دليل على هذا الواقع التراجيدي المأساوي، حيث أصبح توفير "رغيف الخبز" قضية ساخنة قد تؤدي الى انفجار اجتماعي سياسي. ويزداد الأثرياء تضامنا، بقدر ما يضعف التضامن بين الفقراء، ويزداد الأثرياء عهرا بقدر ما تجد الملايين من النساء الفقيرات أنفسهن على حد السيف. ويزداد الأثرياء بذخا فاجرا، وأكبر دليل على ذلك ما يجري في دول الخليج العربي لا بل الأمريكي، بقدر ما راح الملايين يعيشون تحت خط الفقر، باحثين عن لقمة العيش في قمامات الأثرياء (50 بالمئة الى 60 بالمئة من سكان العالم العربي يعيشون تحت خط الفقر). في حين يجري التهام الثروات العربية من قبل طبقة لا بل حفنة من أفراد عائلات أنظمة الاستبداد العربي، وتصدير ريعها الى الخارج حيث وصل هذا الريع الى أكثر من ألف مليار دولار يستغل في تقوية وثبات النظام الرأسمالي العالمي والأمريكي خاصةً والذي يقدم الدعم اللا محدود لسياسات الهيمنة والعدوان والاستيطان الإسرائيلي، ومثال أخير على ذلك صفقة السلاح التي أبرمت في الفترة الأخيرة والتي كلفتها تتعدى الـ 60 مليار دولار أمريكي، والتي ستؤدي الى توفير أكثر من 70,000 فرصة عمل في أمريكا على مدى سنوات بدل أن يستغل هذا المبلغ الضخم في تطوير الاقتصاد الوطني للدول العربية، والتي تعاني من كثافة سكانية ضخمة مثل مصر، ومن أجل خلق فرص العمل لعشرات ملايين العاطلين عن العمل في العالم العربي.
كل هذه التناقضات هي إفرازات وتقيّحات لنمط الإنتاج الرأسمالي في شكله الحالي الإمبريالي المتعفن والمتمثل في كونه متوحشا وإرهابيا يسعى من أجل الربح وتراكم رأس المال، حتى من خلال سفك دماء شعوب المنطقة، وأكبر مثال على ذلك ما يجري في العراق. فهذا النظام الإمبريالي الأمريكي المتعفن يسعى الى تحقيق السيطرة الأحادية على العالم، بفعل القوة العسكرية المباشرة، والديماغوغية وتشويه الآخر باسم محاربة الإرهاب ومن أجل إعادة هيكلة العالم العربي والأصح تفكيكه الى مناطق ودويلات وطوائف وما يجري في العراق والسودان ومصر لأكبر مثل على ذلك.
وما يجري على أرض فلسطين من ممارسات إسرائيلية أمريكية لا يمكن وصفه إلا كجريمة إنسانية فإلى جانب الحصار الهمجي البربري لقطاع غزة وبموافقة غير معلنة من قبل بعض الدول العربية، يستمر الاستعمار الكولونيالي للضفة الغربية لدرجة تحويل بعض الينابيع في الضفة الغربية لمتنزهات للمستوطنين فقط، بهدف طرد الإنسان الفلسطيني من أرضه ووطنه وتأتي أمريكا وتمنح إسرائيل الطائرات المتقدمة وغيرها من الدعم العسكري من أجل الحفاظ على التفوق العسكري النووي الإسرائيلي المطلق على المنطقة، كهدية لمجرد الموافقة على وقف الاستيطان لفترة قصيرة بينما المطلوب، اجتثاث "السرطان" في المنطقة وأعني بذلك الاحتلال الإسرائيلي والعودة الى حدود 1967 وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس المحتلة.
فإذا كان التعصب هو داء الكاثوليكية في العصور الوسطى وأثناء الحروب الصليبية ضد شعوب الشرق، والنازية داء ألمانيا، والفاشية داء إيطاليا فالأصولية الإمبريالية الأمريكية، والإيديولوجية اليهو- مسيحية ممثلة طبقة رأس المال الغربي والفكر الصهيوني العنصري هي داء ومرض عصرنا، والنكوص والردة الرجعية السلفية الإسلامية هي نتيجة جدلية لذلك الداء.
فليس الإسلام هو أصل المشكلة بل ما يفعله بعض المسلمين أنفسهم بالإسلام.
والدواء لهذه الحالة المرضية هو الفكر والممارسة التقدمية العلمانية من خلال أطر ومؤسسات وأحزاب تتبنى النضال من أجل الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية.
(كفر ياسيف )
