دموعي تفيض حزنا عليك يا أبا خليل
* *
لقد جفت دموعي وتصلبت شرايين جسمي، وكلما اردت الرثاء سقط القلم من بين اناملي، حتى تمكنت من استرجاع قواي واستطعت بصعوبة ان اكتب هذه الكلمات، وما زالت دموعي تنهمر عليك يا ابا خليل لتبلل هذه الرقعة، فعذرا على هذا التأخير.
ابو خليل استاذي وقريبي ومن اقرب الناس واحبهم الى قلبي ووجداني، كيف لا فهو استاذي وزوج اختي وابن عم ابي وامي والذين احبوه واحترموه جميعا فبادلهم بالمثل.
لم يكن رحيله مفاجئا فقد كان متوقعًا وفي كل لحظة بعد ان تدهورت صحته ودخل الى المستشفى، وفي ساعاته الاخيرة طلب مغادرة المستشفى الى البيت لانه اراد ان يموت على فراشه في البيت وكان له ما اراد، وقد انتقل الى جوار ربه عن عمر ناهز الـ 79 عاما قضاها في تربية الاجيال حيث عمل معلمًا ثم مديرًا لمدرسة الزهراء في ام الفحم لمدة 43 سنة حتى اقعده المرض عن العمل فخرج الى التقاعد. وكان قد انهى تعليمه الابتدائي في المدرسة الراشدية في القدس والثانوية في جنين كما اراد ان يدرس الطب في سوريا الا ان احداث حرب الـ 48 حالت دون ذلك. وكان المرحوم قد ولد في اللجون ثم انتقل الى ام الفحم بين اهله واقاربه في حارة الجبارين.
عُرف المرحوم بدماثة اخلاقه وحسن سيرته كما احترم الناس وأكرمهم فعاملوه بالمثل. كان نظاميا صارما كما كان صادقا وجديا في معاملته مع الناس انجب تسعة ذكور وثلاث اناث ورغم معاشه البسيط حرص على تعليمهم فكان عنده الطبيب والمحامي والمهندس والمحاسب والمعلم والممرضة والمهني الخ.. لذلك يمكن القول انه قد ساهم في وضع اللبنات والمداميك الاولى في صرح الصحوة التعليمية والتثقيفية في بلده ام الفحم.
شجع ابنه البكر خليل ليكون عضو بلدية ام الفحم لخدمة اهل بلده. كما كان جده المرحوم محمود خليل وعمه المرحوم حسن عبد الفتاح مخاتير حارة الجبارين وقضوا حياتهم خداما لابناء شعبهم ووطنهم وسار آخرون من أقاربه على نفس الطريق مما اضفى على هذه العائلة حب العلم والوطنية الصادقة.
كان المرحوم متدينا فقد تمكن من اداء فريضة الحج كما تجول في عدة بلدان اوروبية حبا في المعرفة والاستطلاع. وكان ضليعا باللغة العربية ولا يمكنني ان انسى فضله عليّ شخصيا حيث كان يقوم باعطائي دروسا خصوصية باللغة الانجليزية والرياضيات لأتمكن من الدخول الى كلية تيراسانطة في الناصرة التي كانت تعتبر من اقوى المدارس في ذلك الوقت وخاصة باللغة الانجليزية.
لقد كان المرحوم وطنيا مخلصا وقوميا صادقا، وكيف لا وهو اللاجئ من بلدة اللجون المهجرة، رحم الله فقيدنا الغالي واسكنه فسيح جناته والهمنا جميعا جميل الصبر والسلوان ووداعًا يا ابا خليل.
(ام الفحم)
