ألشيخ محمود قزامل (أبو جميل) كان في طليعة النضال في كل المواقف

single

إفتقدت قرية بيت جن أحد كبار مشايخها المعمّرين، الشيخ أبا جميل محمود قزامل عن عمر ناهز المائة وست سنوات، عاصر خلالها العهد التركي وسفر برلك، والانتداب البريطاني ومشاقه ورافق قيام الدولة ومعاملاتها، وكان يُعتبر بطول عمره "ختياري" البلد لكونه أكبر المعمّرين سنًا، لكن سيرته لم تكن بطولها فحسب بل بعرضها. فقد أنعم عليه الله سبحانه وتعالى بفطنةٍ وذاكرةٍ خارقة، حيث كان يسرد لسامعيه وعن ظهر قلب تفاصيل أحداث عاشها إبان العهد التركي والانتدابي، وكذلك مئات وآلاف أبيات الشعر التي نُظمت إبان المواقف التاريخية للطائفة الدرزية، إن كان للشعراء الذين عاصروا حملة إبراهيم باشا، أو الشعراء الذين عاصروا الثورة العربية الكبرى بقيادة المغفور له سلطان باشا الأطرش، وكان يسرد الأحاديث وأبيات الشعر وكأنها أمامه لما أنعم الله عليه من ذاكرة خارقة.
لا أريد من خلال كلماتي القصيرة هذه سرد سيرة المرحوم، فالمعاجم لا تستطيع أن  تحصيها  والكلمات تعجز عن التعبير، عن صبره على النوائب وكرم أخلاقه، عن شجاعته، أمانته واستقامته، بل أريد التطرق لميزة معبّرة بكلمة واحدة، ألا وهي المروءة، نعم كلمة واحدة لكنها تعني كل شيء. حيث سُئِل أحدهم، ما هو أحب خُلق اليك؟ فأجاب، المروءة والحِلم، وسُئِل أيضًا، ما حدُّ المروءة عندك؟ فأجاب، لا أعرف، لكن صورتها ماثلة أمام عيني، مركوزة في طيات مخيلتي، مطبوعة على صفحات قلبي، مغروسة في أعماق نفسي، منقوشة على واجهة صدري:
فمن سلك المروءة سبيلا             أصاب إلى كل خير دليلا.
أجل أيها المشيعون الكرام، هكذا كان المرحوم، سبّاقًا على الفضيلة والسباق على الفضيلة هي المروءة بعينها.
أذكرك يا شيخ أبا جميل محمود في مواقف التحديات من أجل كرامة الانسان.
أذكرك مشاركًا في الطليعة منذ أولى المظاهرات أمام مكاتب الحكومة في القدس الشريف في أوائل التسعينيات من أجل نيل الحقوق لأبناء الطائفة، وهذا هو حفظ الإخوان.
أذكرك في مواقف العمل التطوعي الأول لترميم مقام سيدنا بهاء الدين عليه السلام في أوائل التسعينيات وبعدها في بنائه وتنظيم مسيراته ليصبح ذخرا لكل الإخوان.
أذكرك يا شيخ في مواقف التحديات للذود عن الأرض، أرض الزابود والجرمق الأشم، فمنذ انطلاق الشرارة الأولى للنضال كنت في الطليعة، وفي كل المواقف وان عدّت فبالمئات، وهذه سيرة الشجعان.
أذكرك يا شيخ وكأن الحدث أمام عيني حين كنت تمسك بيد طفل صغير لتسير معه نحو الحواجز التي أقيمت على مداخل البلد لمنع ما سمي بسلطة الطبيعة من دخول أراضي البلد وذلك أيام شق شارعي حرفيش وعين الأسد، ويا له من منظر وعبرة لمن يعتبر، صراع البقاء للشيخ والطفل على أرض الآباء والأجداد.
أذكرك يا شيخ في كل موقف من مئات المواقف التي فرضت على هذا البلد الشامخ، من مظاهرات في القدس الشريف، من أروقة المحاكم ومراكز الشرطة للتحقيقات، ومن لقاءات في بيت الشعب، هذا البيت الذي يحتضنك اليوم، والذي احتضن الخلان من قبلك، والله أعلم من سيكون من بعدك، وكلنا في هذا السبيل نودع بعضنا البعض على أمل اللقاء في جنات الخلد السرمدية.
أجل أيها المشيعون الكرام، إنني افتقد المرحوم بصورة شخصية، افتقد رفيق درب النضال رغم فارق السن بيننا، وذلك من أجل الحفاظ على كرامة الانسان، ويفتقده المجتمع بأسره لذا فالخطب جلل، والخسارة كبيرة.
نسأله تعالى أن يتغمد فقيدنا بواسع رحمته وأن يسكنه فسيح جناته. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

 


(رئيس مجلس بيت جن السابق)

قد يهمّكم أيضا..
featured

مشروع ضمّ المنطقة (ج)!

featured

أرفع يدي تحيةً وسلامًا لحضراتكن أيها الثوريات

featured

الاحزاب الصهيونية تتسلّل مجددًا!

featured

يصرِّون على اللعب بالنار

featured

جمعة 14 آذار العظيمة

featured

لمحمود درويش في قلوبنا منازل

featured

معارضة تُدمّر وأخرى تبني