ما سمعناه، في ساعة متأخرة من ليلة أمس، في خطاب الرئيس المصري حسني مبارك، يستدعي منّا أن نردد ما غنّاه سميح شقير: "يمَّة يا بهيّة"، أو بالتحديد: "مصر يمَّة يا بهيَّة / وبهيَّة نِزلِت عَ الشارع".
بعدنا بأوّلها. القوّة، الآن، للشارع: ميدان التحرير. و"الميدان" هو البوصلة، من حيث فعل الخطاب وردة الفعل في الميدان. كانت ردة الفعل على الفور: إرحل. بمعنى خيبة الأمل، لمن تأمّل اصلاً بتنازل النظام، بهذه السرعة، عن رأسه!
خطاب مبارك – نظام مبارك – نطق كُفرًا. هذا الخطاب يريد مواجهات عنف. يريد أن يستخدم العنف مقابل ردة فعل "شباب الميدان" من الخطاب. واعتقد انه يحضّر ويجهّز لهذا الأمر. وعلى هذا الأساس، ومن هذا المنطلق، جاء "البيان الأول" وجاء "البيان الثاني": الجيش، فجأة، في الصورة. كانه بدا للبعض ان انقلابًا عسكريًا على مبارك قد حصل وتم انجازه بنجاح. وواضح الآن ان التفويض هو للجيش، لكن لاستخدام القوة – إذا أمكن ذلك – للقضاء على "انتفاضة الشعب".
الخطاب هو "حديث طُرشان". لم يعطِ الجواب، انما حاول ان يراهن على أمر واحد: اختراق وحدة ناس الميدان. ونقصد، تحديدًا، ميدان التحرير. اما "الناس" فقد تجاوزوا الملايين الثلاثة الذين كانوا في "الميدان" وقت الخطاب، ليصل، صدى "الميدان"، الى عشرات ملايين المصريين، ومن خلالهم الى مئات ملايين العرب، ومئات مئات مئات ملايين الناس في كل مكان خارج مصر. أراد الخطاب أن يلعب على سيمفونية "الانتقال السلمي" في "وقت محدد" بعد "دراسة التعديلات في الدستور" وما "تستقضيه التغييرات التشريعية" وصولاً الى – قول مبارك - "حتى أسلِّم رايتها".
أهلين يابا. أو: "شو جابَت من دار أبوهَا"..!
بين "التفويض" و"التنحّي"، وبين "التفسير و"المباشر" والتحليل"، قبل الخطاب، وعلى مدى ساعتين، كانت حالة من "غسيل دماغ". ماكينة اعلامية أرادت "تفريغ الطاقة" والتقليل من الاحتقان. لعبة اعلامية متقنة. لكن تبقى حقيقة واحدة، وهي أن الرئيس حسني مبارك لم يعد رئيسًا لجمهورية مصر العربية بعد الساعة الحادية عشرة قبل منتصف ليلة أمس.
لقد حاول الخطاب الهروب إلى الأمام: "تعديل" هنا و"تفويض" هناك "على النحو الذي يحدده الدستور" – حسب ما جاء في الخطاب. وبالعربي الفصيح: "كُوسْمَتيكا". حالة تجميل لقبول الوجه الجديد: عمر سليمان، الذي أنيطت به مهمة ترتيب الأوراق – أوراق النظام - من جديد. واعتقد ان مَن كتَبَ الخطاب شَعَر، في لحظة معينة، انه يلعب "الشُطرنج". يلعبها بحسابات دقيقة جدًا. لكنه تناسى "الشارع"، تناسى "الميدان" وناس الميدان. وهذا مؤشر على حالة الإرتباك الحاصلة، ليس للنظام وحده، انما لمن يقف خلف النظام ويدعمه.
لقد حاول الخطاب ان يلعب على الوتر الوطني: "الإملاءات الأجنبية من الخارج". ومَن القائل؟ محمد حسني مبارك!
لقد جاءت "الإملاءات" تحديدًا من امريكا. هذا هو الموقف الأمريكي، عاريًا بزيق ربّه. يريد لمبارك ان يبقى. والملفت ان الخطاب تزامن مع وجود وزير "الأمن" الاسرائيلي، إيهود باراك، في الولايات المتحدة، في سلسلة اجتماعات ومشاورات و"عصف اذهان" مستمرة منذ ثلاثة ايام مضت.
هل انتبهتم، في البداية، كيف "نَطَّت" الصورة. لقد حذفوا شيئًا من الخطاب. ويا ريتهم حذفوه كليًا. المسألة الآن في الميدان: التعبئة والمزيد من التعبئة. هذا ما سيحسم المعركة.
لعلّه خير يا شباب..!
