أعلنت الأجهزة الإسرائيلية أمس الخميس، عن اعتقال ارهابيين مشبوهين بحرق عائلة دوابشة في قرية دوما، قبل ما يزيد عن اربعة أشهر. وجاء الإعلان بعد أيام من تقارير، أظهرت الأمر وكأنه انجازا للأجهزة الإسرائيلية، رغم أن وزير الحرب موشيه يعلون كان قد كشف قبل شهرين عن أن مرتكبي تلك الجريمة معروفون، ولكن الأجهزة تمتنع عن اعتقالهم "خوفا من كشف المصادر"، وهي حجة واهية تدل على التراخي والتواطؤ مع العصابات الاستيطانية الارهابية.
إلا أن تجارب السنين علمتنا أن لا نلتفت لمثل هذه التقارير. وعلمتنا التجربة أيضا أن مثول المستوطنين الارهابيين أمام المحاكم، هو مسرحية تفرض فيها أحاكما هزيلة، يمضيها الجناة في سجون مفتوحة بظروف رخاء ونقاهة، كحالة الارهابي عامي بوبر مرتكب مجزرة مفرق الزهور عام 1990، والأمثلة كثيرة. ولكن مجريات محاكمة جريمة خطف وحرق الفتى المقدسي محمد أبو خضير هي مثال حي على المماطلة، والبحث عن ذرائع لعدم فرض أحكام على الارهابيين.
وحالة العنصرية المتعفنة الى أقصى الحدود في أجهزة تطبيق القانون، ومنها الى جهاز القضاء، هي امتداد لذات الحالة، وبدرجة اقصى، في رأس الهرم الحاكم، الموجِّه الأساس، والمنكب طيلة الوقت على سن القوانين العنصرية. فمنذ بدء عمل الولاية البرلمانية الحالية بعد الانتخابات وحتى اليوم، تم اقرار 3 قوانين عنصرية، و8 قوانين أخرى في مراحل تشريع متقدمة، قد تنتهي غالبيتها مع انتهاء الدورة الشتوية.
ما نريد التأكيد عليه مجددا، هو أن هذه العنصرية المتجذرة، لم تظهر مع تزايد سطوة اليمين المتطرف على مقاليد الحكم، بل هذه العقلية المسيطرة على كافة الحكومات الإسرائيلية منذ العام 1948، لأن جميع هذه الحكومات ترتكز على أسس الفكر الصهيوني العنصري الشرس. وهذا ما يؤكد أن العنصرية الصهيونية- الإسرائيلية، نابعة من جوهر الايديولوجيا الصهيونية. وليست مجرد خلل في الحكم، كما تحاول عرضه جهات صهيونية ومتصهينة، بأشكالها ومؤسساتها وجمعياتها المتلونة، تسعى دائما الى اغراق الجمهور الضحية: جماهيرنا العربية في بحر من الأوهام، وكأن العنصرية "هي مجرد خلل في الحكم يطال شرائح متعددة من بينها العرب"، وهذا تضليل لا يقل جُرما عن جُرم العنصرية.
ومعرفة جوهر العنصرية الصهيونية هو الأساس في سعينا لإنقاذ جماهيرنا من الأوهام الصهيونية، ووضعها أمام مسارات النضال الشعبي والبرلماني والنقابي، في سبيل انتزاع الحقوق، حقنا على أرض الآباء والأجداد، في وطن ليس لنا سواه. فما تحقق حتى اليوم، وعلى رأسه البقاء في الوطن، لم يتحقق بمنّة صهيونية وحُسن نوايا الصهيونية، بل من النضال والتمسك بالثوابت الوطنية، ودربنا ما زال طويلا.. طويلا جدا.
