تنتابني، كعربي، حساسية مفرطة من مصطلح "المؤامرة". وذلك بسبب إفراط شرقنا العربي في استعمال هذا الاصطلاح في غير مكانه. أصبحت الكلمة أشبه بالمشجَب على ألسنة سرايا الحكام لتبرير عجزهم و/أو عدم رغبتهم اصلاً بنصرة قضايا شعوبهم. ولم يتوانَ حتى القرايا المحكومون، من أحزاب وحركات قومية وطنية وأخرى يسارية أو ليبرالية أو إسلامية، من اللجوء الى حجّة "المؤامرة" بحقهم لتبرير فشلهم في التصدي الناجع لها وفي تحصين شعوبهم في إزائها. أصبحنا جميعاً، حكاماً ومحكومين، ضحايا للمؤامرة. هذا عداك عن الخطيئة الأصلية أصلاً في فهم مصطلح "المؤامرة" واضفاء معانٍ خاطئة عليها.
لا أنفي وقوع ووجود مؤامرات في مسيرة سيرورة التاريخ، تبطىء او تعجّل او حتى تبطل أو تؤجل مساره لحقبة ما. لكن التاريخ ليس نتاج مؤامرات. المحرّك الاساس له هي الصراعات الطبقية والاجتماعية، والتقاء وتناقض المصالح واصطفاف القوى المتشابهة، وتوازن القوى بين حق القوة وقوة الحق ولمن تكون الغلبة في المكان والزمان المعطى، وما يفرزه كل ما سبق من هيمنة فكرية وثقافية على المجتمع توئتي ثمارها.
*للكلمة معنى...*
يعود جذر مصطلح "مؤامرة" الى الفعل أمَر. وأنْ تأمر يعني ان تطلب من الذي تأمره ان ينفّذ لك أمراً. لذا هو المأمور. وتأمّر تعني تسلّط على. وأمرّه تعني ولاّه الإمارة. وتآمروا فيما بينهم تعني أصلاً تشاوروا. وائتمروا بفلان تعني أمر بعضهم بعضا بقتله. وأمور القوم هي شؤونهم. والمؤتمر هو اجتماع للقوم للتشاور. والأمير هو الآمر. والمتآمر هو مدبر المؤامرات، الدسّاس والمخادع.
بناءً عليه تعني كلمة مؤامرة مجموعة معانٍ متشابهة ومترادفة هي: الأحبولة والحيلة والخديعة والدسيسة والمكيدة. هي ما يخططه ويدبّره أشخاص (او بلاد او احزاب) بالستر والخفية والخباثة ضد آخرين من منطلق المعاداة وبهدف الاساءة لهم، ولما فيه صالح مصالحهم.
*هل كانت هنالك مؤامرة على الناصرة؟*
أعتقد أنه من الخطأ توصيف ما جرى في انتخابات بلدية الناصرة بحق الجبهة بالمؤامرة. وأفضّل استعمال مصطلحات "مخطط" و "التقاء مصالح" و"تحالفات واصطفافات" بخصوص قضية ما حتى بين متناقضين وخصوم ومختلفين فيما بينهم حول مختلف القضايا الأخرى.
هذه مخططات وتحالفات واصطفافات علنية وواضحة ومصرّح بها، وإن كانت بعض تفاصيلها الثانوية سرية أو مخفية. وهي بالتأكيد ليست نتاج مفاجأة ولا وليدة ساعتها، وانما هي نتاج وسيرورة ومعطيات سياسية واضحة لمواقف ولممارسات سابقة لأقطابها. وللجبهة ايضاً، باخطائها المتراكمة وبعدم قراءتها الكافية للوقائع بفهم وتحليل عميقيْن وسليمَيْن وبقصور استشفافها للمستقبل الداهم واجراء تغييرات مطلوبة في استراتيجيتها وتكتيكها وممارساتها. كان قسط لا بأس به في انجاح المخطط – "المؤامرة" – ضدها.
لنستعرض ما رافق انتخابات بلدية الناصرة من وقائع واصطفافات: لم تخف السلطة الليكودية الحكومية، من وزير داخلية ورئيس حكومة ومستشار قضائي وغيرهم، سعيها ودعمها لاسقاط الجبهة. ووصل الأمر الى حد التدخل الفظ بالمسار القضائي لفرض اعادة الانتخابات للرئاسة.
مركّز منطقة الناصرة لليكود ورئيس فرعه في الناصرة عملا علناً، وبرسائل هاتفية ايضاً، بتاريخ 21 اكتوبر، لدعم علي سلام: "نطلب دعمكم لعلي سلام"، لانه "وعدنا بالاهتمام بجماعتنا" و"بابه سيكون مفتوحا لنا، ولن ينسى دعمنا له". اما العنصري المنفلت غابسو، رئيس بلدية نتسيريت عيليت، فتفاخر بأنه جنّد اربعمئة صوت لصالح سلام"صديقي الحميم"، فشكره هذا ودعاه "صديقي غابسو" وناشده ان يزيد من تجنيد الاصوات له في الجولة الثانية. وهكذا فعل حبيب الليكود ومنظمة "ام ترتسو" اليمينية الصهيونية، الداعي لتجنيد المسيحيين العرب باسم الخورنة والكهنوت.
أذاعت اذاعة "كل ريغع" العبرية، في الخامس من آذار، ان سلام كان عضواً في حزب الليكود. وأكدت هذا الناطقة باسم الحزب، بناءً على سجّل العضوية المتوفر لديها. أنا شخصياً لا يشغلني عضواً عند مَنْ كان سلام، سرياً، قبل انضمامه لعضوية الجبهة. لكن يثير استغرابي وتساؤلي انه وجماعته انفلتوا بالتهجم على الجبهة لأنها تتهمه زوراً بعضوية الليكود( ؟!)، بدلاً من أن يقدموا شكوى بالقذف والطعن بالسمعة ضد من اذاع وأكد هذا الأمر...واسمهُ "كل ريغع" لا الجبهة.
ونشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، في العاشر من اذار، مقالاً للكاتبة الصحفية ياعيل غفيرتس، جاء فيه: عمل حزب الليكود برئاسة نتنياهو ومع وزير الدفاع يعلون وشركائهما وبما فيه جهاز "الشاباك" - المخابرات – على اسقاط جرايسي وانجاح سلام. ولتحقيق ذلك تجنّد "الشاباك" والمستشار القضائي للحكومة لاقناع محكمة العدل العليا بإعادة النظر بشبهة تزييف الانتخابات، لإقرار جولة ثانية لها.
وتضيف الكاتبة غفيرتس أن تلاقي المخطط الليكودي والأمني والمخابراتي مع رائد صلاح (الاسلاموية) ومع حنين زعبي (التجمع) بهدف اسقاط الجبهة لا يعود "للحب المفاجىء" فيما بينهم، وانما هو نتاج لعبة هدفها قص أجنحة الجبهة. أي هي تقول وبحق ان ما يجمعهم هو الهدف العام، لكن لكل منهم كان هدفه الخاص.
من جهة اخرى لم تقصّر "الاسلامويتان"، الشمالية والجنوبية، ولا "التجمع" في العمل والتنسيق معاً لاسقاط جرايسي ولدعم سلام. وما زالت تزكم الأنوف رائحة لجوء اعضاء كنيست عرب، من التجمع والاسلاموية، للاجتماع بجهات حكومية ليكودية ومطالبتها بالعمل على اعادة الانتخابات.
كل ما ورد اعلاه تزامن وترافق مع نشاط مهوول لبضعة مقاولين ومستثمرين نصراويين معروفة ارتباطاتهم السياسية وأهدافهم،عداك عن رجال مافيا وخاوة. جميعهم، سوى سوى مشي الأحبة سوى، ومع قوى قومية واسلاموية أرادوا تخليص وتحرير الناصرة من "الاحتلال والحكم العسكري وفساد وديكتاتورية" الجبهة.
هذا دون أن أقصد أعلاه الرمز او الإشارة، وَلوْ بالتورية، الى ان "الاسلاموية" و"التجمع" مرتبطان بالليكود وينسقان ويتعاونان ويتآمران معه ضد الناصرة. فهم اعداء وطنيون لليكود وسياسته. لكن من المعروف أنه قد تلتقي وتتقاطع القوى المتعادية واصحاب المصالح المتناقضة عموماً لقاءً وتقاطعاً موضوعياً، لا خيارا ذاتياً، حول رغبة مشتركة – (اسقاط الجبهة في حالتنا)، ويكون لكل منهم هدف مختلف من وراء تحقيقها. وفي أحداث الربيع العربي الذي جرت خرفنته وتلاقي وتلاقح القوى العالمية والعربية المتناقضة وذات الأهداف المختلفة أكثر من مثال على هذا.
ومن المعروف والمثبت انه منذ الانتصار التاريخي الاول لجبهة الناصرة الديمقراطية، عام 1975، والسلطة الصهيونية تعمل جاهدة على قطف رأس الناصرة. فهذه المدينة بما تمثله تاريخياً ووطنياً وقومياً وتأثيراً على البقية الباقية من الشعب العربي الفلسطيني... مستهدفة. يريدون رأس شعبها حين يبغون قطف رأسها.
وهنالك أوساط خارجية متساوقة مع اوساط محلية، من قوى وعناصر عالمية وخليجية وعربية رجعية وأخرى اسلاموية، مستعدة لأن تبذل الغالي والنفيس والمال السياسي لإسقاط سلطة وتأثير البلدية اليسارية الوحيدة في بلادنا وفي الشرق العربي.
للذي يظنني أني جامح الخيال فليتبصّر بما يجري حوله. وليتذكر على الأقل أنه حين نجحت الثورة الايرانية بإسقاط نظام الشاه، تمّ ضبط وثائق وبروتوكولات لاجتماعات في السفارة الأمريكية ولقاءات امريكية – عربية تنسيقية لضرب ووقف تصاعد قوة وهيمنة التوجه اليساري العلماني بين الجماهير العربي داخل اسرائيل.
هذه، كل ما ورد أعلاه وسابقاً، هي الوقائع والخارطة لاصطفاف القوى المختلفة. فهل هي الدليل لوجود مخطط (يسمّيه بعضكم خطأ مؤامرة) ضد الناصرة بلديةً وبلداً؟ مقدرتي على الفهم السياسي ودرايتي بعلم المنطق والتحليل الجدلي تجعلني "عاجزاً" عن تقديم الجواب. وأذكر اني حين كنتُ طفلاً عجزتُ عن تقديم جواب لأحجية طرحتها عليّ والدتي. سألتني: "سود عينيها وعوج قرنيها وطوال ذينيها، وهي العنزة الله لا يهديك عليها، شو هي"؟!
*حتى لا تصبح الهزيمة هزيمتيْن...*
ليس صحيحاً أن "الجبهة" لجأت الى تخوين الآخرين ونعتهم بالمتآمرين، كما هو ليس صحيحاً انها عزت كل أسباب فشلها الى المؤامرة عليها. هذا مع العلم أن الرأي المنتشر لدى اوساط واسعة في الشارع النصراوي هو ان الجبهة فعلت ذلك.
اعتمد مروّجو ذاك الاتهام على كلمة قصيرة القاها كل من المهندس رامز جرايسي وعضو الكنيست محمد بركة قبل ان ينتهي فتح كل صناديق الاقتراع، لكن بعد ان كان واضحاً ان الجبهة خسرت المعركة. لم يكن ذاك اجتماعاً تلخيصياً وانما كان مجرد توجيه كلمة شكر وتقدير وتشجيع للمئات – او الالوف – من النشطاء الجبهويين الذين اغتموا وصُعقوا لسماعهم نتائج الصناديق الاولية التي اخذت تتوارد. ولكن حتى في تلك الكلمات التشجيعية ورد وجوب فحص البيت وعدم القاء تبعة الفشل على "المؤامرة" وحدها.
في ذاك الاجتماع وفي اجتماع تلاه بعد يومين لعموم أعضاء الجبهة قال جرايسي: على الجبهة أن تضع كل القصورات والاخطاء الذاتية على طاولة أبحاثها في تلخيصها للانتخابات، بعمق وبجرأة وبمسؤولية. وأن تستخلص العبر، مع التركيز على العوامل الداخلية التي أدّت الى الفشل. وأكد على ضرورة اعادة البناء وتوسيع صفوف الجبهة وضم أوساط وقوى جديدة لها، وابراز قيادات شابة قادرة على ترميم البيت الجبهوي وعلى التصحيح.
وورد في افتتاحية صحيفة "الاتحاد"، بتاريخ 14 آذار، أن الأمر الاساسي الذي يجب ان نصغي إليه ونتحلى به هو مراجعة الذات بشجاعة وصراحة بخصوص الأخطاء التي جرى ارتكابها، واشراك أوسع الكوادر وحتى الأصدقاء في تحليل ما جرى لكشف القصورات ووضع خطة لتلافيها. وهذا ما أكد عليه كل من بيان الجبهة القطرية وبيان المكتب السياسي للحزب الشيوعي، بتاريخ 16 آذار، حرفياً تقريباً. وتعاقبت المقالات العديدة في صحيفة "الاتحاد" بهذه الروح . وهذا ما برز اساساً في ما عُرِف باسم "العريضة" التي ارسلها مئات اعضاء الحزب والجبهة الى هيئاتهم القيادية.
حسب رأيي، انا اللامنتمي للجبهة، ان بعض كتاب تلك المقالات (وفي العريضة ايضاً) بالغوا في تجاهل حقيقة وجود مخطط واصطفاف غريب عجيب لقوى منافسة ومعادية كان لها اثر على اسقاط الجبهة وإفشالها. باعتقادي تجاهل وجود هذا خطأ، لا يقل خطيئة عن إعادة أسباب الفشل الى المخطط (المؤامرة) والعوامل الموضوعية فقط. أقول هذا من باب وجوب التحليل الجدلي والموضوعي والعلمي لأية ظاهرة اجتماعية كانت. لكن لا بأس، من المنعش والمفيد ان يركّز بعض الشيوعيين والجبهويين على سلبيات وقصورات الذات التي قادت الى الهزيمة لانه إن لم تُحْدِث هزة الفشل الانتخابي الصاعقي هزات ارتدادية صاعقة في فكر وممارسات وتنظيم الحزب – الجبهة، تصبح الهزيمة هزيمَتيْن.
* * *
*الجدلية جبر الثورة...*
اعلنتُ في مستهل هذا المقال رفضي القاطع لتوصيف ما جرى بحق الجبهة في الناصرة بالمؤامرة. وأضيف الآن انه من الضحالة والسخافة والغباء ان ينظر البعض للمؤامرة وكأنها كارثة طبيعية لا مردّ لها وما من حيلة امامها... وكأنها بركان، زلزال، تسونامي. هذا عوضاً عن انه اصبح بالامكان اليوم رصد واستشفاف قدوم الكوارث الطبيعية واتخاذ احتياطات تحد من أثرها التدميري.
"المؤامرة" ظاهرة اجتماعية لا طبيعية مادية. هي من فعل الانسان. وبامكان الانسان ان يتصدى لها ويفشلها، أو أن يحدّ من قوة أثرها الكارثي على الأقل. لذا التعامل معها وكأنها كارثة مادية يعني اعفاء البشر (القوى الاجتماعية/الاحزاب/الجبهات) من مسؤوليتهم وتحملّ مسؤولياتهم عن سيرورتها، وعن حراكهم في مواجهتها والحد من اثرها، وعن فشلهم في تحصين الذات وتحصين المجتمع لافشالها. هذا بالاضافة الى ان الصنمية إزاء "المؤامرة"، من عمى وطرش وبكم، هي الوصفة الأمثل والسبيل الاقصر لعفن الخمول والجمود والتقاعس الفكري والعملي في محاسبة ونقد واصلاح الذات.
بناءً على ما سبق، "المؤامرة" الأكبر على القوى المتآمَر عليها هي عجز تلك القوى عن التصدي لها. وهي الذريعة لتبرير فشل الذات، والستار لإخفاء مكامن الضعف والعجز عند الذات. لذا التركيز على عامل وحديث "المؤامرة" يعني هروب وابتعاد الذات وتغييب واجبها بضرورة قراءة وفهم طبيعة الصراع الداخلي في المجتمع ومبناه الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي وقواه المتناقضة والمتنافسة، والتصرف بناء عليه.
مدى قوتنا وعدم حصانتنا كمجتمع وكاحزاب وحركات سياسية وطنية ليست استيراداً من قبلنا "لبضاعة" صدّرتها لنا قوة تآمرية خارجية. دودُنا من عودِنا. ومنافسونا المحليون ليسوا عملاء لمتآمرين يحركونهم كالدمى. هؤلاء اهلنا ومن طين شعبنا وبلادنا وعندهم مصالحهم وانتماءاتهم الاهلية والاجتماعية واعتباراتهم. وليس من الضرورة ان تكون الوفهم المؤلفة على وعي بكل مقاصد قياداتهم. لذا نعتهم بالمتآمرين، عدا عن عدم صحته، لا يقنعهم ولا يردعهم ولا يهزم قادتهم وانما يعطي تلك القيادة السلاح للطعن بمصداقيتك وللتحريض وللتطاول عليك، وحتى الستار لتغطية حقيقة مخططهم – تآمرهم.
وما دام "المَتآمَر" عليهم يعتقدون ان تلك القيادات المنافسة لهم هي المخطئة فليناقشوها وليواجهوها وليتصدوا لها، فكراً وبرنامجاً ونهج عمل سليم مقابل فكر وبرنامج ونهج سقيم. وليحرصوا على الوصول للقواعد الجماهيرية الواسعة الواقعة تحت تأثير تلك القيادات والاستماع لمراراتها والتجاوب مع متطلباتها العادلة، وتحصينها امام كل من يريد الطلوع عليها وادعاء تمثيلها. بينما هو يريدها ان تكون مجرد مخزن اصوات له لتنفيذ مآربه التي تتعارض مع المصلحة الحقيقية لتلك القواعد الجماهيرية.
"المؤامرة"، بصفتها ظاهرة اجتماعية، لا تخص عالم ما وراء الطبيعة – الميتافيزيقي. وانما هي تخص"دايلكتيك" – جدلية العلاقة بين المادة والوعي، الموضوع والذات، الامكانية والواقع، العام والخاص، الجوهر والظاهرة، السبب والنتيجة، بكل ما يرافق هذه العلاقة من وحدة وصراع الاضداد ونفي النفي وتحوّل الكم الى كيف. وجدلية العلاقة بين العوامل الموضوعية والذاتية تعني بين ما تعنيه، انه ما من عامل موضوعي يفرض انتصاره واثره الا اذا عجز العامل الذاتي عن التصدي له والحد من اثره وحتى ابطاله اذا امكن.
استغرب ان لا يعي ما جاء اعلاه وان لا يعمل وفقه ماركسيون قال معلمهم ماركس انه لم يأت لتفسير العالم فقط وانما لتغييره. وان كل شيء في حركة دائمة، وما من شيء ثابت الا... الحركة. وان الاحزاب التي لا تراجع وتنتقد ذاتها تفقد مستقبلها. وقال لينين الجدلية هي جبر الثورة، والثوري هو من يكون ثورياً في اوضاع غير ثورية.
*صمــت القبـور وانتفاضة العقول*
من الاجدى بالحزب (وبالجبهة) ان لا يتباكى على نجاح "التآمر" عليه، بل ان يسأل ذاته: لماذا فشل هو في افشال التآمر عليه. وبدلا من اسقاط مسؤولية الفشل على "المتآمرين"، على الحزب ان يسأل نفسه: الم يساهم هو المتآمَر عليه في "التآمر" على ذاته حين افتقد زمام المبادرة السياسية والاجتماعية ولم يتجدد ويجدد؟ وحين اعتمد على أمجاد الماضي الغابرة بدلا من ان ينفض الغبار عن الذات الحاضرة التي شاخت واشاخت، تكلسّت وكلسّت، تأزمت وأزّمت؟
وكذلك حين اختفى حضوره الفاعل كحزب وجبهة عن شتى الشرائح الاجتماعية وخصوصاً المسحوقة والمهمشة. وحين هجّج بجموده وعدم انفتاحه عشرات المثقفين، بمن فيهم العديد من اعضائه ومثقفيه وقادته السابقين. وحين لم يقم منذ اواخر ثمانينات القرن الماضي باية مبادرات سياسية واجتماعية وبرنامجية جديدة تخص الجماهير العربية وتطلعاتها وتعزيز نسيجها الاجتماعي القومي والوطني والاهلي الديمقراطي. وحين احال الجبهة الى ما هو اشبه بالتابع المجرور والظل الهافت لذاته الحزبية ولبلديته. وحين... وحين...
ثم لنفرض جدلاً، يا رفاق، انه لا وجود لأية "مؤامرة" خارجية – مخطط ضد شعبنا عموماً وضدكم. هل كانت عندها ستختفي ولن تظهر امراضنا وسلبياتنا الاجتماعية التي تنخرنا كشعب، من شرذمة وعصبية أصولية – طائفية دينية وحمائلية وجهوية، بما فيها حزبية القبائل وقبلية الأحزاب والأطر الوطنية الأهلية ازاء بعضها البعض. ماذا فعل وبماذا بادر الحزب الطليعي والاقوى وصاحب الخبرة للحد من تفاقم هذه الردّة الاجتماعية ولمحاصرتها؟
فقط في المقابر يسود سكون وصمت رهيب. اما في الحياة فيجب ان يسود صراخ النسور وانتفاضة العقول. ما من احد يناقش ويسأل او يحاسب احداً في المقابر. وما من سؤال خاطىء في الحياة. الخطأ يكمن في عدم تقديم الاجابة على الاسئلة المطروحة، بما فيها السؤال الخاطىء. فلنتعمق في دراسة المتغيرات في مجتمعنا، ولنطرح الاسئلة، بل فلنزعق زعيق اجراس التنبيه والتحذير برؤيانا ومواقفنا الجديدة واصلاح ذواتنا فكرياً وسياسياً وتنظيمياً ونهج عمل.وذلك حتى يقدم المسؤولون أجوبتهم الشافية والجريئة في نقد الذات وتحميلها قسطاً وافراً من المسؤولية عما حدث، وفي ابتداع المخرج السليم من هذا الكهف المعتم السقيم الذي لا نرى فيه الا ظلال صورنا.
هكذا نحلّ جدلية "المؤامرة" ومسؤولية الذات. هكذا تنتصر الناصرة على هزيمتها الانتخابية العامة، هزيمة الفائزين والخاسرين معاً.
(يتبع مقال قادم عن "التجمع" وموقفه الانتخابي).
