والأعمار بيد الله

single

قاعة المركز الثقافي في كيبوتس "مِزراع" في مرج ابن عامر تغصّ بطلاب المدرسة الثانوية القطرية ومدرّسيهم ، وكنت وصديقي الشاعر العبري روني سوميك نسير معا إلى المنصة ليقرأ قصائد من مجموعته الشعرية الجديدة "ألجير" أي الجزائر ثم لأحاور الطلاب حول قصتي "الاستثناء والقاعدة" التي قرأوا ترجمتها العبرية ، حينما اعترضت طريقي سيدة في العقد الخامس من عمرها ، ما زالت تحتفظ بكامل مشمشها ، كما قال الدرويش ، وقالت مبتسمة: غدًا عيد ميلاد ابنتي ، واشتريت كتابك هديه لها. فأرجوك أن توقّع لي عليه!!
  وجدتُ نفسي محرجا ومرتبكا وهي تناولني نسخة من الكتاب. هل اعتذر عن التوقيع وأفسد فرح السيدة وابنتها أم أتوكل على الله وأوقع؟
  أعرف أنّ عشر قصص قصيرة من قصصي قد ترجمت إلى اللغة العبرية ونشرت في انطولوجيات أو مجلات أدبية ولكن لم يصدر لي كتاب واحد حتى اليوم بلغة أولاد عمومتنا ، وهذا الكتاب الذي ناولتني إياه السيدة ليس لي. لم أؤلفه ولم أترجمه فكيف أوقّع عليه؟
  شرحتُ للسيدة أن هذه المجموعة الشعرية الجميلة لشاعر صديق من مدينة الناصرة وهناك تشابه كبير بين اسمينا مما خلق "خربطة" أو "لخبطة" أو "التباسا" عند البعض ، وعندئذ عَلَت ابتسامة على وجه السيدة فيها سؤال وفيها استغراب وفيها حيرة كبيرة!
  لم يكن هذا الحدث الوحيد الذي جرى لي ولصديقي المرحوم الشاعر طه محمد علي. وكنا – ولا نكون اليوم!!- نقضي معا جلسات ونحن نروي لبعضنا هذه النوادر. كيف هنأوه عندما تزوجتُ وكيف عزّوني حينما مات أبوه ، وكيف وصلت إليه أول مكافأة مالية تقاضيتها عن قصة لي فأعادها إليّ مشكورا.
  كان يحدّثني عن صفورية وعن العين وعن الملوخية وعن الفرفحينة وعن نصارى البلدة الذين حفروا في الأرض فوجدوا صليبا أثريا مما أثار غيرة المسلمين. وكنت أحدّثه عن ميعار وعن بير الصفا وعن الزعتر والتين والصبر والبطيخ وعن الميعاري الذي أفحم القائمقام بسرعة بديهته  .. ونشرب القهوة ونضحك!!
  يقول لي وكأنه يفشو سرّا: عندما تنشر قصة يا محمد في مجلة "الجديد" أو جريدة "الاتحاد" يدخل أحيانا أحد القراء إلى حانوتي ويقول لي: قصتك جميلة يا طه. فأشكره و "أَغرُش" وأما إذا اعترض قارئ على جملة أو على فكرة في القصة فأقول له: اسمع خيّا. هذه القصة للكاتب الذي من كابول.
وأقول له بدوري: شاركتُ في ندوة أدبية في قرية في الشمال وفي نهاية الندوة طلب أحد الحاضرين مني أن أقرأ قصيدة "عبد الهادي" فقلتُ له: عبد الهادي بقي منغرسا في صفورية ولم يخرج منها حتى اليوم.
  يُحدثني طه أنه دُعي ليحاضر في احدى الجامعات في البلاد وعندما صعد إلى المنصة سمع بعض الطلبة يقولون: هذا مش هو!
  وأسأله عما حدث في القاهرة فقد روت ليّ الكاتبة المعروفة فريدة النقاش عندما زرتها لأول مرة في مكتبها قالت: قبل سنوات زارنا سميّك وكنتُ أعتقد أنه أنت فطلبتُ منه أن يقرأ لنا مقطعا أو قصة من "وردة لعيني حفيظة" فقرأ لنا قصيدة "حبل صبحة". ويضحك أبو نزار ويقول: وهكذا ساعدتهم على حلّ اللغز.
  فبل سنتين رحل أخي وصديقي أبو نزار إلى الدار الآخرة وعلى الرغم من أنّ النّاعي أكّد أنّ المتوفى هو الشاعر أبو نزار طه محمد علي ابن صفورية وأنّ الدفن سيتم في مقبرة الناصرة إلا أنّ بعض الصحف وبعض المواقع – سامحها الله – نشرت خبر الوفاة مع صورتي الشخصية فانهالت المكالمات التلفونية على بيتي من الداخل ومن الخارج.
-هالو!         -أهلا أهلا!
-بحكي أبو علي؟         - نعم بحكي تفضل.
- لا. حبيت أسلم عليك وأقول لك سلامتك. أجاك عمر جديد.
- الأعمار بيد الله!                              

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

قناع خداع المتطرّف نتنياهو

featured

ألشيخ محمود قزامل (أبو جميل) كان في طليعة النضال في كل المواقف

featured

نوبل المرأة العربية

featured

اقرأ طه تقرأ صفورية

featured

أنا في قفص الاتهام

featured

الغطرسة.. هذا النهج الاسرائيلي الخطير!

featured

حكومة يمين أليمين برئاسة بنيامين

featured

حيفا بعد الاحتلال المصري