قوة من جنود وشرطة الاحتلال على حاجز يسجن قرية جبل المكبر جنوب-شرق القدس الشرقية المحتلة
*كان ياسر عرفات ورفاقه، وجورج حبش ومكانته، ونايف حواتمة وقدراته، والشيوعيون وعلاقاتهم الدولية، روافع الشعب الذي يفتقد للإسناد وللتماسك ولروح المبادرة*
الحياة تتجدد مثل خلايا الإنسان، وحينما تتوقف عن النمو والتطور تموت ويموت معها الإنسان، والتغيير هو مواصلة الحياة بالشكل الذي يعكس حراك القوى النامية الجديدة وتمددها، وفي السياسة ولدى التنظيمات لا هروب من هذه المعادلة، إذا لم يستطع حزب أو حركة سياسية تعبئة الفراغ، تأتي قوة أخرى لتغطية الحاجة، لتقود .
في تاريخ الشعب العربي الفلسطيني بعد نكبته المدمرة عام 1948، وتشريد نصفه خارج وطنه، واحتلال الجزء الأكبر منه، وتمزيق ما تبقى منه إلى ثلاث مناطق الضفة والقطاع ومنطقة 48 مفصولة عن بعضها البعض، ولدت قوى سياسية عربية عابرة للحدود، كانت الأقوى والأكثر نفوذًا بين الفلسطينيين، مكونة من حزب البعث، وحركة القوميين العرب، والشيوعيين، وحركة "الإخوان المسلمون" وحزب التحرر الإسلامي، ولكن تطلعاتها كبيرة، تفوق تطلعات الفلسطينيين ومعاناتهم، فراهن الفلسطينيون على مواقفهم، ولكن الأحزاب الخمسة ربطت تحرير فلسطين بقيام الوحدة العربية، أو عودة الخلافة الإسلامية، أو بناء الاشتراكية وانتصارها بوجود هانوي عربية، فأدرك غالبية الفلسطينيين أن لا خيار لهم سوى خيارهم الفلسطيني، ومشروعهم الوطني الديمقراطي الخاص بهم هوية وتمثيلًا في مواجهة المشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي، الذي تمدد عام 1967 ليحتل كل فلسطين، فولد من رحمهم من هو الأقدر على تمثيلهم، والتعبير عن وجعهم، والتمسك المباشر بتطلعاتهم، سواء عن القطاع الذي يعاني من الاحتلال وقسوته داخل وطنهم، أو عن قطاع اللاجئين المشردين في المنافي على أرض المخيمات خارج فلسطين .
فكانت فصائل المقاومة الفلسطينية، التي تفوقت على نفوذ الأحزاب الخمسة، بإمكاناتهم الضعيفة، وكانت حركة فتح صاحبة مبادرة قفزت بعد معركة الكرامة عام 1968، كي تقود الحركة السياسية والوطنية الفلسطينية، بتمسكها ببرنامج المشروع الوطني الديمقراطي الفلسطيني، وبقيت كذلك حتى التوصل إلى اتفاق أوسلو، وتداعياته بالاعتراف الإسرائيلي الأميركي بالعناوين الثلاثة: بالشعب وبالمنظمة وبالحقوق السياسية المشروعة للشعب الفلسطيني، وانتقال العنوان الفلسطيني وقيادته من المنفى إلى الوطن، وولادة السلطة الوطنية كأداة لمنظمة التحرير، وتجسيدًا لمشروع الدولة المستقلة المنشودة على أرض الوطن .
ولكن ذلك تجمد، وتوقفت حركة فتح عند ذلك التاريخ، وبدأ التراجع عبر محطات متتالية:
1- فشل استكمال خطوات أوسلو التدريجية متعددة المراحل باغتيال إسحق رابين على الجبهة الإسرائيلية، وتقدم اليمين الإسرائيلي المتطرف والأكثر عدوانية وتعصبًا وشراسة، ليكون صاحب القرار والإدارة في قيادة المشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي والذي يعمل على ابتلاع كل فلسطين، باستثناء قطاع غزة، عبر تهويد القدس والغور، وتوسيع الاستيطان، وتمزيق الضفة الفلسطينية جغرافيًا وسكانيًا وجعلها طاردة لأهلها .
2- رحيل القائد الوطني والتاريخي للشعب الفلسطيني ياسر عرفات، وتراجع برحيله قيم الائتلاف الوطني العريض ومؤسساته، وغياب الوحدة الداخلية والتماسك التنظيمي، وافتقاد بوصلة الأولويات والمواجهة .
3- تقدم حركة حماس، كحركة سياسية معارضة بديلة لسياسات منظمة التحرير ونقيضها الائتلافي الجبهوي، ونجاحها في الانتخابات البلدية والتشريعية وانقلابها الأحادي في السيطرة المنفردة على قطاع غزة منذ عام 2007 وحتى يومنا هذا، وسعيها نحو صفقة سياسية مع العدو الإسرائيلي على غرار اتفاق أوسلو عبر تركيا وقطر، ونظام محمد مرسي السابق عبر تفاهمات القاهرة في 20/11/2012، وتم تجديدها يوم 26/8/2014، من أجل دولة مؤقتة على أرض غزة، تستند لاتفاق هدنة طويلة الأجل مع تل أبيب .
لم يكن الوضع العربي أفضل حالًا مما هو عليه اليوم بالنسبة للفلسطينيين، ولم يكن الوضع العربي رافعة مساندة، فقد كان عبئًا ثقيلًا أرغم الشعب الفلسطيني وقيادته للانحناء لقرار 242 عام 1988، ولمؤتمر مدريد عام 1991، والهروب نحو اتفاق أوسلو عام 1993، ولكن كان ذلك يتم على أرضية أوسع تفاهم فلسطيني ممكن، كان ياسر عرفات ورفاقه، وجورج حبش ومكانته، ونايف حواتمة وقدراته، والشيوعيون وعلاقاتهم الدولية، روافع الشعب الذي يفتقد للإسناد وللتماسك ولروح المبادرة، والتفاعلات اليوم في الشارع الفلسطيني وحركاته تواجهها الإعدامات الإسرائيلية للشباب والشابات، ومتطلبات التنسيق وشروطه في رام الله، والتهدئة والتزاماتها من غزة .
الشعب الفلسطيني بحاجة لوقفة تقييم ومراجعة، وانطلاقة جديدة لمشروعه الوطني الديمقراطي على أرض الوطن وهو ما سوف تحمله الأيام القادمة وتبشر به، وهو ما نراه ونشاهده عبر سلسلة الاحتجاجات الفلسطينية، في القدس والضفة والقطاع، بدءًا من مظاهر الاحتفال بيوم انطلاقة الثورة ومناسبة رحيل أبو عمار في غزة، وانتفاضة القدس الشبابية منذ بداية شهر تشرين الأول 2015 ولا تزال، وإضراب المعلمين في الضفة، مظاهر أخاذة فاقعة، تعكس الاحتجاج الشعبي والوطني الفلسطيني ضد الاحتلال أولًا، وضد التنسيق الأمني بين رام الله وتل أبيب ثانيًا، وضد التهدئة الأمنية بين غزة وتل أبيب ثالثًا، أي ضد سلطتي رام الله وغزة وخياراتهم السياسية غير المبادرة، وغير الكفاحية، وفشلهما في استكمال خطوات الاستقلال السياسي والاقتصادي عن الاحتلال، فالرواتب مرتبطة بسلطة الاحتلال وافراجاتها وتكرمها الأمني وهامش الحرية الذي تسمح به لطرفي الانقسام الفلسطيني .
