الحمامة وشجرة الزّيتون

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

حطّت حمامةٌ بيضاءُ على شجرة الزّيتون الكبيرة فوجدَتْها بائسةً حزينة.

فَسألتها الحمامة: "ما بالُكِ أيّتها الشّجرة الـمـباركة؟"

تنهَّدت الشَّجرة وقالت: اُنظري إليَّ ألا تَرَيْن، الكلُّ يمرُّ من فَوقي وأمامي، ولا أحدَ يرى أحزاني.

  • أحزان وأيّ هموم تَشْكين. قالت الحمامة.

  • اُنظري الأشواك تُحيطُني من كلّ جانب، والغبار يغطّيني ويحجِبُ عنّي النَّسَمات الباردة في هذا الفصل الخَماسينـيّ. وحَبّاتي الَّتي رَعَيْتُها وحرسْتُها من كلّ ضرر وتَلَفٍ، أصبحَت كالحِمْل الثّقيل، فَأَغصاني بدَأت تَنْحَني ولا تَقوى على حَمْلِها.

واسَتْـها الحمامة قائلة: "انتظري يا عزيزتي فالله قادرٌ على تغيير الأحوال، وهُمومُك ستتبدَّد وهذا أكيد".

وبينما هما تتحدَّثان إذْ بسِرْبٍ من الطُّيور يحلِّقُ عاليًا فوقهما. فَنادت عليها الحمامة بأعلى صوتها: "أيّتها الطّيور إلى أين وِجهتِكِ؟

ردَّ القائدُ: "قد حلّ الخريف وعلينا الذَّهابِ إلى مَناطقَ دافئةٍ قبل مجيء الشّتاء".

فقالت الشّجرة: "أووووه هذا خبرٌ مُفْرحٌ، فالشّتاء في الطّريق وسأتخلَّص من غبار الصّيف الجاف".

في هذه الأثناء مرّت غيمة في السَّماء، وإذ بالرّيح تلحَقُها من بعيد وما هي إلا لحظات حتّى اجتمعَت أعدادٌ من الغيمات، وبدأ بينَها صِدام وشِجار، فصَمتت الحمامةُ من شدّة الـخوف، عندها دَعَتْها الزّيتونةُ للبَقاء والاحتماءِ في أحضانْها.

وأخذت الرَيح تدفعُ الغيماتِ أكثر حتى تضاربَت بقوّةٍ أكبر إلى أن هطلَ الـمطرُ وغسلَ الزيتونةَ ونفضَ عنها الغبار. لم يَسْتمرّ الوقتُ طويلا، اِنقطعَ الـمطرُ والشّمس على الفورِ سَطَعَت وتوهَّجت من جديد.

وبعد أن هدأَ الـمكان أطَلَّتِ الحمامَةُ من مَخبَئِها ونفَضت قَطرات الـمَطر عن ريشاتها،

وأردَفَت ضاحكة: "أرأيْتِ، أولُّ هَمٍّ زالَ عنك يا صديقتي". فابتسمَت الشَّجرة وشكرت الغيمات.

لم تترك الحمامةُ الشّجرة حينَها وباتت عليها، وما أن طلعَ النَّهار إذ بثرثرةٍ تعلو من حولِهِما، أيقَظَت الحمامةُ والشّجرةُ من نومِهما. وفي الحال ابتعدت الحمامةُ وتركتها.

  • مَن هذا أبو سعيد! قد جاء ومعه كلّ العائلة: الزّوجة، الأبناء والأحفاد.

وبدون تمهُّل باشَرَ الجميعُ، الصّغير والكبير بنزع الأشواكِ من حولِها. أمّا أبو سعيد فأخذَ مِقَصَّهُ الجَديد وقَلّمَ الأغصانَ وأزالَ اليابسةَ منْها.

بعد ذلك مَدّ الأبناء الـمَفارِشَ وبدأوا بقَطفِ حبّات الزّيتون، سَعيد حملَ آلة القَطف الكهربائيّة، نجيب قطفَ بيديه، أمّا الأم والأحفاد فجمعوا حبّ الزيتون عن الأرض والـمَفارش ووضعوها في الأكياس. وبعد الانتهاء جلسَت العائلةُ في ظلّها، تناولوا وجبةَ الغَداء، وصارَ الصّغار يتأرجحونَ على تلك الأرجوحةِ التي ربطها الجدُّ أبو سعيد بالشّجرة، وأخذ يقُصُّ عليهم ذكرياتِهِ عندما كان صغيرا.

وعندما مالت الشّمس إلى الـمَغيب جمعَتِ العائلةُ الأدواتِ وأكياسَ الزّيتونِ وتَحضّروا للرحيل. وبعد أن جلسَ الجميعُ في السّيارات والكلّ في طريقه ذهبَ وغادرَ الـمكان، عادَت الحمامة مرًّة أخرى، فوجدَت شجرةَ الزّيتون مبتسمةً مسرورةً.

فقالت الحمامة: "شاركيني فَرحتَكِ أيتّها الصّديقة".

فردَّت الزيتونة: اليومُ من أجملِ الأيّام سيرافقني في الأحلام، كم أنا الآنَ مسرورةً، فأصحابي زاروني، وخلّصوني من النباتاتِ التي خَنقَتني وضيَّقَت عليَّ عيْشي.

  • وبماذا كافَأتِهم؟

  • بأغلى ما عندي، أَهْدَيْتُهم ثماري الغالية التي حَمَلْتُها أشهرًا.

  • أرأيتِ يا صديقتي ألَم أقُل لكِ بأنَّ اللهَ مُزيلُ الهُموم.

  • نعم،أنتِ محقّة. تعالي لأرْوِيَ لكِ أجملَ ما سمعْتُ من أبي سعيد، وعن ذاك الطّفلِ الصّغيرِ وليد.

وهكذا لم تتوقّفِ الشَّجرةُ عن الكلام ووَعدَتِ الحمامةُ أن تبتعدَ عن الأحزان، وتهتمَّ بزيادةِ الثّمر فالكلّ من أجلِها تَجَمَّعَ وَحَضَر.

 

 

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية