news-details
ثقافة

سمعت رنين الجرس.. 

تركت شاشة التلفاز.. أسرعت الى باب الشقة  وفتحته.. دون أن أسأل من الطارق، لأني كنت أنتظر زوجتي وأولادي، الذين سيعودون، في كلِّ لحظة، من زيارة عائلية.

وقبل أن أنطق، اصطدمت عيناي بـ "فرد".. كان يُشهر في وجهي.. دفعني حامله الى الداخل ودخل ورائي..

إنه جاري فتحي أبو حسين..

رفعت عيني من بين أثقال الصدمة، لأسترق نظرة الى وجهه.. فوجدته يلتهب بنار تتصارع فيها موجات من السواد والاحمرار..

عيناه كانتا تقدحان شررًا مسجونا.. لا تنطق. كلمة واحدة وتودِّع حياتك!

أنت تسمع.. تسمعني فقط! سأُسمعك كلَّ ما عندي.. وبعدها سأسلِّمك (الفرد).. وافعل به ما تشاء!

كان يتكلَّم بسرعة بلهجة خطيب، أعدَّ خطبة ثقيلة عليه، ويريد التخلّص منها.. لماذا بنيت الجدار الذي يفصل بيني وبينك دون أن تسألني!؟ تستشيرني! ألست جارك!؟.. شريكك فيه!؟

حاولت فتح فمي، فصرخ بي مهددًا:

لا.. لا تتكلّم! أنا لم أسألك كي تجيبني.. أنا أعرف جوابك..

كنت ستقول: أنك لا تريد أن تثقل عليَّ.. أنت متأكد أنني لا أملك من المال ما تغطّي تكاليف بنائه..

وأنك بنيته يبعد عن الحد الذي يفصل بيننا مقدار نصف متر.. أي أنك تنازلت لصالحي عن مساحة من الأرض ليست بالقليلة!  لقد تحققت من ذلك بعد أن عاينت الجدار.. لم تطلب - يا جاري - موافقتي على بناء الجدار، ولم تطلب مني مساهمة مالية في بنائه. أليس هذا الجدار واقع بين بيتي وبيتك!؟.  ومن المفروض أن نبنيه بعد التشاور فيما بيننا!؟ وتنازلت لي عن قطعة من الأرض..وبنيته على ارتفاع أربعة أمتار، كي لا تراني ولا ترى عائلتي.. أنا وعائلتي، بالنسبة لك أصبنا بعدوى الإجرام..ومن الأفضل الابتعاد عنهم متبعًا المثل: "إبعد عن الشَّر وغنيله!".. و "الشباك الذي يأتي منه الريح اغلقه واستريح!".

أنا.. أن.. أن.. حاولت أن أخرج حروف متقطِّعة من فمي..

إخرس! صرخ في وجهي، وهو يقرِّب (الفرد) من رأسي.. ألم أقل لك أنني لن أسمح لك بالكلام، حتى أنهي - أنا - كلامي، الذي أريد أن أقوله لك!؟ لماذا لم يدعُ ابنك ابني الى حفلة عيد ميلاده!؟ لقد دعا كلَّ أولاد صفه ما عداه! لم يدعه لأنك أنت وأمه أمرتموه  بذلك! لا ذنب له إلا أنه ابني..أبن من دخل بيتهم الإجرام! أنك لم تره، كيف كان يتقلّى من الداخل، وهو يسمع الموسيقى والغناء، الذي كان ينطلق من بيتكم! كيف كان ينظر إليَّ بعينيه، التي كانتا تطلقان سهام محمومة صارخة: "أنت السبب!.. أنت السبب!". وبدل أن يداوم في مدرسته، داوم في المستشفى عدة أيام.. خرج منه ولدا آخر.. 

ولد يريد أن يخرج من الحياة!"..  ولد تتنازع في نفسه حبه الشديد لي، وكراهيته للحياة التي تحيطه.

كان صوته كأنه بركان طال انحباسه.. و وجهه أشتد سواده، حتى أصبح مثل رغيف خبز نسيه الخبّاز في الطابون، فحوَّلته النار الى قطعة سوداء..

انتبهت أن يده التي تمسك (الفرد) قد أصابها ارتجاج، وأصبح (الفرد) يرتجُّ في يده..

ليس لهذه الأسباب قررت قتلك!

أنت تعرف من قتل أبي في دكانه.. كلُّ البلد تعرف لماذا قتلوه..

لأنه رفض دفع "الخاوة" لهم،عن محل الأدوات الكهربائية الذي كان يملكه.. 

كان واقفًا يتكلّم مع أحد المشتريين.. فدخلوا ملثمين ورشّوا جسمه بوابل من الرصاص وأردوه قتيلا..

فلم تشارك - يا جارنا – في جنازته، ولم تأتِ الى بيت العزاء معزِّيًا..

وقاطعت الدكان - يا جارنا - مثلك مثل أبناء البلد.. فاضطررنا الى إغلاقه، وبقيت أمي وأخوتي الصغار، بلا معيل أو مصدر رزق..

بدأت تتسلَّل الى وجهه موجات من الأسى والقهر..

وقاطعتمونا أنت والكثيرين من أبناء البلد.. لست أدري إن كان ذلك بسبب الخوف من المجرمين..أو خوفًا منا لأنكم أدخلتمونا في خانة عالم الإجرام! 

ولكن ليس من أجل هذا عزمت على قتلك!

كان وقع كلماته كالخناجر تغرز في جسمي لتقطعه. أشعر أنني بدأت أتهاوى في بئر عميق ليس له قاع.. تحوَّلت الدنيا الى سراب أمامي..

وإذا بأولادي وزوجتي يندفعون الى الداخل.. كان الباب مفتوحًا.. وعندما رأوا المشهد أمامهم.. زعقت زوجتي زعقة هزًّت المكان.. ولحقتها صرخات أولادي..

قم من مكانك وامشِ أمامي!.. أمرني وهو يوجه (الفرد) باتجاه رأسي.. وأن لم تفعل ما آمرك به.. ستموت.. أتفهم ما أقول لك!؟

استمرَّ في إعطاء تعليماته، وهو يحرك (الفرد) بعصبية.. كان لوقعِ صراخ زوجتي وأطفالي تأثيرًا شديدًا عليه..

بدأ يغزو وجهه وابل من الخوف الشديد.. ولاحظت رجَّة قد بدأت تظهر في يده التي تمسك (بالفرد )، يحاول منعها بكلِّ قوته ولكن دون جدوى..

 أشار إليَّ أن أسير باتجاه الغرفة التي دخلت إليها زوجتي..

 وعندما وقفت أمام فتحة الباب، ظهر أمامي منظر مريع.. 

كانت زوجتي تغيب في إغماء شديد.. وجهها الأبيض يقطر سوادًا..وفمها مفتوح، وأنفاس قوية تنبعث منه وتدخل إليه بتسارع مخيف..

والأولاد كانوا يتشبثون بها من كلِّ جانب.. يصرخون ويبكون بألم يقطع القلوب.. 

يا ولد روح جيب كاسة ميِّة من الحنفية! أمر فتحي أحد الأولاد..

نظر الولد باتجاهي، فهززت رأسي هزة خفيفة، ففهم أن بإمكانه أن ينفِّذ الأمر..

تناول الكأس، وارشقه على وجهها! صاح بي..

أخذت الكأس من الولد، وسكبت منه على وجهها..

فتململت  وجلست على الكنبة، و تمتمت وهي تجيل نظرها حولها.

 "تخفيش يا خالتي.. بس في شوية سوء تفاهم بيني وبين أبوعماد.. وهسّا بنحلو!". توجه إليها..

"إحنا جيران يا أبو العبد!" خرجت من فمها كلمات تحمل مزيجًا من الخوف والحسرة. 

كلماتها أشعلت وجهه من جديد، بعد أن كانت ناره قد بدأت تخبو شيئًا فشيئًا.

" قتلتم جيرتنا مع مقتل أبي!" ردّ عليها بعنف بركاني. "تعاونتم مع القتلة!" أكمل ودرجات العنف تتعالى في صوته.. "نحن تعاونا مع القتلة!؟ " ردت بتساؤلٍ مكسور.. أصبحنا - أنا وأولادي - بالنسبة لكم جِمال جرباء! كلُّ همَّكم أن تبتعدوا عنا.. أعماكم الخوف..أصبح همكم الوحيد، أن تثبتوا للقتلة أنكم لا تتعاملون معنا!

حتى أنكم بنيتم جدرانا بيننا وبينكم..جدار في قلوبكم، وجدار على الأرض تفصل بيننا وبينكم. واليوم دخلت الى بيتكم لأقتل زوجك.. اغتنمت فرصة خروجك من البيت. ولم أكن أتوقع أن تعودي بهذه السرعة! قررت أن أقتله، بعد أن مرَّ بجانب أهل الحارة،وهم يحيطون بابني بعد أن صدمته سيارة..  زوجك - يا جارتنا - أوقف سيارته.. ولما عرف أن ابني هو المصاب، أسرع بالهرب من المكان.. كان ابني بحاجة إليه لينقله الى المستشفى.. و بأعجوبة أنقذه الأطباء.. وإني أقول لك الآن.. لو مات ابني.. لما عاش زوجك بعده!

وبعدها تحوَّل ليوجه الحديث إليَّ، وهو يحاول ان يكظم غيظه، الذي وصل الى درجات تهدد بالانفجار..

لا بد َّ أنك رأيتني، عندما رددت على المكالمة الهاتفية في النقال، بعدما دخلت بيتكم.. كانت زوجتي.. أخبرتني أن الأطباء قالوا أن ابننا "خرج" من تحت الخطر..وأنه تكلَّم معها..

 كان يتكلَّم من قلب مملوء بالألم والغضب المقهور.. أما نحن، الأطفال وأنا وزوجتي،.. فكنّا نستمع إليه بذهول.. "هذه المكالمة أنقذت حياتك وحياتي!"

أكمل وهو يتنهد بصوت يدلُّ على أنه أزاح حملًا ثقيلًا عن كاهله.. وضع (الفرد) على طاولة كانت بجانبه وقال: "خذ هذا (الفرد)، وافعل به ما تشاء..  فأنا لست بحاجة إليه الآن!".

وخرج!

(عرعرة)

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب