news-details
ثقافة

الشيخ خلف والمَدَد.!

عن حسين بن محمد الياموني، عن عمِّه سالم الجزماوي قال:

بينما كنت أطوف في أسواق عكا، وإذا برجل يرتدي ملابسًا بيضاء، يغطي رأسه ووجهه لثام أسود، لا تطلُّ منه إلا عينان تغوصان في ثقبين عمقين..

كان يصيح بصوت رفيع عال، يخترق أجواء السوق، ويتعالى فوق ضجيج الباعة والمشترين:

"مَدَد.! مَدَد مَدَد يا أهل البلد.! مَدَد يا مؤمنين.!

وبعد كل ِّ شطرة من هذا القول كان يكمل:

"جايين.. جايين..! أعدّوا لهم.! أعدّوا لهم..!

جراد..! جراد..!

ان لم تعدّوا.. سوف يمحون الأخضر واليابس.. سيخربون زرعكم وضرعكم.. ويستولون على أرضكم..! ".

مَدَد.! مَدَد يا أهل البلد.!.. مَدَد.!

سألت عنه، فقيل لي أنه رجل من صبّارين، أصابه مسٌّ من الجنون. يأتي في كلِّ يوم الى السوق، ويطوف فيه  ساعة، وهو يصيح في أزقته بكلمات لا يفهمها أحد..

وعن سعيد بن محمود بن أحمد الفارس قال: أنه رآه يطوف في طرقات ومزارع الكويكات وهو يصيح:

مَدَد.!.. مَدَد.! يا أهل البلد.!

وصادفوه يطير في سماء: إجزم  وصبّارين والغابسيه والكفرين وأم الزينات..

ويقول سلامي عن أبيه صالح، الذي سمعها من أبيه عبد الله.. أنه سمع من أخيه محمد الخلف الكفريني:

أن أخيه الشيخ خلف، قد زاد عنده الجنون، وصار يشكو من أنه ينبِّه ويحذّر الناس من خطر قادم، ولا يسمعه أحد.!

وأنه قرَّر أن يهاجر الى بلاد، يجد فيها آذانًا تصغي إليه وتسمعه..

  أما قصة طيرانه ووصوله الى عرعرة.. فانقسم الناس أشتاتًا، ما بين مصدِّق ومكذِّب.. مصدِّق لجزء منها، ومكذِّب لجزء آخر..

ويقول خضر اليوسف أنه سمع من أبيه رواية، سمعها من أبيه توفيق الحمدان:

أنه مرَّ على الشيخ خلف، وهو يربط على وسطه جناحين مصنوعان من فروع الأشجار والريش..

فقلت في نفسي، والشفقة تسري في شراييني:

" إن الجنون قد استولى على الرجل..!".

سألته باستغراب وشفقة: ماذا تفعل بنفسك.!؟

فقال بلهجة من عافت نفسه من كلّ من حوله، وليس لديه وقت يضيِّعه على الكلام معهم " سأطير وأترككم.!

لماذا.!؟ سألته راجيًا أن يجيبني..

فأجاب بفارغ صبر:

سأبحث عن بلاد، يستمع أهلها الى تحذيراتي.!

فتركته وأنا أقول: " عليه العوض ومنه العوض.! ".

ويقول ناجي العلّي الفحماوي عن عمه سالم عن أبيه عبد الرحمن الزيناتي:

" بينما كنّا نحصد غلتنا في أراضي الروحة، وإذا بالحصادين والغمّارات يتنادون، وهم يرفعون أنظارهم الى ذلك الطائر الغريب الضخم، الذي يطير فوقهم في السماء.. فلما تحققوا من أنه مسالم لا يؤذ أحدًا، صاروا يصيحون، وهم يرفعون أيديهم الى السماء و ينادون: 

"هدّي يا مبارك.!.. هدّي يا مبارك هدّي.!"

توقف عبد الرحمن الزيناتي عن الكلام، أشعل سيجارة  "وأخذ" منها نفسًا أدخله الى أعماق جوفه وأبقاه هناك، ثم توجه بنظره الى السماء، وبدأ يكمل  حكايته، كأنها شريط سينمائي يمرُّ أمام عينيه: 

" لقد رأيته بهاتين العينين اللتان " سيأكلهما " الدّود، وهو يبتعد عنّا حتى اختفى عن أنظارنا.!".

وانتشرت أخباره في كلِّ البلاد..

واستمر الشيخ خلف بالطيران فوق قرى الروحة..

فظهر في سماء: السنديانة  وقيرة و أبو شوشة وأم الشوف وبريكه واللجون..

كان سكان هذه القرى يقفون مشدوهين.. عيونهم وأيديهم متوجهة الى السماء.. حناجرهم تنطلق بالرجاء والدعاء:

" هدّي يا مبارك.. هدّي.. هدّي يا مبارك هدِّي.! " 

كلّ بلد أرادت، ان يحطّ فيها هذا الرجل المبارك.. آمن الكثير منهم أن طيرانه هي معجزة من السماء.!

ولكنه تابع طيرانه..

 عن لطفي خليل السندياني عن أبيه نواف أن أباه حدّثه:

" أنه بينما كنت أرِد غنمي على عين "مكر أم الغزلان".. وإذا بمخلوق كبير، لا هو طير يُعرف  ولا هو إنسان يُعرف، يحطُّ بجانب "المكر".. فلما رأيته يتقدَّم من الماء، " أخذت " رجلاي وهربت محاولًا إنقاذ جلدي..

"ألطيت" وراء صخرة، أراقب ما الذي سيفعله هذا المخلوق العجيب.. 

انبطح وغبَّ من ماء "المكر".. ومن ثمَّ " شلح "’  جناحيه توضأ من ميَّة المكر وصلّى.. ولما انتهى، لبس جناحيه وطار مبتعدًا عني.!".

  رجعت الى عنزاتي، التي كانت متجمّدة في مكانها، متوقفة عن الشرب والاجترار.. فسقتها أمامي، ودوّام  مجنون يضج في رأسي..

هبوط الشيخ خلف في عرعرة  له روايات.. يكاد تعدادها يساوي عداد سكنها الذي جمعهم الانجليز - الرجال في ساحة العين، والنساء في المسجد.. لم يبقوا  في البيوت إلا الأطفال..

كانوا يبحثون عن الثوار، الذين بعد أن ضربوهم ضربة موجعة، نزلوا وتفرقوا في بيوت البلد..

يقول خضر المسعود عن أبيه أنه سمع جدّه يقول:

بينما كنا واقفين في ساحة العين، " يقتلنا" الخوف والجوع والعطش، بعد ساعات من الوقوف،  تحت أشعة الشمس المحرقة وتعذيب جنود الانجليز لنا.. يُعمِلون فينا الهراوات، ويجبرونا على المشيِّ على شوك ألواح الصبر..

وإذا بطائر كبير يحطُّ بيننا.. وهو يصيح بصوت كأنه الرعد:

 "مَدَد مَدَد.!.. مَدَد يا ناس مَدَد.! مَدَد.. مَدَد يا أهل البلد.! "

 كان إنسانًا له جناحان، فتجمّدنا في أمكنتنا..

أصابتنا صدمة يختلط فيها.. الرعب والدهشة والانبهار..

مرّت دقائق كثيرة حتى أفقنا من صدمتنا..

صالح أسعد الصندحاوي: والله إنّي رأيت هذا المخلوق، يطير فوقي في سماء الروحة.!

بحثنا عن جنود الانجليز فلم نجدهم.. لقد فرّوا هاربين، بعد أن شاهدوا هذا المخلوق العجيب، ينزل من السماء !.

فأسرعت لأنضم الى جمهور الرجال،الذين كانوا يحيطون بالرجل، الذي كان قد: شلح  جناحيه..

كانوا كلهم يصرخون كأنَّهم حنجرة واحدة:

 " أهلًا يا مبارك أهلًا.! أهلًا يا مبارك أهلًا.! ".

وعاش الشيخ خَلَف في بلدنا سنوات عديدة.. معزَّزًا مكرَّمًا..

يساند الثوار، والبقاء في الأرض.. وعدم الرحيل منها.. وله الفضل الكبير في بقاء أهل البلد في وطنهم.

الى أن مات.. 

فبنى له أهل البلد مقامًا، في المقبرة الواقعة في أعلى سفح جبل الخطاف، التي تقع عليه القرية.. وما زال صامدًا في مكانه حتى اليوم.. 

 ما زال يصرخ بأعلى صوته.. من داخل قبره: 

" مَدَد.! مَدَد يا أهل البلد.! مَدَد.! مَدَد.!.

أعدّوا لهم.. إنهم قادمون..      

(عرعرة)       

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب