على السرير المعلق، كان جسده المنكمش متاحا.. للأسلاك والأنابيب الموصولة
بصناديق معلقة على الجدران، أو مدلاة من السقف كمصابيح فاضحة، تشرف على
تقلباته الأخيرة، وتنتظر انقلابا في عافيته التي أكل منها الدهر وشرب دمها حتى الثمالة.
تنتظر إشارة التوقف بفارغ صبر..فهل وصلنا إلى زمن، هزم شغفُ النهايات فيه،
شغفَ البدايات؟
عجوز عاجز، وإن كان سبيعينيا لم يتعدَ أوج الشيخوخة بعد، قد هزمه الهرم مؤخرا
فكسا بياض الأكفان رأسه، وهرم كما لم يهرم، كما لم يهزم من قبل..صار حقل تجارب
لمباضع الجرّاحين الجارحين، ولسمّاعات طلبة الطب المبتدئين..
لم يصبه هذا الهزال سوى في العقد الأخير، حينما اشتدت سيوف جلاده ضراوة وحنكة،
فتسللت إلى أيدي أبنائه مصقولة بما يكفي، غمزت شهيتهم ببريق الوهم بالقوة، فغرزوهاوهم يترنحون ما بين العبث والقمع، في صدور أحبّائهم..وهربوا من حريق الدم المتدفق على أرضهم، الملطخ سمائهم ونجومهم ويومهم وغدهم بالعار . هربوا بانتظار
الجريمة القريبة القادمة على عجالة..
أهذا ما وصلت إليه "يا عود الندّ، يا أغلى من روحي عندي"؟
نام العجوز، مرهونة حياته بتلك الشرايين المتدفقة حوله، ممتدة من قلبه المصاب، ومن ذراعيه المشلولتين، ومن رأسه المصدوع، ومن قدميه الحافيتين، نحو أجهزة تحاصره، ولا تتوقف عن الصفير، صفيرها الكفيل بإعدام قبيلة من بني الفيل..
وعندما سيغيب الأمل من الشفاء، سيهتف بعض الأطباء المنتظرين النهاية بفارغ
صبر: نحن على مشارف النهاية، فلتنزع الأجهزة، ولنساعد المسكين على الوصول
سريعا للنهاية وبأقل ضرر ممكن، فلنقدم له كل ما بوسعنا لينتهي، إنها الراحة..تنتظرنا..
هل كان هذا النزيف، نزيفنا، نزيفك مؤشرا كافيا لنزع أجهزة الحياة، أو وهم الحياة،
عن جسدك الذي لم يبرد بعد؟
أم هي ذريعة أخرى لتملص أخر غيمة أمل؟، دعوها تتراقص قليلا فوق جثة لم تؤكد
رحيل الروح منها بعد،فلعلها برذاذة توقظ أصابع الندم، وتحرك أصابع اللاءات فتنهض من جديد..
وينتفض هذا العود النديّ، مزلزلا الأرض بلاءاته العالية، فينتزع تلك الأجهزة
المستطيلة المضاءة في أكف الصغار، كإصبع سادس..
لا تنزعوا أجهزتكم عن رئتيّ، فما زال بمقدوري أن لا أنتهي،أكلما هربت من الموت
اقتحمني؟ سألت الجثة وهي تلمح سيوف أبنائها مدلاة حول خصورهم، ينحرون بها
بعضهم، فتصيب الدماء المسفوكة أصابعهم يمسحونها بهدوء ويرددون: باردة..
ويمضون لينحرهم وينخرهم آخرون...
يكدسون السيوف والذهب على موائد أطفالهم، يأخذهم العمر وهم يكدسون ويمسحون
رذاذ الدم، ليمضوا جثثا يكسوها غبار العار والهزيمة، وتلتهمها ديدان الهم، وردّة
الثأر القديم الذى عاد يتوالد فينا بعد ألاف من سنين مضت منذ نبذناه ..
إنزعوا بنادقكم عن أفواهكم، إنكم تنتحرون،إنزعوا خناجركم عن دروب أبنائنا..
وازرعوا في أكفهم البضّة ياسمينا ونايات، وبلابل وأغنيات ..
أرسموا على باطن الغيمة اليتيمة مطرا، لعله يصدق ريشتكم الصادقة، فينهمر بردا
وسلاما على أرواحنا الجافة يرويها، وعلى حرائقنا يمحوها،لعله يطفىء ما أشعلته
بالعبث أيدينا، لعله ينقذ ما تبقى من أصابعنا قبل أن يلتهمها حريقنا..
"يا شعبي يا عود الندّ" أما كفاك أما كفاك تقضم أصابعك بأسنانك، فلا تجدها حين تحلم أن تزرع زيتونة أو قمحة من جديد؟
"يا شعبي يا عود الندّ"
أما كفاك تحطم أقلامك بأناملك، فلا تجد أناملك ما تحتضنه وتستند إليه يوم تحلم أن تخط تاريخك للآتين؟
"يا شعبي يا عود الندّ"
أما كفاك تبيع قطعا من كبدك لشانقيك، الذين مزقوا ثوبك وانتزعوه عن عوراتك ليستروا به عوراتهم،فلا تجد من يسكب القهوة السادة حين تحلم أن يكون يوم عزائك لائقا
بمكانتك؟
"يا شعبي يا عود الندّ، يا أغلى من روحي عندي "ألا يكفيك صراع الروح مع الجسد؟
ألا يقتلك تفتت الجسد، جسدك وغياب قطعه الحميمة في وحل العدم؟ لماذا تعبث يا شعبي بروحك، روحي، يا أغلى من روحي عندي؟
إنزع يا شعبي أجهزتك الجاهزة المستوردة التي لا تشبه عطر ياسمينك ولا زعترك ولا تساوي ذهب قمحك العالي الغالي..
إنزع يا شعبي أجهزة الشاشات التي أدمنتها أكف صغارنا، كي لا تواصل الأكف
الغضة احتراقا وحرقا..
إنزع يا شعبي أجهزة القتل من حقول قمحنا، ومن مآقي أمهاتنا، من ألعاب أطفالنا، من
أغاني شباببنا، من إعلاناتنا، ونكاتنا وحكاياتنا الطويلة..
إنزع يا شعبي أجهزة المخابرات من كريات دمك البيضاء، فقد توهمت بأنها تمد جسدك بال ناعة..فنمت وصارت شوكة، فتعملقت وصارت غابة شوك، وتعربشت سهام الشوك تكسر الفرح في عيوننا، وتعملقت السهام فصارت سيوفا نقطع بها أيدينا بأيدينا..
وتعملقت السيوف فتزاوجت وحبلت وأنجبت بنادق يداس زنادها بسهولة كما يداس مفتاح مذياع يبث الأغاني للفرح..
لكنه لا يبث كالمذياع أغان للفرح، لا ولا المذياع عاد يبثها لم يعد في جعبة المذيعين
أخبار قديمة ..صار مفتاح المذياع كزناد البندقية، ما إن تحركه حتى يتلطخ يومك بالدم..
تصدح الأصوات الناشزة أناشيدا للموت،ونحن نشدّ بالتصفيق بصمتنا اللامبالي،
ولامبالتنا الصامتة..
يا شعبي يا ندُّ، أين اندثر الودّ؟
وهل أفسد اختلاف الرأي قضيته؟
أم هل قُتل الود،فصرنا نخوّن ونكّفر ونهمّش ونشوّه بعضنا كشربة ماء؟
وأين ابتلعت القضية؟
أفسدْنا الودّ فوأدنا القضية، وتمزقنا أشلاء تجرح أشلاء...
يا شعبي يا عود الندّ، يا أغلى من روحي عندي، لماذا خنت عهدي؟
لماذا استبحت عهدنا؟
قم، فما زال فيك رمق من آثار حب قديم، وما زلت ألمح طيف أمل بالنجاة، فتشبث معي بالمجاديف التي لا دم يلطخها ولا غبار..
قم وانزع جهاز حياتك الذي أفسده الدهر والقهر، لعلنا أنت وأنا، ننبثق من العبث
المخيف، ونخترق العدم ..
عنقاء كلما ظننا زوالها، انتفضت من الرماد وبدأت عظيمة محلقة من جديد..
يا شعبي، يا بقية روحي، قم كالعنقاء وامضِ بنا فوق حطام السيوف والبنادق..وتحرر
من الطائفية والقبلية وكل أشكال الفئوية البغيضة..تحرر من الهزيمة والشعور الدائم
بالهزيمة، تحرر من كل ما يحتل الأماكن الجميلة فيك..
يا شعبي إنزع من بين أصابع أكبادك ما غرسه قاتلك..
أنا لن أبيعك في محنتك، فلا تبعني وأنت الآن محنتي..
قمر أنت يا شعبي...
وقمر يطلع من عتمتك، قمر .. فقم واستضىء به ..
(شفاعمرو)







.png)


.jpeg)


.png)

