كانت ترقب ما يفعل؛ ما أن يعجبه فنجانًا ما، حتى يدفنه شيئًا فشيئًا، عميقًا في إحدى خزانات المطبخ. فيعتادون عدم رؤية هذا الفنجان، الذي سيأخذه على غفلة منهم إلى منزله. ونفس الفعلة المشينة مع ملعقة أحبّ قوامها المنفرد. لم يكن ألفريدو جان فالجان.. من سرق الخبز لأخته وأطفالها الذين يتضوّرون جوعًا، وأطلق سراحه بعد أن أمضى تسعة عشر عامًا وراء القضبان. هو يسرق ما يعجبه من أشياء قد لا تخدم أحدًا؛ ولم تكن هي الأُسقف ميريل لتتغاضى عن سرقة ألفريدو، كما تغاضى الأسقف عن سرقة جان فالجان لشمعدانين فضيين، وأعطاه بقية الأواني الفضية ليبدأ حياة نظيفة ونزيهة. لا يوجد في بيتها غرض يساوي ثمنه تلك الثروة الكبيرة. يحوم حول كتاب جديد كما يعتقد، لكنه ليس كذلك، منذ وقت وهو بحوزتها في خزانة غرفتها، يتعرقل بشراشيب السجادة، وتهتز المزهرية على الطاولة خلفه، تسقط وتنكسر، ويبدأ بالصراخ ويتفوه بكلمات غير مترابطة، وما تفهمه أن هذه المزهرية الثمينة ليست أغلى من دم الشهداء. تعلّق بهدوء "انكسر الشر"، ثم تسخر منه "ألفريدو الأحمق! هذه المزهرية تبدو ثمينة، لكنها ليست بذلك الثمن الذي تعتقد".
يسرد لها قصّته سريعًا مع إحدى سيّدات المجتمع، والتي كان له نصيب في تنظيف بيتها العفن، "هي زوجة مالك كبير". بعد أن كسر مزهرية ثمينة، وبّخته قائلة "هذه المزهرية بتسواك وبتسوى أهلك"، يشرح لها كم شعر بالحنق والمذلّة، "كل تلك العجرفة يا ليتك ترين القذارة في أفرانها وثلاجاتها"، تحاول التخفيف عنه "هذه المرأة لا تمثل إلا نفسها". يضيف لها "بالمناسبة كان تأتي لزيارة العجوز اللبنانية هنا، جلسات من التباهي لم تكن لتنتهي". تبتسم، "وما شأننا نحن؟". تدعوه ليسير خلفها، وتشير إلى كل غرض بالبيت وثمنه، ليفهم أن معظم ما في البيت ليس بالثمن الذي يعتقد، لكنها مهارة مهندس الديكور، إلا تلك اللوحة الزيتية؛ شاب، وشابة ينظرون إلى قارب يعبر بحر حيفا، هذه اللوحة أصلية وثمينة. والشيء الآخر كانت أرضية البيت الرخامية، هي بسعر بيت، يبدو صاحب الشقة الأصلي ذا ذوق رخيم. تبتسم له وتخبره عن معلوماتها حول تخصّصه للأدب العربي وتقديره لصنف النبيذ الفاخر. "يبدو أن ذاك الرجل يحبّ السير على رخام اللغة العربية، ويحب حيفا بطريقته الخاصة"، لكنها تضيف له، أنهم لم يدفعوا ثمن الرخام ولا اللوحة الأصلية. لم يكن أحد ليدفع ثمنهم، مما أضطُر صاحب البيت للبيع بثمن أقل في ذلك الوقت. "ولكنها العجوز أوهمتك بقيمة الأشياء كي تحافظ عليها"، تُفهمه،"فأنت تمتلك يدًا كسورة".
(من قصة "ألفريدو روج")
***
زهرة تبصر وجه علي يقترب من بين الأطفال. تلتفت نحوه، وتقشر نفسها عن جدار المدرسة وما عليه من شعارات ورسومات. يلوّح لها بالزنبقة البيضاء، تتسع ابتسامته، وتنغمس غمازته في خده الأيسر أعمق من أي وقتٍ مضى. للحظة، تنسى الزنين والطنين والفوضى، تطمئنّ لقدوم العم علي إليها، يناديها من بعيد:
- "زهرة إنها زهرتك، إنه عيد الأم!"
الطيار ذو اللكنة الفرنسية يبقي إبهامه فوق الزر أعلى عصا التحكم، ويداعبه للحظة، فجأة أصبح الهدف واضحًا. يتبعثر الأطفال المحيطون بحامل الزهرة، لا يتردد، الصورة على الشاشة تسقط على الرصيف.
كل شيء في جزء من الثانية، زهرة تُنفخ إلى الوراء بانفجار من الهواء الساخن. فكرتها الأولى أنها ارتطمت بدراجة نارية، للحظة لا ترى إلا الدخان. ما أن ترفع رأسها، تدرك أنها ليست أبخرة عوادم. ينقشع الدخان، بتلاتٌ بيضاء مبعثرة تظهر على جانب الرصيف، لقد فُضَّ بوق زنبقتها؛ بقع حمراء بين كل البياض، ليست مسطحة، لكنها قطع، كتل، خيوط وسيقان حمراء. يختفي صوت الزنين، تنظر إلى السماء، الطيور تهجّ بهدوء. شيء في صمتهم يجعلها تيبس كالجبصين، لا تشعر بقدميها. إنهما باردتان.
يرفع إبهامه عن الزر. لا يتصبب عرقًا بعد الآن، لا لسعة في عينيه، يوجه المسيّرة إلى الشمال، وينظر للساعة بيده اليسرى، ملاحظاتنان تنبيهيتان: "إحضار جودي من المدرسة. عيد الأم".
(من قصة "الزنابق البيضاء")
***
تتمتع بقامة رصينة، مشدودة الساقين، محبّة للرقص، تجيده بثبات فرس تعلم كيف تقف على ساقيها. وأخذت تعلّم النساء فنّ الرقص في الغرف المغلقة عندما تنبعث أصوات التراويح من المسجد. كنّ النساء يدمجن بين صلاتهنّ ورقصهنّ، كنّ قدّيسات وعاهرات، كنّ ذلك التناقض الذي يشدّ الحياة إلى كونها حياة. كانت الحرب من أجل بيع الأسلحة، وكان الرقص من أجل تعليب الحزن في فرحٍ جديد. كنّ يتوافدن واحدةً تلو الأخرى، خائفات من سطوة سلطة دينية ترفض الاهتزازات في قلوبهنّ على ارتجاجات الموسيقا.
(من قصة "كيف تستعيد النساء أجسادهنّ بعد الحرب")



.png)

.png)






.png)
