الفن وسيلة تعبيرية ذات وظيفة جمالية ودلالية اجتماعية أخلاقية وسياسية منذ فجر الخليقة، حيث كان السحر ترجمانا عن الذات الخائفة أمام الظواهر الغيبية المرعبة، ثم كانت المناجاة في الطقوس الأكثر قدما ووثنية في ابتهال المخلوقات الضعيفة أمام جبروت الآلهة.
يمكن ملاحظة حقيقة كبيرة هي أن العقل في اللاوعي كان يحاول بأظافر طفيلية أن يخدش السور النحاسي للغيب ليرى ما وراء سطحه الظاهر، باحثًا بدافع الخوف أو التطفل عن سر الوجود والصيرورة لكي يخرج نفسه من متاهة العدم.
وعلى مر الزمن بدأت تتغير طرائق التعبير عن الذات وتطورت التساؤلات والابتهالات عبر العصور. فكان على السحر والمناجاة والابتهالات ان تخلي مكانها شيئًا فشيئًا لأدوات تعبيرية أسمى وهما المسرح والشعر، وفي نفس الوقت اندمج كلاهما وعرف رويدًا رويدًا شكل جديد من المسرح وهو المسرح الغنائي.
ومع تطور الوعي تطورت الوسيلة ولم يعد الفنان يكتفي بالتساؤل الخائف المموه عن سر الوجود. بل صار يسعى، "ولكل فنان طريقته الخاصة "للنفاذ إلى ذلك التركيب القادم بين الوجود والصيرورة، أي النفاذ إلى المصدر والغاية ومحاولة الوصول من أجل رسم التشكيلات وآفاق المستقبل للواقع الانساني.
أصبح لكل فنان طموحه الانساني إلى تحقيق الجمال والكمال والتناسق ولم يعد ذلك الشاعر الذي يتلقى الوحي من شيطانه. ولا مجرد مجنون يهذي بأبيات من احلام اليقظة استقر الآن في الأذهان بأن للفن قضية وغاية.
كل هذه المقدمة من باب فتح الباب أمام الدخول إلى هذه اللوحة الفنية الخالدة، مسرحية صح النوم للأخوين رحباني والملكة فيروز. صح النوم عشت معها وتعيش معي منذ أكثر من أربعة عقود خلت. وفي كل يوم يمتد التلاحم والتفاعل والمد العاطفي والفكري ليس فقط من خلال صوت الملكة فيروز "غذاء الروح"، ولكن أيضًا من خلال الطرح الفكري والبعد الزماني والمكاني المتواصل لهذه اللوحة الفنية لما تحمله من أبعاد روحية وفكرية سياسية واجتماعية.
وهي بالطرح العام تعالج قضية الجرح اللبناني والعربي الذي كان وما زال ينزف داميًا لم يأت أوان تضميده وشفائه كما يجب، ويجعلنا نقف شامخين في مواجهة نوائب الزمن والأيام.
إذًا صح النوم حكاية الواقع العربي بكل اسقاطاته واحباطاته، وتتلخص هذه الحكاية "الحبكة المسرحية" الرائعة في ان واليًا ما هناك في أي بقعة بهذا الوطن من صحراء نجد وحتى أعالي جبل لبنان وامتدادا إلى الحدود السورية التركية، هذا الوالي عاشق النوم الأزلي ومدمن لعقاقير الهلوسة السياسية والأخلاقية يعيش بعزلته القسرية بعيدًا عن هموم شعبه ووطنه ولا يصحى الا مرة واحدة بالشهر عندما يكتمل القمر بدرا !!
ومن خلال الطرح الساتيري الهزلي المتمكن استطاع المخرج والممثلون والموسيقى والصوت الفيروزي أن يبينوا عمق ومدلول المغزى من وراء هذا العمل، الاهمال وتراكم النواقص ودوامة استمرارية الوهن العام والضياع المزمن في تأخر الوطن ككل وعدم مواكبته للنهضة العالمية وعدم ايجاد الحلول لحل مشاكله وأزماته المتراكمة.
نام يا والينا نام
لأذبحلك طير الحمام
روح يا حمام
لا تصدق بضحك عا الوالي تينام
يا بياع العنب والعنابية
قولي لامي وقولي لبيي
سرقونا الغجر
من تحت خيمة مزهرية...
هذه هي مهزلة الصحوة والنوم كل ذلك على ايقاع ألحان الرحابنة المميز وسحر صوت وأداء الملكة فيروز. طبعًا بالإضافة الى الكادر الفني المميز لعمالقة الفن اللبناني والعربي أمثال انطوان كرباح ونصري شمس الدين وغيرهم.
وما رسمه الرحابنة من خيوط للواقع العربي ما زال ينهش بالواقع اللبناني والعربي حتى يومنا هذا.
انتهازية الحكام والعزلة بينهم وبين شعوبهم والاستغلال الشخصي والأناني لمقدرات هذه الشعوب وما تعاني منه من ذل ومهانة حصة الانسان العربي من هذا الوطن مسلوب الإرادة، وما يحدث في لبنان حاليًا هو أكبر تفسير لهذا التراكم والاهمال المأساوي.
مين ما كان بيتمرجل علينا
من مكان بيتنمرد علينا
بدنا نعرف شو سوينا
ولا مرة احتجينا
اوه اوه يا حسرة علينا
وهذه هي في محصلة الأمر حالة الواقع العربي، استخدام الشعب مطية من أجل تحقيق رغبات وأهواء الزمرة الحاكمة، وبالأساس يتطرق العمل إلى القضية الفلسطينية وإهمال ساسة هذه الدول العمل الجاد من أجل حل القضية الفلسطينية حلا عادلا وهذا ظهر من خلال تصريح قرنفل بأنّ سطح بيتها سقط وتريد ختم الوالي لكي تعيد بناء هذا السطح. وطبعًا حوارية قرنفل وشاكر الكندرجي وكيف انه لا يعامل الناس بالعدل بل حسب مزاجه وحسب وضع الانسان الطبقي والبرجوازي.
كل هذه المواقف المسرحية ترسم لوحة هزلية مأساوية لواقع الحال اللبناني والعربي.
وذروة الساتيرا الموجعة والرمزية المباشرة بهذا العمل هو مشهد الاحتفالية لصحوة الوالي...
_ يا عمي ما توعوه
_ خلص تحكي يا قرنفل
_ لشو اخترعوا الحكي مش تنحكي
المجموعة _ يا قمر يا قمر
ضوي ضوي عالشجر
يا شجر لوح لوح للقمر...
مهما حاولنا الكتابة ورسم حيثيات هذه الهامة الفنية الشامخة لا تكتمل الصورة الحقيقة الأصيلة لهذا العمل الرائع، فقط عن طريق الاصغاء والاندماج الذاتي مع الحدث الدرامي ممكن أن نصل خلفية وحقيقة ما تريد إيصاله هذه اللوحة الفنية الخالدة. مجرد لفت نظر إلى أبناء شعوبنا في كل بقعة في هذا الوطن من اجل اعادة قراءة وتخليد هذه الأيقونات الفنية الخالدة من الاعتبار وحمل الزاد المناسب لمواجهة التحديات التي فرضت علينا، والوعي الفكري هو الأصل والأساس لتغير الواقع واستبداله بواقع يواكب العصر ويرقى إلى مستوى التحديات.
لا يسعنا إلا نشكر الرحابنة والملكة فيروز على هذا الابداع الخلاق وسيبقى هذا التراث الاصيل خالدًا ومتجذرًا لكل الشرفاء والأحرار في عالمنا العربي والعالم ...



.png)

.png)






.png)
