news-details
ثقافة

عالم "العَمَى"

هل عالم العَمَى هو عالمنا، عندما رحنا نتعرّى تباعا من زيّ الحضارة بمعناها الإيجابي والبنّاء؟!!!

سؤال مصيري اضطرّني العودة الى الرّوائي البرتغاليّ المعروف ساراماغو وروايته المتميّزة والاستثنائيّة "العمى"...

ففي عالم “العمى” تفقد الكلمات معناها الحقيقي والقيم جدواها، ويفغد التفكير أيضا أهميّته، ويتساوى الحقّ والباطل والخير والشرّ...

نقرأ في هذا الصَّدد ما تقوله زوجة الطّبيب مخاطبةً اصدقاءَها العُميان في الرّواية: "لقد انحدرنا حتّى بلغنا الدَّرك الأسفل من الذّل والهوان، حتّى وصلنا الى درجة الانحطاط التَّام"... ثمّ تستدرك: "إنّ أيّ انحطاط مهما كانت درجته أو تفاهتهُ هو بسببنا نحن، لا بسبب انحطاط الآخرين... وهذا ما جعلنا جميعا متساوين في ما يتعلّق بالخير والشرّ...

ولكي تُبيّن أنّ عالم العمى هو عالم اختلال المفاهيم وانقلاب القيم، ومن الصَّعب فيه أنّ نميّز بين الخير والشرّ، تضيف: “من فضلكم لا تسألوني ما هو الخير؟ وما هو الشرّ؟ فهما ببساطة طريقتان من طرائق فهمنا لماهيّة علاقاتنا بالآخرين. اذا، كلّ شيء يفقد قيمته، مفهومه ومعناه، حتى إذا كان ثمينا، لأنّ الانسان في هذا العالم، بات همّهُ الوحيد ليس أن يعيش في رغد ورفاهيّة، بل أن يجد على الأقلّ لقمة تسدّ رمقهُ، وتبقيه على قيد الحياة...

لذلك ترك ساراماغو أبطال روايته لا أسماء لهم، الأعمى الأول، زوجته، الطبيب، الفتاة ذات النظَّارة السوداء، اللّص والطفل الأحول... أيضا ترك المكان الذي جرت فيه أحداث الرواية مجهولا، والزّمن هو الآخر غير معلوم...

لماذا؟ ربّما لأنّه أراد في المحصّلة أن تنطبق الرواية على كل زمان ومكان... ولا يخفى على القارئ الرّائي أنّ مؤلفنا أراد أن يحذّرنا من أنّ البشريّة إذا استمرت في طريق الغِيّ هذا سيكون العمى مصيرنا...

وهذا ما نراه في هذا الزّمن، فبعد انتقال عدوى العمى الى الجميع تنقّلهم السُّلطة الى الحجر الصحّي تضامنا مع بقية المواطنين، وفي هذا تنصّلها من مسؤولياتها وراء قناع العزف على وتر المشاعر الوطنيّة ودغدغة عواطف الجماهير...

وهنا، تبرز شخصيّة زوجة الطبيب وهي النّاجي الوحيد من العمى، حيث يجعلها المؤلّف بمثابة رمز الى الرحمة في وسط قاس في عالم لا يعرف الشفقة، فتسعى بكلّ ما أوتيت من القوّة الى تخليص "رفاقها العميان" من هذه المعاناة، لكونها ترى الرّعب وتعايشه في آن... وهو العنصر الذي لم يتحقّق لها، حيث سُبقي ساراماغو نهاية روايته مفتوحة على كلّ الاحتمالات، وكأنّه يريد أن يقول لنا: "أنّ خلاص البشريّة مؤجّل الى حين... وهي المأساة التي يلخصها في قول إحدى الشخصيّات: "لا أعتقد أننا صرنا عميانا.. أعتقد أننا عميان لكننا نرى... عميان يوسعهم أن يروا لكنهم لا يرون"...

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب