عندما يرحل الكبار| د. فؤاد خطيب

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

 عندما يرحل الكبار من بيننا يأخذ رحيلهم دائما قسطًا من قلوبنا معه إلى أبديته البيضاء ويترك لنا قسطًا وافرًا من تراثه وأعماله الخالدة. هكذا عندما رحل ناصر وعندما رحل درويش ونزار وعندما رحل عبد الحليم ورحلت أم كلثوم. وهذا ما يحصل الآن معنا عندما رحل صباح فخري عظيم الغناء والموسيقى العربية في كل العصور وكيف لا وقد شاهد قبس شمسه الأول في حلب بلد القدود الحلبية حقيقةً ووفق رأي كل الموسيقيين العرب الكبار في كل العصور.

 هذا ليس غريبًا إذا تذكرنا أن أول نوته موسيقية عرفتها البشرية قبل أكثر من 10000 عام وجدت محفورة على لوح حجري في أثار مدينة "أوغاريت" وهي من أقدم الحضارات على الأرض ومن أعمال حلب القريبة جدًا منها. منها نبعت القدود الحلبية على شكل دعاءات دينية بالأساس ثم تطورت إلى كل أفرع النشاط البشري الحضاري. من تلك القدود الخالدة نبعت كل بحور وصور الغناء العربي التي انتقلت إلى دمشق وبغداد ثم إلى الأندلس فكانت موشحات اختلفت في موسيقاها وكلماتها لكنها حافظت على أصولها الحلبية الدمشقية. بعدها وصلت إلى القاهرة وعبده الحمولي وسيد درويش ثم إلى عبد الوهاب الذي طور وحدث الغناء العربي كما نعرفه اليوم.

عندما تسمع القدود الحلبية الأصيلة التي يغنيها صباح فخري لا بدّ أن تخشع وكأنك في خلوة مسجد أو رحاب كنيسة حيث النوتات الخالدة قريبة من السماء الخالدة. من العربي القح الذي لا يطرب عند سماعه يغني عن الهجر والحب والعشق وعن الطير الذي على الشجر أو السمك الذي في النهر أو البحر وعن زهور الياسمين التي امتزجت بخمرة الحياة والعشق العظيم بثراته ووجوده ورجاله ونسائه.

كان صباح فخري وسيبقى أحد أعمدة هذا التراث الغني القديم. من جمال غنائه تراه أحيانا في ساعة فرح أو طرب منسكبا كالراح صهباء في كؤوس من أثير. من لا يطرب عندما يسمع "صيد العصاري يا سمك بني" أو "يا رب يا عالي ارحم عبدك" أو "يا ماريا يا مسوسحة القبطان والبحرية" أو " يا مال الشام يلا يا مالي"، أو قل للمليحة في الخمار الأسود ماذا فعلت بناسك متعبد"، أو "يا مسعد الصبحية مع مطلع الفجرية"، وغيرها الالاف من القدود والمواويل الحلبية الجميلة، الفن الخالد والباقي إلى الأبد.

عندما زرت قصر الحمراء في غرناطة أول مرة كأنني رأيته هناك في ساحة السباع والنوافير الجميلة والدفوف والعيدان والدنان وحوله الحسان ترقص ورائحة الياسمين والنارنج تتطاير مع قطرات الماء الرطبة بأنغامه الخالدة الباقية ما بقي العرب وما بقيت اللغة العربية الأصلية. صباح فخري كان من المجد وإلى المجد يعود كل يوم في كل جلسة طرب عربي أنيسة ووطنية في ديار العرب وقلوبهم.

لا نقول وداعًا لهذا الرجل الكبير بل إلى لقاء على شاطئ البحر أو في أعماق الغابة أو مقهى بعيد عن العيون للعشاق وصوته يردح والكأس تملأه مدام الوجود وخمرة الخلود وملح البيت وخبز وزيت الدار ورائحة الياسمين والتين والصبار.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين