عودة الحلاج في مسرحية ليلة الحلاج الأخيرة | د. جهينة عمر الخطيب

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

مسرحية ليلة الحلاج الأخيرة تأليف وإخراج المخرج طارق السيد وتمثيل الفنانين المقدسيين الرائعين فراس فراح وتهامة عباسي وموسيقى ومؤثرات صوتية فراس شاهين وغناء الفنانة عرين أبو صوي وعزف ناي موسى العباسي وإضاءة رمزي الشيخ قاسم وديكور ومساعدة مخرج شهد عبد اللطيف وملابس رافي وإنتاج مسرح شمس المقدسي وإدارة إنتاج تهامة ميديا. عمل متكامل الأركان الفنان المبدع فراس فراح أذهلني تقمصه للحلاج فشعرت أن الحلاج خرج من عالمه ليكون معنا، خاصة أنني أدرس طلابي الشعر الصوفي ومسرحية مأساة الحلاج للشاعر صلاح عبد الصبور وعلى الصعيد الشخصي عاشقة لشخص الحلاج وشعره.
يمتلك فراس صوتًا جهوريًا ملائمًا وظّفه بشكل رائع في تقمصه لشخصية الحلاج إضافة إلى لياقته البدنية وحركة جسده والتوائه في حركات صوفية غاية في الإبداع متجانسة مع الموسيقى والإضاءة الرائعة، وقد نجح الفنان فراس في إحياء الحلاج في قلوبنا من جديد بتقمصه الرائع وبريق عينيه وكأنه طاقة نور من الحلاج نفسه ،كذلك الفنان تهامة عباسي أتقن دور الحارس وصراعه ما بين انجذابه منذ الصغر لشخصية الحلاج وبين ولائه للسلطة. وجاء التأليف والإخراج للمخرج طارق السيد غاية في الروعة مبينًا صراع الحلاج الحقيقي بين الكلمة والفعل واختياره أن يلقي 
بالخرقة التي تحتم على الصوفي الانعزال في برجه العاجي. واختار طريق توعية الناس وإرشادهم لكيفية اختيار الحاكم الصالح مما أدى بالخليفة المقتدر أن يصلبه ويقتله ولكن كلمة الحلاج باقية إلى يومنا.
وجاء المخرج والمؤلف طارق السيد بكتابة سيناريو مسرحي عن ليلة الحلاج الأخيرة  فكانت فكرة غاية في الروعة لنكون على يقين أن الحلاج لم يعنه موت الجسد طالما روحه باقية وكلماته تصل القلوب حتى في عصرنا المادي. من أهم الجمل التي رددها الحلاج: "ليس الفقر هو الجوع إلى المأكل أو العُرْي والحاجة إلى كسوة. الفقر هو استغلال لقتل الحب وزرع البغضاء.
ما كان يشغل الحلاج هو البحث عن الحق والعدل والإصلاح السياسي والاجتماعي، وتحويل الكلمة إلى فعل، ومن هنا كمنت مأساته ليس بقتله، بل في عجزه عن تحويل الكلمة إلى فعل. وشخصية الحلاج هي شخصية إشكالية سبّبت الحيرة لمن حوله ، فبعضهم اعتبره صوفيًا وبعضهم اعتبره زنديقًا .
رأى الحلاج في التّصوف جهادًا متواصلًا للنفس، بالابتعاد بها عن متع الدنيا، وتهذيبها بالجوع والسهر وتحمّل عذابات مجاهدة أهل الجور، وبث روح الثورة ضد الظّلم والطغيان. 
يمثّل الحلاج البطل المتمرّد الذي يحاول قول رأيه ، ويطرح على المجتمع رؤيته، فقد رأى الفقر والجوع والفساد في المجتمع في فترة الخليفة العباسي المقتدر فخرج من عزلته الصوفية وخلع الخرقة (مثال الزهد الصّوفي) فنزل إلى الناس خالعًا خرقته ليدعوهم إلى الله ليكونوا مثله أقوياء، ولو عاش الحلاج في أيامنا لعبر عن صورة الثائر الديني والمصلح الاشتراكي. فقد كان بطلًا قضيته الأساسية هي محاربة الظلم والفقر، الفقر بمعناه الروحي والمادي، فتمتع بجوانب جعلت منه رجلًا ربانيًا يكره الطغيان وينشد العدل..
إنّ الحلاج الذي أعطاه الله نور المعرفة، يعرف دوره باعتباره ثائرًا دينيًا ، وأولى خطوات هي  المعرفة، أن يخلع الخرقة التي تعني تجرده الصوفي من متاع الدنيا وينزل إلى الناس، وهو يعي أن الصوفيين الذين يرون إرضاء الله بشعارهم "الخرقة" سيرون أنهم سيرضونه أكثر بخلعها في سبيل العبادة.
هنيئا لمسرح شمس المقدسي وللفنانين المقدسيين الرائعين والشكر موصول لمركز المسرح في عكا وللمديرين الفنيين لمهرجان مسرحيد الفنان خالد أبو علي والفنان أسامة مصري وللقاضي فارس فلاح رئيس الهيئة الإدارية ورئيس المهرجان على إتاحة الفرصة لنا لرؤية إبداع رائع.

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين