رأيتها في حفلة عند أحد الأصدقاء، كان جمالها ينضح أنوثةً، اقترَبت منها، وعرَّفتها بنفسي، شعَرتُ أنها تقبَّلت تطَفُّلي السّلوكي، كان حديثها حضاريًّا، خرج من فمها هادئًا، غير متشنّج، لديها اهتمامات ثقافية، لمستها من خلال تحدّثي إليها... تصرّفاتها راقية للغاية، بحيث لفتت انتباهي في تلك الليلة. سمعت من أحد الأصدقاء، عن مدى إعجابه بطريقة تعاملها مع الناس بلباقة واحترام، لا تتدخّل بشئون أحد.
كانت مثل نجمة أضاءت في عقول الحاضرين وهجًا من الإعجاب الوضّاح. قالوا عنها أنها فتاة معرفيّة... قالوا بحقها الكثير... لفَّت جسدها بملابس شبابيّة أنيقة ولافتة، غير مثيرة للأنظار أبدًا، خوفًا من أن تَفقد سوار احترام الحضور لها، بين زحام تهامسهم... رقصت مثل فراشة في آية اللطف... تميّزت حركات قوامها ويديها، كراقصة صالونات محترفة، رافَقَتْها نسمات الحيويّة. أنعشَت طلّتها ليلتي المميّزة، وخلّدت ومضات كاميرا ذاكرتي في ألبوم التعارف، أجمل مقتطفات لها من تلك الحفلة، لحظة بلحظة.
منذ تلك السّاعة أصبحت ركنًا من أركان تفكيري، دون أن أسأل رأي أحد، أو أعطي عقلي مهلة التفكير بجدية أكثر. لو منحني الزمن فرصة الالتقاء بها، خارج هذا الإطار الاحتفالي، لتسّنى لي التعرّف إليها بصورة أشمل، لأن السبب الآخر الذي دفعني نحو عالم تلك الفتاة المميّز، هو لمقدرتها التفكيريّة، على مواجهة المجتمع بحقيقته، دون تملّق، هذا يعكس وعيها المبكّر، الذي منحها قدرة إقناع ربّانيّة... وقدرتها على الاندماج بسلاسة مُطلَقَة، مع نقاشات كِبار أصحاب الرّأي، جعلتهم يأخذون مداخلاتها بعين الاعتبار.
يوميًّا أرى بعض الفتيات يتمشين فوق "كورنيش الثرثرة الفسيح مساءً"، لم أسمع أنّها تمشّت معهن مرة واحدة، دائمًا تجنّبت هذه الأمور. رغم صغر سنها، لكنّها أثبَتت أنها أهل لتحمُّل المسئوليّات. لذا قررت القفز بعمري إلى خط انطلاقة عمرها، تغاضيتُ عن تعسّفات هذا الحاضر الأهوَج، الذي بدأ يتنازل عن بعض العادات والتقاليد المجيدة، إكرامًا لعصر تقني جارف، غير مسبوق!!
هذه النّوعيّة من الفتيات، نادرة اليوم، بعضهن يبالغن بالتواصل الافتراضي، يتنازلن تدريجيًّا عن التواصل الإنساني... كيف لم ألتقِ بتلك الفتاة من قَبْل؟! اعتبرتُ لقائي بها فسحة استطلاعيّة جميلة، اكتشفت أن هناك أيضًا عالم متكامل من الفتيات الجديّات، يسوّقن أجندة تقدير رؤية الآخر، يسعين للارتباط بأشخاصٍ متنوّرين، غير سطحيين، فهذه حقًّا فتاة بمنتهى الكمال.
تمنّيتُ في تلك الليلة أن أتحدث إليها أكثر، حتّى أقصّ لها بإيجازٍ سيرة حياتي الذاتية، المليئة بالتجارب الحياتيّة، فيها حكايات حب، دمّرتها هجمات الظّروف الجبّارة، تحوّلت إلى آثارٍ مترامية على مسيرتي، تُذكِّرني بفترة مراهقتي، أمّا تلك الفتاة، ستكتشف مَعالِم نضجي الفكري، التي أعتبرها نورًا جديدًا، يُنير درب توجّهي العقلاني اليوم، علّمني أن ميلاد التناغم، لا بُدّ أن يولَد، باختيار الفتاة الأنسب من حيث التفكير السليم والحكيم، كالفتاة التي التقيت بها في حفلة غَدَت استثنائيّة بوجودها.
.png)


.png)

.png)






.png)

