في رحيل القائد والمناضل الرفيق فايز محمد علي المصطفى: ترجل الفارس | مليح الكوكاني

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

مع غروب شمس ذلك اليوم، في الثاني والعشرين من آذار 2023 الذي هو شهر الأرض والوطن، وبداية الربيع في بلادنا ووطننا الجميل، لم نكن على موعد مع رحيل آخر، لكن يد القدر كانت أكبر من أحلامنا وأحاسيسنا. ففي ذلك اليوم الأغبر عشية شهر رمضان الكريم، غيب الموت والرحيل الأبدي عن سمائنا وفضائنا الفلسطيني أيقونة من أيقونات الكفاح وعلمًا من أعلام النضال الفلسطيني في المنفى والمهجر، القائد والمناضل الوطني والثوري الماركسي اللينيني الرفيق والحبيب ابن العم فايز محمد علي المصطفي (أبو رائد) عضو المكتب السياسي لسنوات طويلة في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، عن عمر ناهز الثمانين عامًا، بعد أن أمضى وأفنى أجمل سنوات عمره متجولًا متخفيًا عن أعين كلاب الإمبريالية والرجعية والصهيونية، ليمارس كفاحه التحرري على المستوى السياسي أولًا، ومقاتلًا صلبًا بارعًا وقائدًا شجاعًا في ساحات الشرف والكرامة، موجهًا ومرشدًا لكوادر الجبهة في مخيمات اللجوء في لبنان وسوريا واليمن والأقطار العربية الصديقة وبلدان أوروبا الشرقية، إلى أن استقر به الحال في الثلاثين عامًا الأخيرة في مملكة الدانمارك والشمال الأوروبي، حيث استقرت عائلته وأسرته.

وقد عاد مؤخرًا إلى موطنه الثاني بعد فلسطين، مخيم برج البراجنة في ضواحي بيروت لبنان، حيث لفظ أنفاسه الأخيرة، وتوقف قلبه عن الخفقان ليوارى الثرى وليرقد بسلام بجانب والديه وإخوته، وما تبقى من أسرته المشردة، ولسان حاله يقول: أدفن على بعد 90 كيلو مترًا من حدود فلسطين، أفضل بكثير من أن أموت وأدفن في بلاد الغربة، ففي بيروت على الأقل أكون دائمًا أقرب إلى تراب ورائحة الوطن. قد يكون الاسم فايز مصطفي غير مألوف، في الإعلام وساحات المجد، ولكنه مألوف لكوادر وجماهير شعبنا في أماكن اللجوء والشتات وحركات التحرر، كقائد ملهم وسنديانة كوكانية أصيلة، بنضاله الطويل والعنيد والمليء بالتضحيات والمواقف التي نعتز بها.

كان أمله في آخر لقاء على التراب الكوكاني على أرض الوطن في نيسان 2018 وفي جيله المتقدم، أن تتحقق أمنيته بالرحيل وأن يدفن بجانب مقام سيدنا محمد القريشي في بوابة البلد الشرقية، لأن هذا المقام هو الشاهد الملك الذي يحكي ويروي تفاصيل تشريد وقتل وهدم قريتنا كويكات، على يد العصابات الصهيونية قبل خمسة وسبعين عامًا مضت من تاريخ القضية الفلسطينية .  ولد القائد والمناضل الرفيق فايز محمد علي المصطفي في 1943 في قرية كويكات المشردة، في منطقة الجليل الغربي من فلسطين التاريخية، تحدها من الشرق قرية عمقا المشردة وأبوسنان العامرة وجارتها كفرياسيف الحبيبة من جنوب شرقها، ويقطنهما اليوم الآلاف من أهالي كويكات وعمقا، الذين كتب لهما القدر أن يبقوا في وطنهم لاجئين على بعد عشرات الأمتار من أرضهم وقراهم،  بينما شرد نصف عائلة مصطفى إلى مخيمات الموت والهلاك في لبنان بمن فيهم فايز المصطفى الذي لم يبلغ سن الخامسة بعد، حيث استقرت عائلته المكونة من عشرة أنفار في برج البراجنة وعلى شواطئ الأمل وبين أزقة وبيوت المخيم المتداعية وضيق الحال (ونفسية المهزوم ) وعلى أمل العودة الذي ظل وسيظل يراوده.

في هذه الحالة بدأ الشاب فايز مصطفي يتحسس ويتلمس ويعي خيوط المؤامرة الكبرى، ويكون لنفسه ومجموعة من الشباب الفلسطيني المشرد من أبناء المخيم، العنوان للخروج من دوامة اليأس والهلاك إلى أن وجد ضالته وحدد هدفه ورسم سبيله، بضرورة العمل والتنظيم والنضال في سبيل حق العودة والتصدي لمشاريع التوطين الخبيثة وخطط التآمر الجديدة من الداخل والخارج، وأنه يجب تعرية مواقف الرجعية العربية وفضح دورها الاستسلامي، في محاولة شطب قضية اللاجئين وحق العودة، ولهذا وجد أبو الرائد طريقه مع الآخرين في إطار سياسي قومي، يطلق عليه "حركة القوميين العرب" مع وديع حداد وجورج حبش وأبي علي مصطفي وأحمد سعدات وغيرهم، وفي هذا الإطار السياسي المقاوم بدأ يصقل أفكاره ويبرز ويتقدم خطوات كمناضل سياسي عنيد، يحاور ويناقش ويكتشف ويضع الخطط والأساليب الثورية لتنظيم وتدريب المستعدين من أبناء المخيمات، على ضرورة النضال والمقاومة وإعلان الثورة بما فيها الكفاح المسلح.

وفي مرحلة لاحقة تأسست الجبهة الشعبية بقيادة الحكيم جورج حبش. ونتيجة لتفانيه وإخلاصه لمثل الكفاح والثورة والانضباط ، كان راحلنا الخالد فايز مصطفي على بيّنة من مراحل الكفاح الفلسطيني، وما يحاك من وراء الكواليس، لضرب الثورة في لبنان والمد الجماهيري في المخيمات إبان الحرب الأهلية، نتيجة لمؤامرات الرجعية  اللبنانية مع أقطاب الرجعية العربية بدعم وتنسيق إمبريالي مع حكام إسرائيل، ففي هذه الفترة العصيبة، لعب أبو الرائد دورًا سياسيًّا وعسكريًّا وفكريًّا محوريًّا إلى جانب القيادة والكوادر وبين ثوار الجبهة والمقاومة وتصدّر الصفوف الأمامية بكل بطولة واستبسال لحماية مكتسبات الثورة والمخيمات من التصفية، وآمن أن القضية الفلسطينية لا يمكن هزمها وتغييبها وشطبها لأنها محور الصراع. ولهذا أخذ على عاتقه والآخرين في رسم الطريق في مرحلة ما بعد الحرب وتحديد وتقويم الأهداف، فكان أبو الرائد بوصلة العمل السياسي في الجبهة. أخذ يتنقل بين القارات والدول من الصين شرقًا حتي الجزائر غربًا، ومن كوبا في أمريكا اللاتينية حتى الاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية سابقًا، شارحًا موقف الجبهة الشعبية من التطورات الحاصلة، مجندًا الأصدقاء بالدعم والتضامن مع الشعب الفلسطيني في مواجهة الإمبريالية وإقامة الندوات والمؤتمرات لحركات التحرر الوطني، بغية تنسيق المواقف وتجنيد الدعم المتنوع على المواجهة والوقوف أمام الثالوث الدنس. حقيقة لا بد منها وتشكل الأساس في شخصية القائد والمعلم فايز محمد علي المصطفى أبي الرائد، وهي أنه كان يتعامل مع محاوريه ومقربيه ومن حوله بمنتهى الاحترام والاستقامة، ولهذا نال الحب والتقدير من الجميع، وبكته الجماهير الشعبية في المخيمات وعمّ الحزن لفقدانه، كان يخاطب الأطفال كأب حنون وبرجولة الرجال وبراءة الأطفال، فكان عطوفًا إلى أبعد الحدود يحب الأطفال والطفولة ليقص ويسرد لهم الحديث والحكايا، بالرغم من أن أبا الرائد كان بعيدًا عن جو أسرته، مشغولًا في شؤون وتحرر شعبه، كان قلبه يتدفق حرارة وطنية ويعيش بأمل وحلم العودة. كانت تنساب عواطفه على مدى حبه لأمور ثلاثة: الأطفال وكويكات الأرض والأهل والوطن والحياة والمستقبل المنظور.

 المجد والخلود لابن كويكات فايز مصطفى أبي الرائد ولشهداء الشعب الفلسطيني.

 وابدًا على هذا الطريق.

**

 أبو سنان

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين