عين قَدَس وما حولها

منذ سنة 66 – 69 توزّع عملي بين وادي الحوارث شتاء في قطف الحمضيات لمدة اربعة شهور، وبين منطقة الحولة لمدة خمسة شهور في بساتين التفاح في نجمة الصبح و"يسود همعلا" حيث سكن عرب الزبيد، وهي في منطقة ارضنا المصادرة في الخيط، ولمدة شهرين بعدها كنت اساعد أهلي في "تعباية العِنب" من كرومنا في مواقع الدّرجة وخلّة العِنْق وخلة عميره وخلة علي الظاهر والسّكرانة والنًصيبه، وهنالك الكثير من انواع العنب البلدي: المدوّر، صُبَعين العروس، سرطباني، قرقشاني، صفدي، معطّر، زتوني وتفّاحي، وفرحت عندما قرأت ان في جورجيا وتلك النواحي هنالك نوع عنب اسمه أصابع العروس. التاجر عاطف يسمي النّصيبة المصيبة لأن العنب الصفدي والمَرَواني فيها يظل أخضر مع عرق حموضة وهو غير مرغوب في السوق.

وكذلك شهر في مستوطنة دوبيب – في النكاش على البصل. في العودة ايام الصيف نُمَيل على عين قَدَس بنبعها الغزير العذب، ونرى اللبنانيات على بُعد رمية حجر يعملن في الارض هناك، في قطف الدخان، ونسمع حديثهن، وفي خانة حق يُراد به باطل، سمحت لهن اسرائيل باستعمال مياه العين للشرب، وواحدة تقول: رِزق بونا صار علينا صدَقة، لم يعجبني هذا الوضع، كنت أكره كل ما له ومن له علاقة بإسرائيل، ونعيش على اذاعات فلسطين من دمشق والقاهرة وعمّان وبيروت وأناشيد وأهازيج:

أنا الناصرة!! أحيا للعرب. يا جليل مُستحيل يِبقى فيك المُستبد مهما يعِدّ ويستعدّ، يا نقَب للعرب، يا يافا يا حيفا..

الى الصامدين في قمم الجليل وكثبان النقب.

وصوت الحِطّيني يُجلجل:

يا ديرَتي لا تزعلي

  بُكرة الحبايب راجعين

بُكرة بْييجو رَبعي وهَلي

  وبرْجعولِك غانمين

نحن العرب عاداتِنا

  مانّامِ عن ثاراتِنا

والويل من غاراتنا

  للمُعتدين المجرمين

لا بد ما نْكيد العِدا

  ونحقّق النصر المُبين

وخالد طْحِيمِر يرافق هذا النشيد على المجْوِز والأرغول، كانت فترة من الحماس والأمل خاصة زمن جمال عبد الناصر.

عبد الناصر يا جمال

  يا مِقدام عْروبِتنا

فيك حققنا الآمال

  نرفع راية أمتنا

وكم احتقرت احد وجهاء بلدنا وهو يقول أمام الحُكام الضيوف: أخ لو أطول عبد الناصر وخروتشوف تَقَرْقِطهُن تحت سْناني!!

وسهام رفقي بالحطّة والعقال تصدح:

يا فلسطين جينالِك

  جينا وجينالِك جينالِك

كلنا رْجالِك جينالِك

  تَنْشيل حْمالِك.. يا فلسطين

وقامت منظمة فتح:

فتح مرّتْ من هنا يا مرحبا، يايا مرحبا، طَوّعني معاك، يا رايِح متطِّوع، طوّعْني معاك، ماني مودَّعَك رايح عَفَلسطين ماني مودّعك،

تقولها مجموعة من صبايا فلسطين.

وصار خوف حقيقي من المتسللين، وواحد أهبل مَبيوع يغني في حلقة الدبكة:

قدّيش قُلتِلّك يا بنْ سوريا

  لا تدخل عَبلادي بلا الهوية

على البوّابة في عسكريّة

وِلّلي بِخالف عَجنين يكبّونا

وحفظنا ما قاله ابو سعود الديراوي في صف السّحجة"

أهل بيت جن كِرام الأم والأب

  قراةِ الضيف من رايح ومن آب

اعِزْمونا في شهر تموز وآب

  تنوكُل من دواليكو عِنب

صفّ السّحجِة طويل ومرتب والكل مع حَطات وعُقُل ولفّات، والحاشي القدير حسن السليمان يرتب الصف، وصالح السّويد ويوسف الغانم وأبو سلمان على الأرغول، على نغَم:

غابت الشمِس يا بِن شعلان

  وَريد ادوِّر معازيبي

والدّلة تسكب على الفنجان

  وبْهارِها جوزة الطيبِ

يا ولَد يا سايق النّاقه

  حُطّ الحِمِل وارْدِف الزّينِه

والبنِت لو تِطلع عَشاقه

  تحتار ما بين الاثنين

وِلْفَك خَذيهو ولَد شعلان

  على بلاد الحَر والشوب،

حسين لِبْراهيم وعلي الذوقان وفارس لِبراهيم من أشطر السحّيجِة في البلد، اما شعلان ومحمد الحسن وفارس من أشطر الرّوّيسِه.

مرة قال لي توفيق الرناوي وأخوه أبو عاطف، صف السحجة في بلدكو أحلى صف، صفّ عربي.

سمعت الريناوي وهو يقول:

وبْكفر كنا طَيب الرّمان

  بكْرومْها هلّلي غَرب العين

سكنت في "يسود همعلا"، في غرفة نظيفة كانت تابعة لراب يهودي على حساب المعلم الذي عملت عنده اربع سنوات واسمه أهرون سلَمون، او أرونشيك، أسكنني بالسّر وعلى عاتقي!! لكن للوصول الى المنافع عليّ ان أقطع حاكورة واسعة مهملة متروكة فيها الهَشير اليابس، وكنت أسمع زحف الحيايا، وأجد ثوب الحيّه، وأكثر من حية منها الكبير ومنها الوسط معلقا على الهشير اليابس، وعلى سطح القرميد العتيق وفي شقوق الحيطان الكثير من الحَمام، عشرات كثيرة من الطيور وقال لي المعلم:

كول كلّ الحَمام!!

كثيرون منهم في يسود همعلا يتكلمون العربية المكسّرة،

تعرفت على الشيوعي دولنسكي، كان يدعوني لأسهر عنده ونتحدث في السياسة، هو من جماعة ميكونِس سْنيه ونتفق على العديد من القضايا خاصة ضد مصادرة ارض الخيط، مع ان ابن بلدنا يبرّئ الحكومة من المصادرة ويقول بصوته الرّخو وبالعبرية: اسمح لي لم نصل الى ذلك!! תסלח לי עוד לא הגענו לזה!!

ولله في خلقِه شؤون والحديث ذو شجون. عملتُ مع "يَعيش" المروكي وهو شاب نظيف وفقير ومع مروكي مُسن اسمه خليفة، يقطف ثمر التفاح بفوضى فظيعة ومن كل الانواع والشاب يَعيش يصرخ عليه: آ خليفه! آزي قْطاع مْنِ هْنا – أي تعال اقطف من هنا، وكذلك مع شاب مروكي وكلهم من كريات شمونه اسمه يهودا محْفوظة.

اختلفت مع يعيش عندما علِم أنني تعلمت في الجامعة وقال: عربي في الجامعة!! كيف يمكن هذا!!

مرّت صبية في اول عمرها على ظهر مُهرة تطارِد على الطريق بسرعة جنونية وهي على ظهر المهرة بلا سرج ولا ركايب ولا لجام، قال دولنسكي:

صَبْحة، بدوية من عرب الزبيد.

كيف عنّ على بالي ما قرأته في قصة الزّير سالم!!

رأوا جَسّاس يركب حصانا ورجليه خارج الركاب وهي دلالة شؤم وتبيّن ان جساس قتل كُليب وجاء من يُخبر همّام الساكن مع الزّير، فقال الزير:

أراكو في حديث وفي وشاوش

  كأني بينكو رجل غريبَ

فقال همّام:

لا حْنا في حديث وفي وشاوِش

  ولا انتِ بيننا رجل غريبَ

جمَلنا يا فتى نيّبْ جمَلكو

  وخلّى دمّو عترابُه سكيبا

أشفقتُ على صَبحة من كل مكروه، على ظهر المهرة بلا سرج ولا لجام ولا ركايب ولا تقع!!

وكم من أغنيات على السرج والركايب واللجام!!

وكمال العلي بصوته الحنون، والماهر والمشهود له في زيانة العريس يغني:

قوم تِمَشّى يا قضيب الذهب

  والسّرج فَضه والركايب ذهب

ويغنّون:

مِن بينِ لبيوت

  من بينِ لبيوت

شوقي مَرق خَيال

  من بينِ لبيوت

والسّرج ياقوت والمَرتشحَه فضه والسرج ياقوت،

وما قِلتلُه فوت

  الله عَمى قْليبي

ما قُلتلُه فوت

وهذه الجازية من بني هلال تقول على بوابة تونس الخَضْرا للبوّاب:

إفتح يا بِنْ خالي

  ما مَعْناش رْجالِ

مَعانا مَخالي

  وحُزُم للمْهارَه

بعد منظمة فتح الفدائية، صرنا نسمع أسماء العاصفة والصاعقة، وصواريخ الظافر والنّاصر. المعلّم يضحك، ودولتسكي السمين المربوع يضحك، وأنا أتناقش مع يعيش المروكي عن الحرب في الفيتنام، ويعيش يُقرر: من قال لك ان هنالك حرب في فيتنام، كلّها دعايات، هل كنتَ هناك ورأيت!!

  • هل عندكم تلفزيون يا يعيش!!
  • ناقِصْني!! من أين! ولا راديو، أنا المعيل الوحيد لأسرة كبيرة.

تأخرنا مرة في الشغل حتى الليل ونحن نحمّل السيارة، جاء أبوه وأمه مع سيارة مستأجرة للسؤال عنه، كاد الدمع يفرّ من عينيه: هذه أجرة اليوم طارت!!

أشفقتُ عليه وهو الشّغّيل الفقير بلا تلفزيون ولا راديو رغم بساطته الى درجة السُخف والهبَل.

غيروا إسم يهودا محفوظة الى العبرية يهودا شومِرْلي، او ما يشبه ذلك.

 

;