(أو: هكذا نطقت نبوءةُ الشاعر في عاشورائه!)
تغيّرت أشياء كثيرة وبقي البيت وإن كسروا قنديله، وبقي سميح القاسم الشاعر النبوئي الثوري المتجدّد المتعدّد المتوثّب*كم من طفل وطفلة قُتلوا أو شرِّدوا أو يتِّموا في حربنا هذه، لتهبّ روح سميح القاسم من أعالي الجليل "تقدّموا تقدّموا"
أيها الحفل الكريم، ضيوفنا الأفاضل من حيفا وبعد حيفا وبعد بعد حيفا، مع حفظ الأسماء والألقاب؛
العائلة الكريمة، قرّاء وعشّاق سميح القاسم، رفاق ورفيقات درب وتاريخ ومعنى يتجاوز الذكرى، بين أحداث الزمان، هذا الزمان وغير هذا الزمان، وإحداثيات المكان، وهذا المكان الذي لا مكان لنا سواه؛ باسمي وباسم المنظمين – مديرية المساواة في بلدية حيفا ومؤسسة سميح القاسم – نرحّب بكم جميعًا في هذه الأمسية الخاصّة. وهي خاصّة لأنها حيفا، ولأنه سميح القاسم!
لأنها حيفا التي، بعد عام 48، أصبحت أمًا لمئات وألوف المنكوبين الخارجين من أهوال الحروب والتهجير والدمار شبه الشامل، كالأيتام على موائد اللئام.. فما أشبه اليوم بالبارحة!
ولأنه سميح القاسم، الذي ملأ الدنيا وشغل الناس. هذه البذرة النابغة، النابتة من جذوع رامة الثقافة والأصالة والزيتون، سرعان ما طرحت ثمارها شعرًا ونثرًا، فرَسَت في خليج حيفا، لتحلّق من مينائه عبر اللغات والقارّات، وتحكي للعالم عن بيتٍ كسروا قنديله! وما أشبه اليوم بالبارحة!
ها هُنا، بين أزقة وادي النسناس وعلى أدراج عباس، في شارع المتنبي وبستان الشيوعية و"نزلة صهيون"، في الجريدة والمجلة والنادي والمطبعة، في القصيدة والمظاهرة وفي زنازين المعتقل، في مطعم الأمم ومقاهي الهدار وعلى تلال الكرمل وشواطئ حيفا.
هنا تمامًا عاش وأبدع سميح القاسم وأترابُه من ذلك الرعيل، الجيل المؤسس للأدب الفلسطيني. كانوا شبابًا يكتبون مشاعرهم، في الحب والوطن والحياة، دون أن يعرفوا أن هذا سيصبح يومًا "أدب المقاومة" بعد حرب 67.
وهنا في وادي الصليب، سار الشاعر بين الأطلال واستفزته مشاهد الاستيلاء والإهمال بحق المقابر والمساجد والمقدّسات، فلم يكتف بالمقالة والقصيدة، بل كان من مؤسّسي أول هيئة للدفاع عن الأوقاف الإسلامية في حيفا عام 1974.
تغيّرت أشياء كثيرة، فنزلة صهيون – حيث كان مكتب سميح القاسم - أصبحت طلعةً شاهقة، وشارع عباس لم يعد ثنائيّ الاتجاه. ومطعم الأمم لم يعد موجودًا. أما عن ضمير الأمم فحدّث ولا حرج. وليس كلُّ الأدب أدبٌ ولا كلُّ المقاومة مقاومة.
تغيّرت أشياء كثيرة، وبقي البيت وإن كسروا قنديله. وبقي سميح القاسم، الشاعر المتجدّد المتعدّد المتوثّب، من شعر الغضب والنبوءة الثورية والقصائد المفخّخة (2) إلى الكولاج والسربيّات والمسرح والاشتباك الثقافي.
وسافر الشعر والشاعر منَ الشّامِ لبغدانِ ومن نجدٍ إلى يَمَنٍ إلى مِصرَ فتطوانِ. ومن النهر - نهر الأردن - إلى البحر - بحر حيفا وعكا ويافا وغزة. ومن كفر قاسم إلى القدس فغوانتانامو. فهل شاءت الأقدار، أو ربما شياطينُ الشعر، أن تراود نبوءةُ الشاعر ذكراه حين قال:
ما الحلُّ؟
يا جنرالَ الظلامِ . ويا سيّدَ النفطِ والحلِّ والرّبطِ .
ما الحلُّ
يا سيّدَ البورصةِ الخائفهْ
ويا قاتلَ الوقتِ في رَحْمِ ساعاتِنا الواقفهْ
إلى أين تمضي جنائزُ أحلامِك النازفهْ
إلى أين يمضي السلامُ؟
إلى أين يمضي الكلامُ؟
إلى غوانتانامو..
أو حين قال:
بلاد الرعب أوطاني من القاصي إلى الداني
ومن خوفٍ إلى خطرٍ ومن منفًى إلى الثاني
بلاد الحرب أوطاني تدمِّرُ كلَّ بُنيانِ
تَوفّى الأمنُ في وطني وصار الموتُ مجاني
وظلّ راحلنا الكبير، أيضًا، شاعر الحب والمرأة المخضرم، يقول في أحد كولاجاته:
أرادتْ أنْ تُناديني
ولمّا لم تجد فمَها
تشظّى جسمها المائيُّ
بين النار والطين
وشاءت أنْ تُشاهدني وتعرفني
وشاءت أنْ تمُسّ يدي
ولمّا كنتُ مخلوقا خرافيّا
بلا جسد.
بلا أهل
ولا بلد
تعذّر أنْ تُشاهدني وتعرفني
ولم تُبصر سوى ظلّي
ولم تلمَس سوى كفني.
الحضور الكريم،
كان من المخطط أن تجمعنا هذه الأمسية قبل شهور عدّة، في ذكرى ترجّل هذا الفارس الجليليّ عن صهوة الحياة الدنيا. لكنّها الحرب الملعونة، كأنّها تستعيد رحلة عودة الطفل سميح مع أسرته من الزرقاء إلى فلسطين عام 1941. في القطار - في غمرة الحرب العالمية الثانية ونظام التعتيم - بكى سميح الصغير فذُعر الركّاب وخافوا أنْ تهتدي إليهم طائرات ألمانيا النازية.. فكادوا يقتلونه!
وكم من طفلٍ وطفلة، شاعرٌ أو طبيبة أو رسامة أو سائق أو مهندسة أو مزارع، أو ربة بيت أو مدرِّسة أو صياد أو راقصة باليه أو بطلُ شطرنج؛ كم من طفلٍ وطفلة قُتلوا أو شرِّدوا أو يتِّموا في حربنا هذه. لتهبّ روح سميح القاسم من جبال الجليل الأعلى: تقدّموا، تقدّموا، لن تكسروا أعماقنا، لن تهزموا أشواقنا. تقدّموا، نحن القضاء المبرم!
ونحن اليوم، من هنا، من حيفا، من حيث صُقلت هويةُ سميح القاسم الشعرية والفكرية، فصَقلت هويةَ شعبٍ كامل، نصرخ اليوم أيضًا: تقدّموا.. نعم تقدّموا!
تقدّموا إلى كلمةٍ سواء، تقدّموا إلى الحرية والعدالة والمساواة. تقدّموا إلى السلام العادل، سلام الشعوب بحق الشعوب. تقدّموا إلى الاعتراف بحقيقة وجود شعبين اثنين في هذه البلاد، وأنّ هناك شعبًا آخر، شعب يستحق الحياة بأمن وسلام. شعب يريد الحياة ويحب الحياة إذا ما استطاع إليها سبيلا، ولا يحبُّ الموت، لكنه لا يخافه.
تقدّموا لإدراك حقيقة أن شعبًا يستعبد شعبًا آخر لا يمكن أن يكون حرًا.
تقدّموا وتذكّروا صيحة الجندية بمحمود درويش في القدس:
"هُوَ أَنتَ ثانيةً؟ أَلم أَقتلْكَ؟ - قَتَلْتني... ونسيتُ، مثلَك، أن أَموت"
تقدّموا وتفكّروا بسؤال سميح القاسم:
"في الكون متسعٌ لكل الناس، هل في الناس متسعٌ لبعض الكون؟"
- هوامش:
1 كلمة رئيس كتلة الجبهة في بلدية حيفا في أمسية "حجرًا على حجرٍ وينهضُ منزل – حيفا تتذكّر سميح القاسم"، 29.1.2025، وتضمّنت الأمسية التي عُقدت في قاعة مسرح "سرد" الكبرى في حيفا ("الميدان" سابقًا)، عرض قصائد بصوت وصورة الشاعر الكبير، "كل شيئ هنا واضح"، "العنقاء"، "سنعطي الشوارع أسماء من لم يسيروا عليها طويلًا"، "القدس الأرض"، و"تقدّموا". وقدّم الفنان القدير مكرم خوري قراءة ممسرحة لـ "القصيدة المفخّخة" من ديوان "شخص غير مرغوب فيه" (1985). وقدّم المطرب علاء عزام والفنانة الشابة سماح مصطفى أغاني "عنيدٌ أنا" و"دولا" و"ربما" و"إلهي أنا متأسف"، و"منتصب القامة أمشي". كما تضمّنت الأمسية التي أخرجتها رلى خوري معرض لوحات للفنانة الراحلة تريز نصر عزام التي زيّنت دواوين الشاعر، ولوحة بريشة سميح القاسم، إضافة إلى مجموعة من الصور والنصوص من مراحل مختلفة في حياته.
2 ألقاب كثيرة أطلِقت على الراحل الباقي سميح القاسم، من بينها شاعر المقاومة والعروبة والإنسانية، و"متنبّي فلسطين" و"قيثارة الشعر العربي" وغيرها. وكان أوّل من وصفه بـ "الشاعر النبوئي" المفكر الراحل د. إميل توما، بينما لقبّه الناقد المصري رجاء النقاش بـ «شاعر الغضب الثوري». وكتب الناقد د. نبيه القاسم في دراسته "سميح القاسم ومُساهمته في تطوّر الشكل والمَضمون في القصيدة العربية المُعاصرة" (2020)، أنه "شكّل ظاهرة مميّزة في الشعر العربي عامة والفلسطيني خاصة في جَمعه بين شكلَي القصيدة التّقليدي والتّجديدي. وحرصه على احتفاظ القصيدة بكلّ خصائص التراث العربي"، واصفًا إياه بـ "الشاعر المتطوّر المُتجدّد الحداثي"، واعتبرت الشاعرة سلمى الجيوسي أن "سميح القاسم هو الشاعر الوحيد الذي تظهر في أعماله مَلامح ما بعد الحداثة في الشعر العربي". وجاءَ في تقديم طبعة القدس لأعماله الناجزة عن دار «الهدى» (الطبعة الأولى سنة 1991) ثم عن دار «الجيل» البيروتية و«دار سعاد الصباح» القاهرية: شاعرنا الكبير سميح القاسم استحقَّ عن جدارة تامة ما أُطلِقَ عليه مِن نعوت وألقاب وفاز به من جوائز عربية وعالمية، فهو «شاعر المقاومة الفلسطينية» وهو «شاعر القومية العربية» وهو «الشاعر العملاق» كما يراهُ الناقد اللبناني محمد دكروب، والشاعر النبوئي، كما كتَبَ الدكتور إميل توما، وهو «شاعر الغضب الثوري» على حد تعبير الناقد المصري رجاء النقاش، وهو «شاعر الملاحم»، و«شاعر المواقف الدرامية» و«شاعر الصراع» كما يقول الدكتور عبد الرحمن ياغي، وهو «مارد سُجنَ في قمقم» كما يقول الدكتور ميشال سليمان، وشاعر «البناء الأوركسترالي للقصيدة» على حد تعبير شوقي خميس. أو كما قال الشاعر والناقد اللبناني حبيب صادق: «لسميح القاسم وجه له فرادة النبوّة».
.jpg)






.png)


.jpeg)



.png)

