كان في زهوة شبابه عندما دقت أجراس النكبة أبواب منازل العرب الفلسطينيين.. كان في الحادية والعشرين من عُمره.
في هذا الاستهلال أعود مُعانقا بيت شِعر جميل ورثناه من أبي العتاهية:
يا للشباب المرح التصابي
روائح الجنة في الشباب
ليسمح لي القارئ الكريم أن أستلهم الوحي من أبي العتاهية لأذكر مبدعا غادر جناننا قبل حولٍ من الزمن. رحل عنا الفلسطينيُّ الأثير حنا إبراهيم ولم يرتحل فذكره باقٍ باقٍ. كان في عام 1948 شابا تجتمع فيه روائح جنان الوطن ومن يراعه وفي ذهنه ومن على كتفيه تتدلى عناقيد هيبة الوطن ونخوة ساكنيه.. في حدائق ابداعاته تضوعت روائح الوطن على امتداد قرانا الجليلة الجليلية.. من البعنة الحمراء أطلَّ علينا حنا إبراهيم قابضًا على الجمر واللهب ليحرق بهما الراكعين الخُنع من مهادنين ومساومين وإمعات!! حملَ مخارز شرفاء أمته ليفقأ بها عيون من يهوي اذلالنا من سالبين ومعتدين ومتعاونين!!
في أواخر الخمسينات كُنت وأترابي في نهاية الثانوية وكان أستاذنا وزميلنا طيب الذكر الشاعر الفذ شكيب جهشان يُردد اسم حنا إبراهيم وتوفيق زياد وراشد حسين وغيرهم من المبدعين في دروس اللغة العربية!! لقد نجح أستاذنا شكيب في دعوة الراحل الكبير راشد حسين ليزورنا في الصف قارئًا مختارات من ابداعاته وفي نهاية الزيارة أعلمنا الأستاذ بأن زيارة مماثلة سيقوم بها حنا إبراهيم.. لوجعنا تلك الزيارة لم ترَ النور وذلك لأن أوامر الإقامة الجبرية من الحاكم العسكري وطغمته شلت تحركات المبدعين الشرفاء ومنهم انتصب شامخًا حنا إبراهيم!!
رغم ملاحقات العتاة من حكام ظالمين بقي شاعرنا أبو إبراهيم صخرة من على صهوتها يقارع السالبين الحاقدين.
لقد أوصد الظالمون أبواب الرزق في وجهه فعمل في المحاجر مجابهًا الصخر والحجر.. وعلى صدور الصخور وتهمته وصلابته تداعَتْ مكائد الحاقدين.. في شعره ونثره وعلى وبين سطور ابداعاته علمنا أنه المبدع الشهم الذي أخذ من الصخور صلابتها.. تلك الصلابة التي شكلت ثبات مواقفه وشموخ قامته.. في كلامه لم يختَر كلامًا يتسم بالصلابة بل اختار أن يغرف وضوحًا وشفافية وألقًا من غدران فلسطين وينابيعها.
على صخور ابداعه وقفت مُغردة عنادل الوطن وفي يديه هوت بدعة الهويات الحمر التي بها أرادوا تهجيرنا من جديد لنلحق بأهلنا في مخيمات الشتات!
في أعماله بل في روائعه نسمع أصواتًا أمسَت سيطًا تجلد أبدان الإمعات!!
ستبقى (الجديد) و(الغد) و(الاتحاد) منصاتٍ تزهو بأدب حنا إبراهيم.. ستبقى صُحف الحزب الشيوعي الغاربة والحاضرة زاخرة ببصمات تضخ دماء النخوة والكرامة في عروق رجالٍ أرادهم حنا إبراهيم أبناء خير أمة أخرجت للناس.. لنسمعه في نهاية هذه العجالة تاركًا وصيةً سامقة لأخيه الفلسطينيّ.. لأجيالنا من أبناء وحَفَدة:
قلبي عليك بقدر ما قلبي معك
فاحسب حسابي حين تُحصي أضلعك
لا ذنب لي ان كنت ضلعًا قاصرًا
نزعوه منك ولا يزال يقول لك
قدر علينا أن تظل مُكافحًا
فيما أعيش صابرًا..
فاذا انتهى أمري فأنقذ موقعك
سيبقى حنا إبراهيم مدرسة وطنية فلسطينية نتعلم في مساقاتها الوطنية والنخوة والشهامة وروائع الابداع.



.png)

.png)






.png)
