-
قراءة في رواية أسير الثّلج للكاتب كمال صبح
يعالج الروائيّ كمال صبح وضع الفلسطينيّ في المنفى في العالم الغربيّ (السويد)، متّخذ ًا من البطل يوسف حالة مكثّفة يدرسها بتناقضاتها وحزنها ويبدع في التعبير عن ذلك؛ حيث هناك تناقض في شخصيّة يوسف العربيّة والنرويجيّة. يقول يوسف: "أنا ممزق بين قوميّتين، نصفي العربيّ كئيب ومؤلم وقاتم، ونصفي النرويجيّ يخاف من هذا الاتساع في الأفق". الكاتب يدرس أيضًا حزن شخصيّته يوسف: الذي يقول: "هل ضرّ هذا الكون أن يراني هانئًا أم أنّ الحزن أدمن جسدًا وجد فيه مرتعًا؟"
ويقدّم لنا الكاتب شخصيّة أبي يوسف؛ الفلسطينيّ الفقير الباحث عن إستقلاليّته، والذي ظنّ أنّ هجرته إلى النرويج ستكسبه نفسَه، وستكسبه المال من وراء بيع التحف الخشبيّة - التي يصنعها في كشكه - للتجّار هواة الآثار والتّحف، وهو ما يعدّ تعبيرًا مجازيًا عن استبدال جلّ ما في حياة أبي يوسف من قِيَم بالمال.
لقد تمّ التعبير عن كشك أبي يوسف بمكان طاعن بقِدَمِ تفسّخ أخشابه، مثل ماضيه وحاضره المفسّخيْن، إنّ مكوث أبي يوسف في هذا الكشك المتفسّخ يذكّره ببيته في يافا وبالشمس والبحر والبرتقال والنخلة وبصوت ينادي بضرورة العودة إليه.
يكتب أبو يوسف لابنه في مذكراته: "أرجو أن تعود أنت أيضًا إلى هناك، هنا كتبتنا الحياة على هامش صفحاتها، وهناك نحن على متن الكتاب ونصّه".
إنّ وصف الكاتب للأماكن التي انتقل إليها أبو يوسف تعبّر عن صورة من صور التعبير المجازي عن أفكار الوالد ومشاعره نحو العالم الذي يراه ويحسّ به. وقد أشار دارسا الأدب رينيه ويلك وأوستن وارين أنّ الأمكنة هي بنية تعبيرية يستخدمها الروائيّ ليقدّم لنا صورة وهمية للحياة، يكتب أبو يوسف: "أتظن يا يوسف أني كنت سأجد الحياة هنا؟ هي الوهم الذي تأتي به أطياف الشوق والحرمان".
إنّ كل شخصية من الشخصيّات الفلسطينية تمثّل جانبًا مختلفًا من جوانب الحياة الفلسطينية؛ شخصيّة يوسف الممزّقة بين بحر أبيه وثلج أمه، وشخصيّة ريموندا التي عاشت الفقدان مرّة تلو الأخرى، وكان لديها وعي فلسطينيّ أكثر من يوسف، حيث أوضحت ارتيابها من هجرة أخوة إيلين اليهودية إلى إسرائيل، في مقابل عدم إكتراث يوسف بالأمر. وشخصيّة إيمان التي تمثّل الوطن. وشخصيّة محمود الذي ترعرع على القيم الوطنيّة الفلسطينية من خلال والدته إيمان. إنّ تجربة هذه الشخصيّات المختلفة تتّحد فقط بعد قراءة مذكّرات أبو يوسف (في البداية قرأ المذكّرات كل من ريموندا ويوسف وبعدها روى يوسف المذكّرات لإيمان ومحمود).
أمّا الشخصيّات الأخرى (غير الفلسطينية) فهي تمثّل الصراع والمواجهة مع الحالة الفلسطينية، شخصية جوناس تمثّل الصراع الإجتماعيّ؛ فهي المرأة الأوروبيّة التي تحاول تربية ريموندا بمنأى عن العادات والتقاليد العربية؛ وقد كان هناك جدال بينها وبين أبي يوسف، إلى أن آثر أبو يوسف تركها والعيش في كشكه البائس ومن بعد ذلك عاد إلى وطنه.
وشخصيّة إيلين تمثّل الصراع السياسيّ؛ فهي المرأة اليهودية التي تنتمي إلى عائلة صهيوينّة؛ حيث هاجر أخوة إيلين إلى إسرائيل أحدهما التحق بالخدمة في الجيش الإسرائيلي، ولحقهم والدا إيلين، ومن ثمّ هاجرت إيلين مع يوسف إلى إسرائيل، وأنجبا إسحق، وسجّلت إيلين إسحق للدين اليهودي؛ وهنا تجلّى الصراع بين يوسف وإيلين بأن تركها وهاجر.
نجد في هذه الرواية قوّة التأثير التي تلعب فيها الرّموز المجازية دورًا في التعبير عن ماهيّة الحالة الفلسطينية الضائعة والفاقدة بعد الإحتلال الإسرائيلي عام 48؛ حيث أنّ الصور المستخدمة للتعبير عن الرموز قد صيغت بلغة واضحة ومؤثّرة، وبصورة خاصّة عندما وصف الكاتب محاولة يوسف وإيلين للنجاة من الثّلج وبرودته التي لا تُحتمل، وتمرّ لحظات مميتة تذكّرنا باللحظات التي مرّت على الرجال الذين أرادوا الهروب عبر الخزّان، إلّا أنّهم فقدوا حياتهم من حرارة الشمس في رواية رجال في الشمس لغسّان كنفاني، أمّا يوسف وإيلين فقد استطاعا النجاة من برودة الثلج، ولكنّ يوسف لم ينجُ من صقيع الصهيونيّة. وهنا تعبّر الرواية عن التمزّق المستمرّ الذي يواجهه الفلسطينيون وهم يحاولون متابعة حياتهم، مثال ذلك إنتقال يوسف وأبيه من فلسطين إلى السويد وبالعكس.
يقوم الكاتب بكسر زمن قصة الحاضر ليفسح مجالًا للذاكرة، ورمزها ذاكرة أبي يوسف في تأكيده على الجذور والهويّة أي في تشبثه بالأرض مقابل الهجرة والهرب. يقرأ البطل يوسف مذكّرات أبيه ليذهب بإتجاه الماضي، لا من أجل الماضي بذاته، بل ليبلور رؤية للحاضر، ومن خلال هذه الرؤية يبني علاقته بالمكان ويتعرّف على تاريخ المكان "هناك" فلسطين.
يعيش البطل يوسف صراعًا مع الذات هو، في دلالته العامّة والعميقة، صراع الفلسطينيّ المنفيّ. والصراع هو حركة نموّ وإكتشاف ومعرفة، بدءًا من أبيه ووصولًا إليه، بمعرفته منذ بداية مذكّراته حتى نهايتها. يعاني يوسف جدل التأمّل والسّؤال، أو جدل الجهل بحقيقة أبيه ومحاولة معرفته. ثمّ يكتشف يوسف طلب أبيه بالعودة إلى الجذور إلى جذع النخلة والبحر ويافا والبرتقال، العودة إلى الوطن. ولكن وقع يوسف في براثن المأساة التي وقع فيها أبوه من قبله، ليعود يوسف أدراجه إلى المهجر.
يقارن البطل يوسف "بين الأُلفة والحفاوة ودفء الحديث" الذي وجده عندما زار إيمان وأبناءها، و"بين برودة اللقاء والنظرات الزجاجية الخالية من كل روح" الذي وجده لدى والدي إيلين، وقد بدأت تتبلور لديه معانٍ أخرى للأشياء؛ أحدها قائم في التاريخ ويشكّل حوار الرواية مع الماضي، والباقي قائم في الإنسان نفسه ويشكّل حوار يوسف مع نفسه الذي يبدو أعمّ وأبعد منه. إنّه حوار الرّواية ضدّ الفلسطينيّ الذي يهاجر من وطنه بحثًا عن المال. إنّ الهجرة في الرّواية تعني ترك المكان وعدم التجذّر فيه، أي التخلّي عن الذّات والإنصياع لرغبة البحث عن المال. وفي النهاية تطرح الرواية السؤال على الفلسطينيين: سؤال الرّحيل المستمر والإغتراب الدائم.
المراجع
خليل، إبراهيم (2010). بنية النص الروائي. الجزائر: منشورات الاختلاف، بيروت: الدار العربية للعلوم. ص 149.
العجيلي، عبد السلام (1997). أرض السياد. لندن: رياض الريس للنشر. ص 102-103.
العيد، يمنى (1993). الكتابة: تحوّل في التحوّل. بيروت: دار الآداب. ص 71.
ويلك، رينيه ووارين، أوستن (1987). نظرية الأدب. ترجمة: محيي الدين صبحي. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر. ص 31.
.png)






.png)


.jpeg)



.png)

