مظاهر التجريب في رواية قناع بلون السماء لباسم خندقجي

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

تتّكئ الفنون المختلفة على مجالات معرفيّة متعدّدة، سواء كان ذلك في المستوى المضمونيّ أو الأسلوبيّ، ولا يشذّ الإبداع الأدبيّ عن هذه الظاهرة شعرًا ونثرًا، فالمعارف مطروحة أمام كلّ من يبغي الفائدة منها في سبيل تطوير نتاجه الفنّيّ أو الأدبيّ، وعليه يلجأ المبدعون إلى توظيف مضامين وتقنيّات مختلفة في نتاجهم من حقول معرفيّة متنوّعة، يمكن إدراجها في باب التكنولوجيا الحديثة كالسينما، الرسم، المسرح، ووسائل الاتصال المتاحة كالهاتف، الخلويّ، الحاسوب، ومواقع الشبكة العنكبوتيّة وغير ذلك ممّا نجده بصورة بارزة في النتاج الأدبيّ الحديث، وبكلمات أخرى يمكن الادّعاء أنّ معظم النتاج الأدبيّ عالميًّا وعربيًّا يقوم على مبدأ التجريب، هذا المبدأ الذي يتطلّع  لإنتاج أدب مغاير للأدب السائد في سبيل إرساء قواعد كتابيّة جديدة ومخالفة لما هو معروف أو مألوف، وبذلك تصبح ظاهرة التجريب ظاهرة تجاوزيّة لكلّ ما سبقها.

تظهر رواية "قناع بلون السماء" رواية تجريبيّة خالصة على المستويين المضمونيّ والأسلوبيّ بشكل خاصّ، لما تحوي من آليّات تجريبيّة كثيرة، لعلّ أبرزها تلك البطاقات الصوتيّة التي يسجّلها الراوي(نور الشهديّ) بضمير المتكلّم في تضاعيف هاتفه الخلويّ ويوزّعها على مساحة الرواية برمّتها، حتّى يصل عددها إلى سبعٍ وعشرين بطاقة متباينة في مبناها وفحواها، تستغرق تلك البطاقات ثلاثة وعشرين يومًا، بدءًا من التاسع عشر من نيسان، عام 2021 وانتهاءّ في اليوم الحادي عشر من أيّار نفس العام، ويعمل الراوي على ترقيم بطاقاته التسجيليّة، ثمّ يتنازل عن هذا النهج عندما ينسى رقم إحداها، وفي ذلك يقول الراوي العليم (ضمير الغائب) "ينسى رقم البطاقة السابقة، فيقرّر بنزق الإقلاع عن ترقيم البطاقات مكتفيًا بتأريخها وعنونتها"(الرواية: ص45)، كما يجعل الراوي لكلّ بطاقة عنوانًا يدلّ على فحواها ما عدا تسع بطاقات ترد في نهاية الرواية دون عنوان، قليلة التفاصيل في مجملها ماعدا ثلاث بطاقات، بعد أن أضناه السرد، واستوفى معظم المعلومات التي تدور في فلك مريم المجدليّة، موضوع بحثه.

يتّخذ الكاتب مبنًى موحّدًا لروايته، إذ يبدأها ببطاقة تسجيليّة صادرة عن نور الشهديّ (بطل الرواية)، موجّهة لصديقه مراد على هاتفه الخلويّ، مدركًا أنّ هذه الرسائل التسجيليّة لن تصل لصديقه السجين خلف قضبان الاحتلال، يقول نور: "أشعر براحة عظيمة عندما أخاطبك عبر هذه التسجيلات الصوتيّة.. على الرغم من أنّني أعلم أنّها لن تصلك ولن تسمعها أبدًا"(86). ثمّ يُتبع البطاقة بملاحظة موجّهة في معظمها، لصديقه، أو يثبت في بعضها تعليقًا على موقف مراد ونحو ذلك، ومن ثمّ يسند الكاتب مهمّة السرد لراوٍ عليم بضمير الغائب، ليصوّر ظروف حياة كلّ من نور ومراد، علاقة نور بالشيخ مرسي، اتّخاذ نور هويّة الشاب اليهوديّ أور شابيرا قناعًا يمكّنه من المشاركة في البعثة التنقيبيّة، وغير ها من أحداث الرواية التي تنتهي مع الراوي العليم وهو يعلن ترك نور لموقع البعثة بعد أن نقلته سماء إسماعيل بسيّارتها إلى رام الله. هكذا يأتي سرد الأحداث متقطِّعًا وموزّعًا بين نور، والراوي العليم، ناهيك بما تحفل به الرواية من حوارات عديدة تكشف الشيء الكثير من مضامينها، وفي هذا النهج ما يؤكّد الاتّجاه التجريبيّ في الرواية. 

يلتقي القارئ بمظهر آخر من مظاهر التجريب عند ولوجه لعالم الرواية، إذ تأتي افتتاحيّة الرواية صادمة، حين يستهلّ الكاتب روايته استهلالًا غير مألوف، فيقوم بتسجيل بطاقة صوتيّة رقم 12، يوم الاثنين 19 نيسان، عام 2021، فجر السابع من رمضان، ثمّ يجعل لها عنوانًا هو "في سبيل الرواية"؛ فتشكّل هذه البداية صدمة للقارئ، وتقوّض كلّ ما يفترضه من توقّعات، فهو لم يعتد على مثل هذه البدايات في السرد التقليديّ المألوف، ليدرك فيما بعد أنّه أمام رواية جديدة تحمل نكهة مغايرة عن المعهود، وممّا تجدر الإشارة إليه في هذا السياق أنّ الراوي، على ما يبدو، حيّدَ بعض بطاقاته ابتداء من بطاقة رقم (1) وحتّى بطاقة رقم (11)، ولم يوردها في روايته، دون أن يدرك القارئ سبب ذلك، إنّما قد يتكهّن أنّها بطاقات لا تضيف الكثير لمضمون الرواية، وقد يكون هناك سبب آخر  لصنيعه هذا لا ندركه.

**

لا يقتصر تواصل نور مع صديقه السجين مراد على هذه البطاقات وما يليها من ملاحظات، فيسعى للتواصل معه عبر الرسائل التي يهرِّبها إليه بين سطور الكتب التي يزوّده بها، إنّها "كلمات كتبها بقلم رصاص باهت وبخطّ صغير حتّى لا يعثر عليها السجّان أثناء تفحّصه الروتينيّ للكتاب؛ ليتأكّد من خلوِّه من أيِّ خطر وجوديّ قد يزلزل أمن كيانه. كتابة الرسائل بهذه الطريقة كان قد علّمه إيّاها مراد عندما قام هذا الأخير باستغلال عمليّة استبدال الكتب الجديدة بالقديمة، أثناء الزيارة الشهريّة، لتبادل الرسائل السرّيّة" (الرواية: 22)، ومثل ذلك يفعل صديقه مراد في ردّه على رسائل نور، يقول الراوي العليم: "أخرج (أي نور) الكتابين بسرعة ولهفة من الكيس: الأوّل "الحياة مفاوضات" لصائب عريقات، والثاني رواية "ذاكرة الجسد" لأحلام مستغانمي، ثمّ أخذ يقلِّب الصفحات إلى أن عثر على الرسالة بين سطور رواية مستغانمي، رسالة خطّها مراد بخطِّه الأنيق الذي لطالما حسده عليه نور"(47)، بذلك يوظّف الكاتب تقنيّة الرسالة في روايته؛ ليضمن تواصل الصديقين معًا، وفي هذا خروج عن السرد التقليديّ، إضافة لتأكيد تعدّد الأصوات في الرواية لتغدو رواية بوليفونيّة(Poly Phony) .

تجمع رواية "قناع بلون السماء" بين البحث العلميّ التاريخيّ وبين الرواية، إذ تؤكّد البطاقات التي يسجّلها نور في هاتفه الخلويّ الاتّجاه البحثيّ العلميّ، إضافة لما يصرّح به نور (بطاقة 12) عن فشله في تقصّي وإثبات السيرة التاريخيّة لمريم المجدليّة، مشيرًا في تضاعيف الرواية إلى كمٍّ من المصادر التي اعتمدها في بحثه، وقد عزّ عليه أن يُحيل جهده الدؤوب خلال أكثر من خمس سنوات، باحثًا في عالم المجدليّة التاريخيّ والدينيّ هباء منثورا، ليقرّر إعادة قراءة البيانات والمعلومات التي أعدّها لبحثه، كي يثبت ترّهات دان براون في روايته"شيفرة دافنشي" وعدم إتاحة الفرصة أمام دان للتطاول على المجدليّة وسرقتها منه، لعدّة أسباب من أهمّها: الحضور الباهت وشبه المعدوم للمجدليّة في متون التاريخ الرسميّ، والتاريخ المسكوت عنه(11-12). يعلن الراوي (نور)، بعد إعلان فشله المذكور، عن محاولته كتابة رواية، يقول: "بعد كلّ هذا الاستنزاف والإرهاق والانفصال عن الواقع سأحاول فعل الرواية، سأرتكبها بكلّ ما أوتيت من مرّة أولى وتخيّل، سأردّ على الخيال بمثله وأكثر، فما التاريخ في النهاية سوى تخيّل مُعقْلن!"(12). وفي هذا تلميح للفرق بين البحث العلميّ والرواية التي تقوم على الخيال  (Fiction)بينما يقوم البحث العلميّ على الواقع والحقيقة مع توظيف الخيال في بعض الأحيان، وفي هذا مظهر آخر من مظاهر التجريب التي تعتمدها الرواية.

يعتمد الكاتب مصادر عديدة حاضرة في نتاجه هذا، الأمر الذي يعكس فكره الموسوعيّ، وهو يتحرّى حقيقة مريم المجدليّة، ويعلن عن حاجته لمزيد من البيانات، فيلجأ ليستقي بياناته من منابع الفكر الدينيّ المسيحيّ  ككتاب أسرار الغنوصيّة المسيحيّة والأناجيل الأربعة الإزائيّة(مرقس، لوقا، متّى، ويوحنّا) التي تتحدّث عن أكثر من مجدليّة ومريم، ثمّ يستنتج من قراءتها أنّ المجدليّة هي شخصيّة واحدة(54). لا يكتفي الكاتب بهذه المصادر بل يسعى للبحث في المصادر غير الإزائيّة التي تمّ إسكاتها وإقصاؤها عن متن النصّ المقدّس، وهي الأناجيل الغنوصيّة التي أبرزت حضور المجدليّة في حياة يسوع، ودورها المحوريّ في حياته، كما يظهر في إنجيل فيليب، مشيرا إلى عزمه على كشف كيفيّة العثور على الأناجيل الغنوصيّة العرفانيّة في قرية نجع حمادي الواقعة على ضفاف النيل شماليّ الأُقصر، وهي 52 إنجيلًا كانت مخبّأة في جرّة فخاريّة منها أجزاء من إنجيل مريم المجدليّة، إضافة إلى إنجيل فيليب وإنجيل توما، وعدد من الرسائل والوثائق الغنوصيّة(69). هكذا يسخّر الكاتب هذه المصادر للوقوف على حقيقة المجدليّة وكتابة رواية يردّ بها على دان براون صاحب رواية شيفرة دافنشي، وفي هذا ملمح تجريبيّ واضح، إذ يستقي معلومات حقيقيّة وأخبار واقعيّة يضمّنها روايته التي تقوم على التخييل كما عهدنا في الروايات التقليديّة، كما يتّخذ من روايته منبرًا يردّ عبره على ما جاء في كتاب دان براون، كما سنبيّن لاحقًا.

يتيح الراوي لقارئه المشاركة في إنتاج روايته، فحين يقرّر كتابة الرواية يتساءل: "لكن، كيف سأكتب الرواية؟ وما الأسلوب الذي سأعتمده؟ وما عنوانها؟ وهل سأتمكّن من نشرها في هذه البلاد عديمة الأدب والنشر؟"(12)، ممّا يدفع القارئ لمشاطرته التفكير، كما يشتمّ رائحة النقد المنبعثة من الاقتباس  لهذه البلاد وموقفها السلبيّ من الأدب ونشره. ثمّ يذكر ما شجّعه على كتابة الرواية قائلًا: "إنّ اطّلاعي الأخير والمكثّف على مجموعة من الروايات والدراسات الأدبيّة النقديّة، عزّز لديّ هذا التوجّه الروائيّ، غير أنّني بحاجة إلى لغة مرهفة متينة؛ لكي تحمل سيرة المجدليّة الروائيّة"(12). بعدها يعلن عن تأثّره برواية أليف شافاق "قواعد العشق الأربعين" في اتّخاذه مسارين زمنيّين؛ زمن الماضي التاريخيّ، وزمن الحاضر، مصرِّحًا أنّه أسلوب سلس وانسيابيّ، يناسبه كثيرًا(12). ثمّ يعلن عن أبطال روايته؛ البطل الرئيس واسمه نسيم شاكر، وإلى جانبه بطلة صحافيّة أو باحثة تاريخيّة، وهما زميلا دراسة جامعيّة، ثمّ يجعل مريم  المجدليّة بطلته الرئيسيّة في المسار التاريخيّ للرواية، وإلى جانبها عدد من الرسل والتلاميذ، أهمّهم بطرس ويوحنّا ولاوي، وشخصيّة محوريّة متخيَّلة هي سمعان الأعرج، أهمّ مريدي المجدليّة ومن حلقتها السرّيّة الخاصّة، أمّا التعيين الزمنيّ والتاريخيّ للرواية فهو بعد صلب يسوع وظهوره الأوّل في رؤيا المجدليّة(13). وفي موضع آخر من الرواية يشير إلى أنّه لن يناقش في روايته تاريخيّة المجدليّة وعدمها، بل سيعالج بيانات تاريخيّة ودينيّة خاصّة بها، ويحيلها إلى نصٍّ روائيّ شائق ومثير(113).

**

يعرض الراوي بعض أفكاره وتصوّراته عن الرواية التي يعزم على كتابتها، فيقرّر أن تشكّل ثورة باركوخبا أحد الأطر الأساسيّة للجانب التاريخيّ في الرواية متأثّرًا ببحثه المميّز  عن هذه الثورة الذي أنجزه في مشروع تخرّجه من الجامعة، وكثيرًا ما يتراجع عن تلك التصوّرات معلّلًا عدم استساغته للتصوّر الذي قدّمه، كتصوّره لكنز مدفون يخصّ مريم المجدليّة في قريتها مجدلة الواقعة على الشاطئ الغربيّ لبحيرة طبريّة، أو في كنيستها على سفح جبل الزيتون، والكنز عبارة عن صندوق عاجيّ صغير الحجم، فيه تماثيل صغيرة لشياطين المجدليّة السبعة، أو قارورة عطر الناردين الفاخر الذي سكبَتْه على يسوع، وقد يحتوي الصندوق على ضفائرها التي مسحت بها قدمي يسوع(35-36)، لكنّ الراوي يتنازل عن هذا التصوّر لما فيه من ضعف، يقول: "لا يوجد حضور مباشر  للمجدليّة فيه. ثمّ ما الغرض من نحت تماثيل للشياطين؟ وكيف سيكون زمن السرد؟ بالماضي أم الحاضر؟ وما هو دور نسيم ومرام فيه؟"(36- 37). ثمّ يقول عن تصوّر آخر  أنّه لا يعجبه، لما فيه من نقص(46)، ليصل فيما بعد للتصوّر الذي يرتضيه(49 – 50)، إذ يصفه بأنّه "تصوّر واعد، يمكن العمل على تطوير حبكته وتزويده بقصص فرعيّة وافتراضات أخرى، وهذا ما يتطلّب منّي إعادة قراءة ومراجعة بيانات تلك الفترة التاريخيّة، إضافة إلى حسم مسألة زمن السرد. وعليه، فمن المفضّل أن يكون زمن السرد هو الحاضر المعاصر ضمن خطّة محكمة ذات طابع بوليسيّ لن أنكر استلهامه في بعض أجزاء الرواية من تقنيّات دان براون"، إنّ هذا الصنيع الذي يقوم به الراوي لهو أمر جديد على السرد الروائيّ، فيه من التجريب ما فيه، إذ يُظهر تردّد الراوي في كيفيّة كتابة روايته، ثمّ يحكم على تصوّره الأخير بأنّه واعد، وبذلك يغري القارئ بقبوله، إضافة لتوضيح النهج الذي يسلكه في روايته، وزمن السرد الملائم لها، معترفًا على الملأ أنّه يستعير بعض تقنيّات دان براون رغم أنّه يكتب روايته ردًّا على رواية دان براون "شيفرة دافنشي" كما تقدّم.

يتّخذ الكاتب من روايته منبرًا يردّ عبره على دان براون، كما أشرنا أعلاه، محاولًا إثبات نظرته هو، لتُضْحيَ الرواية ندوة أدبيّة أو مؤتمرًا صحفيًّا، الأمر الذي يعكس مظهرًا تجريبيًّا جديدًا، يعرض كلّ كاتب من خلالهما ما يؤمن به من أفكار، وعن ذلك يقول الراوي العليم واصفًا (نور) وما دار في ذهنه من أفكار: "أشعلته قدرة الخيال الجبّارة على الإطاحة بالتاريخ عن متن الحقيقة والمعقول، فهل كان يتخيّل دان براون التاريخ أم كان يخاتله؟ ما الذي فعله بالمجدليّة؟ ما الذي فعله بنور حتّى يدفعه إلى البحث طيلة السنوات الخمس الماضية في سيرة المجدليّة؟ لماذا ينتزع كاتب أجنبيّ المجدليّة من سياقها التاريخيّ الجغرافيّ الفلسطينيّ ليُلقي بها في مهاوي الغرب؟ لماذا؟"(24). وفي موضع آخر يورد الراوي نظرة دان براون مقابل نظرته هو حول التلميذ المحبوب ليسوع، فيقول: "غير أنّني أفترض بعيدًا عن رؤية دان براون المختلّة في رواية شيفرة دافنشي، التي يقضي فيها بأنّ طرحة العشاء الأخير لليوناردو دافنشي تُشير إلى المجدليّة أو الكأس المقدّسة التي تحفظ دماء يسوع الملكيّة المقدّسة. أفترض أنا الآن التلميذ المحبوب بكافّة تجلّياته الإنجيليّة والإنجيليّة الغنوصيّة، ما هو إلّا مريم المجدليّة"(124- 125). لا يكتفي الراوي بالقول إنّما يذكر ما يثبت صحّة رأيه اعتمادًا على أحد النصوص الغنوصيّة الواردة في إنجيل مرقص السرّيّ، كما يشير فراس السوّاح في كتابه "ألغاز الإنجيل"(125)، ومثل ذلك كثير (انظر ص 108 – 109).

تشمل الرواية مقاطع حواريّة فانتازيّة بين نور وقناعه، أور شابيرا، إنّها مقاطع حواريّة متخيّلة بين شخصيّة حقيقيّة هي شخصيّة نور الشهدي وبين شخصيّة وهميّة هي شخصيّة أور شابيرا التي تتراءى لنور عندما يرتدي قناع أور، يتحدّث أور مع نور بلغة متعالية تعكس ما يحسّه نور في حياته الواقعيّة، وفي كلّ مرّة يتّخذ حوارهما منحى جديدًا أو متكرّرًا، فتارة يتحاوران حول قبول نور للبعثة، أو سبب وكيفيّة انتحال شخصيّة أور، علاقة نور يأيالا شرعابي، وعلاقة الأخيرة بسماء إسماعيل، توسّل نور لأور حتّى لا يكشف عن حقيقته، العلاقة بين اليهود والعرب في هذه البلاد، حرب الاستقلال وانتزاع البلاد من سكانها الأصليّين بعد قتلهم أو تهجيرهم عام 1948، الصراع بين العرب واليهود على حيّ الشيخ جرّاح في القدس، واعتداءات اليهود المتكرّرة على أهالي الحيّ العرب، هكذا يلتقي القارئ بكلّ هذه المضامين عبر الحوار الوهميّ بين نور وأور، وما هي إلّا مجرّد أفكار كانت تدور في ذهن نور، عرضها الراوي بهذا النهج الحواريّ مخترقًا بذلك أسلوب السرد التقليديّ من خلال توظيف هذه الآليّة التجريبيّة.

يستقي الراوي معلوماته من مصادر موثوقة كما تقدّم، ويعمد إلى توضيح أيّ مصطلح يحسّ بغموضه، مبيّنًا معناه، أو معلّقًا ساخرًا من أمر ما، فحينما يذكر رواية "أولاد الغيتُّو" لإلياس خوري، يهتمّ بالبحث عن أصل الاسم ومعنى كلمة "غيتُّو"، يقول الراوي: "لأتفاجأ أنّ أصلها اسم مصنع لصناعة المدافع الحربيّة يقع في مدينة البندقيّة بإيطاليا، أقامت بجانبه جالية يهوديّة في عام 1516 فدرجت العادة على القول إنّ اليهود يسكنون بجانب غيتُّو، ومع الأيّام أصبحوا يسكنون في الغيتُّو . . ولكن ماذا لو كان اسم المصنع باولو أو أنطونيو مثلًا؟ فهل كان اليهود سيقيمون في الباولو أو الأنطونيو؟ وهل كان إلياس خوري سيُطلق على روايته اسم أولاد الأنطونيو؟"(46). ومثل ذلك ينهج عندما تعنّ له لفظة "اللّجون" فيقول: "وقد درجت العادة على أن يرافق الفيلق والمعسكر عدد من العبيد والسكّان المحلّيُّون للقيام بخدمة الجنود وتأمين احتياجاتهم، وهذا ما أدّى إلى نشوء تجمّع سكّانيّ أهليّ عُرف باسم "لجيو" نسبة إلى كلمة ليجون الرومانيّة، التي تعني بالعربيّة: فيلق. ومع انسحاب الجيوش الرومانيّة والفيلق السادس تحديدًا من المنطقة في القرن الثالث الميلاديّ باتت لجيو مدينة، واشتهرت باسم مدينة مسيميان أو مسيميانوبوليس طيلة العهد البيزنطيّ، ثمّ أصبح اسمها في العهد العربيّ الإسلاميّ اللّجون"(163). إنّ هذا الأمر، وهو البحث عن أصل الكلمة في اللغة يعمل على إيقاف تسلسل السرد، ويزوّد القارئ بمعلومات جديدة عن كلمة ما أو مصطلح يشكّ الراوي بمعرفته له، لتصبح الرواية أشبه بمعجم لغويّ يبحث في معنى الألفاظ ويتحرّى أصلها، ليُطلع القارئ عليها وهو أيضًا مظهر تجريبيّ آخر يضاف لما تقدّم آنفًا.

ومثل ذلك ما يكتشفه القارئ عن شغف الكاتب/ الراوي باللّغة والبحث عن أصول الكلمات، وعقد مقارنات بين عدّة لغات للفظة معيّنة، مثلما يَرِدُ في سؤاله لصديقه مراد عمّا يقابل كلمة قناع بالعبريّة، ثمّ يجوز للحديث عن نفس اللفظة باللّغة الإنجليزيّة، فيقول: "إنّها تشبه في لفظها ومعناها الرديف بالإنجليزيّة ماسك Mask وتُلفظ بالعبريّة مسخا؛ فإذا قمنا برشّ قليل من العربيّة عليها، فستُلفظ مَسِخ، والمسخ بالعربيّة تعني المشوّه الملامح"(229)، بذلك يقطع الراوي تسلسل السرد ليدخل في هذه الملاحظات اللّغويّة التي تؤكّد مرّةً أخرى اتّجاه الرواية التجريبيّ.

في موضع آخر من الرواية يناقش الراوي بعض المصطلحات الأدبيّة ويُبرز الفرق بينها، كالفرق بين الحكي والكتابة، يقول الراوي مخاطبًا صديقه مراد: "فهل تعلم أنّ هناك فرقًا بين الحكي والكتابة؟ طبعًا أنت تعلم. الحكي كلام والكتابة كلمات. ولكن يوجد فرق آخر شاسع. . فرق شهرزاديّ يا مراد. فالحكي حياة. أنا أحكي إليك كي أحيا مثل شهرزاد التي صمدت أكثر من ألف ليلة في وجه الحلّاد الشهرياريّ الذكوريّ. واجهته بحكاياتها. الحكاية هي الكأس المقدّسة. . وأنا سأحكي يا صديقي"(131). علاوة على توضيح الفرق بين الحكي والكتابة، فقد سعى الراوي إلى استحضار نصّ قديم (تناصّ) ليبيّن أهمّيّة الحكي الذي واظبت عليه شهرزاد فضمنت بقاءها في الحياة، لذلك يعلن الراوي أنّه سينهج نهجها ويحكي ليضمن حياته، فالحكي حياة، كما يقول الراوي أعلاه، زد على ذلك أنّه يعبّر عن رأيه الرافض لما اقترفه الجلّاد الذكوريّ بحقّ جمهور النساء، ممّا يُشعر بتوجيه النقد لتصرّفات شهريار التي تعكس الاستعلاء الذكوري.

يقف القارئ في كثير من مواضع الرواية حائرًا متسائلا عمّا يفعله الكاتب/ الراوي في توظيفه لمريم المجدليّة، حياتها، تعدّد الروايات عنها، علاقتها بيسوع وتلاميذه، وخاصّة علاقتها الشائكة مع التلميذ بطرس وسببها، ونحو ذلك، فيتساءل ما علاقة مريم المجدليّة ببطل الرواية نور الشهدي؟ ولماذا يضني الكاتب نفسه باحثًا عن مصادر  متنوّعة حول المجدليّة وإلى ماذا يرمي؟ أو ما هو الرابط بين المجدليّة والقضيّة الفلسطينيّة؟ تجيب الرواية عن كلّ هذه التساؤلات في تضاعيفها التي تذكر أنّ المجدليّة امرأة فلسطينيّة آمنت بيسوع الذي أخرج الشياطين من جسدها، فصارت أتبع له من ظلّه(54)، وقد حظيت بمكانة مرموقة عند يسوع لتغدو  تلميذه المحبوب ممّا أثار حقد بعض تلاميذه، وخاصّة بطرس الذي لم يكن مؤمنًا بقدرة المرأة على رئاسة الكنيسة(135)، ناهيك بمحاولات المؤلفين والباحثين قديمًا وحديثًا لتشويه صورة المجدليّة أمثال دان براون الذي يذكره الراوي متصدِّيًا له بقوله: "لن أسمح لدان براون وكلّ الكؤوس المقدّسة التي شُربت بصحّة رواية "شيفرة دافنشي" أن يتطاولوا على المجدليّة بترّهاتهم ويسرقوا سيرتها منّي"(11)، هكذا شوّهت صورة وسمعة المجدليّة من قِبَل مقرّبيها وزملائها التلاميذ، كما شوّهت حديثًا من قبل الباحثين والمؤلّفين الذين حاولوا تغييب مكانتها ودورها في حياة السيّد المسيح أمثال دان براون، كما شوّهت الحقيقة وما أصاب الشعب العربيّ الفلسطينيّ في نكبته واستمرارها إلى يومنا هذا نتيجة تشريده من بلاده وتآمر المقرّبين عليه، بذلك تتضافر وتتعانق الأحداث التاريخيّة والدينيّة القديمة مع الأحداث التاريخيّة ومجريات الساعة لتفرز نفس المصير الذي عانت منه المجدليّة والشعب الفلسطينيّ كذلك، وعليه تظهر حياة المجدليّة، وما حصل من تهميش وتهشيم لمكانتها في حياة يسوع، معادلّا موضوعيًّا لنكبة الشعب العربيّ الفلسطينيّ وما حصل معه من تزوير  لحقيقة ما جرى، وهذا ما أشارت إليه المتطوّعة البلجيكيّة نيكول في سؤالها، بعد ما سمعته من حديث ناتان عن كهف البالماح في كيبوتس مشمار هعيمق، والغابة الكبيرة التي زرعها سكان الكيبوتس لمتعة أبنائهم، إذ تسأل: "ماذا عن هذه الحجارة، سيّد ناتان. . إنّها تشبه بقايا بيوت، أليس كذلك؟"(209)، ممّا أثلج صدر نور لكشف ادّعاءات ناتان الكاذبة وقد ردّ على تساؤلها قائلًا: "هذه آثار قديمة يا عزيزتي. . هل نسيت أنّك على أرض التوراة والعهد القديم؟"(209)، تردّ عليه نيكول أنّها خبيرة آثاريّة يمكنها معرفة إن كانت الحجارة توراتيّة أم أنقاض قرية عربيّة مهجّرة في حرب استقلالهم، يرفض ناتان كلامها معلنًا أنّهم لم يهجّروا أحدًا، لكن بعضهم فرّوا في ذروة المعارك ولم يعودوا. لم تقتنع نيكول بإجابة ناتان وهمست: ثمّة فرق هائل ما بين الهجرة هربًا وبين التهجير قسرًا(209- 210)، وفي هذا ما يعلن عن سقوط الرواية الأسطوريّة الإسرائيليّة عمّا جرى عام النكبة.

يلتقي القارئ بنماذج أخرى تفنّد الأسطورة الإسرائيليّة لما جرى عام 1948، منها ما دار من حوار بين نور وقناعه أور شابيرا حول اسم كيبوتس مجدو أم اللّجون، وهو الاسم الذي يصرّ عليه نور قائلًا: "بل اللّجون. إنّها قرية بأكملها مدفونة أسفل أقدامكم . . يا إلهي، كم أنتم بارعون بإزالة آثار الجريمة يا رجل؟! باللّون الأخضر . . بالأشجار . . أينما وُجدت الأشجار في بلادي فتلك نكبتي"(177)، وفي هذا تلميح لمسألة زرع الأشجار  في كلّ منطقة يريدون إخفاء معالمها الحقيقيّة، ممّا يذكّر بصنيع الروائيّ أ. ب. يهوشوع في إحدى رواياته التي يكشف فيها عمّا قام به اليهود من أعمال للتستّر على الحقيقة وإخفاء آثار الشعب الفلسطينيّ في البلاد، إذ قام بقطع لسان بطله الفلسطينيّ الذي كان يسكن في تلك الغابات ليعجز عن الإخبار بما تحوي الغابة تحت طيّاتها الخضراء، وقد أجاب يهوشع عندما سُئل عن الأمر قائلًا: "لو أنّني منحته لسانًا لأفصح عن خفايا الغابة، ولما قام بحرقها لتظهر القرية المهجّرة، أنا لم أشأ له الكلام، بل الفعل عبر إحراق الغابة"(212).

حاول نور الشهدي الوصول إلى أيّ دليل مادّي يؤكّد وجود مريم المجدليّة في قرية اللّجون (مجدو، أو قرية مسك العطّار) دون جدوى، رغم الجولة التي شارك بها  في مجدو، وقد عثر على بئر مسك العطّار، وبقايا مقام إسلاميّ، هو مسجد إبراهيم المبنيّ على صخرة مدوّرة، تبيّن له أنّه مقام مسك العطّار حفيد سمعان الأعرج، مريد المجدليّة السرّيّ، وهناك تنشّق رائحة الناردين المنبعثة من أعماق البئر(199)، فاستحوذ الأمر على فكره، ليغرق في رحلة حلميّة، نعتبرها مقوّمًا تجريبيًّا بارزًا، فيقف جانب البئر، يتدلّى داخله، ويعثر على كوّة ينتزعها، يزحف داخل دهليز مظلم ضيّق، يرى بابًا عليه سبع مشاعل متوهّجة، يسمع أصداء ترانيم، يطلّ نحو غرفة مقبّبَة تحوي قناديل مشعّة في فضائها الذي يعبق برائحة عطر الناردين، يتوسّط الغرفة حشد متحلّق حول هيئة آدميّة مجلّلة بثوب حريريّ أبيض فضفاض، زادته سحرًا الضفائر السوداء المنسدلة على كتفي ووجه صاحب الهيئة، إنّه صوت أنثويّ رقيق ينبعث منها، يرنّم ترنيمة لم يدركها نور، خدّرته رائحة العطر وإيقاع الحلقة المكوّنة من بضع عشرات من مريدي ومريدات تلك الهيئة المتربّعة في مركز الحلقة، دقّق بها، فرفعت رأسها نحوه، وجمعت ضفائرها وراء ظهرها لتحدّق به بوجه يعرفه نور الشهديّ جيّدا، كانت تشبه سماء إسماعيل، ثمّ فغرت فاها لينبعث من جوفها نور أبيض ساطع أطاح به عن أجواء الحلقة، والممر، والدهليز، والكوّة، وقعر البئر، وليجد نفسه خارج البئر يصرخ صرخة الانبعاث من رقاده(213-215). وبذلك يوظّف الراوي تقنيّة الحلم مجسّدًا كلفه بالمجدليّة التي استحوذت على فكره، وليخفّف عن كاهل بطله نتيجة ما واجه من معاناة في بحثه عن مقوّمات الرواية التي يبغي كتابتها، ليصرّح مع نهاية الرواية بفشله، إذ يقول: أظلمت آفاق روايتي المجدليّة، وحلّت محلّها تجلّيات سماء(228).

يستقي الكاتب/الراوي أدواته التجريبيّة من حقول معرفيّة كثيرة، فيوظّف السينما كآليّة تجريبيّة وذلك عندما يشير لرواية "شيفرة دافنشي" التي قرأها نور، ذاكرًا أنّه كان قد شاهدها فيلمًا سينمائيًّا من بطولة توم هانكس(24). وفي موضع آخر يستطرد نور في ملاحظته لمراد عن اسم أور شابيرا قائلًا: "إلى أن تعثّرْتُ باسمي الأفضل في المعطف الجلديّ: شابيرا. . أور شابيرا. . ليرافقني الاسم مثل الجوكر. بالمناسبة، هل شاهدت فيلم الجوكر لجواكين فينيكس؟"(69- 70). ويعود الراوي عند حديثة عن رؤيا يوحنّا اللّاهوتيّ لذكر السينما مظهرًا إعجابه بتلك الرؤيا، فيقول: "يا لهول هذه الرؤيا التي يعجز أبرع المخرجين السينمائيّين عن إخراجها فيلمًا! . . لا. . لا. . هذا حكم متسرّع من قِبَلي، فقد يستطيع جيمس كامرون أو بالأحرى بيتر جاكسون الذي أخرج سلسلة الأفلام الشهيرة "Lord of the rings" من إحالة الرؤية فيلمًا مشوِّقًا ومرعبًا"(210-211).

يوظّف الكاتب/الراوي بعض الأفكار من عالم الأساطير ملمّحًا لأسطورة طائر الفينيق الذي ينبعث من رماده بعد احتراقه معلنًا تجدّد حياته، إذ يقول في حديثه عن نور: "أمّا نور فلا يرغب بمثل هذا الفراغ. نور سيلد أباه وأمّه منه. سيلد هويّته، سيستعيد ذاته، سيحرق قناعه . وسينبعث من رماده. يسترجعه من تأمّله وهواجسه"(76- 77). يعود نور ملمّحًا لنفس الأسطورة في ملاحظته لمراد بشأن حرق الغابة فيقول: "لم أكن لأحرق الغابة في تلك اللحظات التي كنت أتجوّل فيها مترجمًا وسائحًا . . إنّما كنت أودّ لو أحرقت نفسي وقناعي، لعلّي أنبعث من بين الرماد كسماء . . سماء إسماعيل يا صديقي"(212). بذلك يسخّر الراوي الأسطورة لخدمة روايته، إضافة لما يدلّ على سعة اطّلاعه على المنجز الحضاريّ والأدبيّ عامّةً.

وبعد؛ اعتمادًا على ما فصّلنا من مظاهر التجريب وتقنيّاته في رواية الكاتب الأسير باسم خندقجي،ّ "قناع بلون السماء"، يمكن الخلوص إلى نتيجة تفيد أنّ التجريب يشكّل مقوِّمًا أساسيًّا في معمارها، إضافة لمقوّمات أخرى لم نتناولها لكثرة من صالوا وجالوا في عالم هذه الرواية، بذلك تشكّل هذه الرواية علامة فارقة في عالم الرواية العربيّة عامّةً والفلسطينيّة خاصّةً، ممّا جعلها جديرة للفوز بجائزة البوكر العربيّة.

)

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية