أيّا خالد، أيّها الصديق الذي استعجل الرحيل، لا أدري، هل أرثيك أم أرثي نفسي بفقدك، وهل أُعزّي أهلك وأحبابك أم أعزّي نفسي بغيابك، ولكنّي أبدا لن أبكيك، أكره أن تكون الدموع تعويضا عن أمثالك وأنا واثق أنّي ملاقيك ولو بعد حين.
نعم لقد مررتَ من هنا يا خالد ... من شعاب هذا الوطن ودروب هذه الحياة التي توصل إلى القلوب. نعم مررت ولم يكن مرورك أيّ مرور، والطعم الذي تركته لم يكن أيّ طعم. كان حلوا مميّزا، ما زلتُ رغم ألم الفراق أتلمّظ حلاوة اللقاء وطعم مرورك البهيّ، أتلمّظ بهما رغم سكاكين الألم وقسوة رحيلك الذي باغتني بطعم جديد للعلقم، وكأنّني وإيّاك لم نكن نعرف هذا الطعم الذي عشناه وما زلنا نعيشه ويعيشه شعبنا كلّ يوم وكلّ ساعة، في هذه الأيام التي لا نعرف للحياة فيها طعما آخر. كيف لا ونحن نقف أمام كلّ ما يحدث عاجزين عجز الموت! ولكن رغم كلّ المرارة التي عشناها وما زلنا، أسعدني تفاؤلك وإيمانك بأنّنا يجب ألّا نفقد الأمل حتى آخر لحظة في حياتنا؛ فلماذا استعجلت الرحيل يا خالد وكنّا تواعدنا على لقاء قريب؟
لماذا استعجلت الرحيل يا خالد؟ يا أخي وصديقي الذي تعرّفت إليه قبل أقلّ من عام، ولكنّنا في لقاءاتنا القليلة تصرّفنا وكأنّ أحدنا يعرف الآخر منذ ألف عام. جمعنا الاحترام المتبادل والمحبّة الأخويّة الصادقة. اتّفقنا في كثير من مواقفنا رغم اختلاف انتمائنا السياسيّ. ورغم اختلافه، اتّفقنا في يأسنا من كلّ تيّاراتنا السياسيّة الفاعلة في الساحة، ومن برامجها التي لم تفضِ إلى شيء، ولم نستطع تحديد منظور قريب أو بعيد يُمكن أن تفضي فيه إلى شيء.
بفقدك يا خالد، شعرت أنّي أفقد عالما كاملا اكتشفته صدفة، ولكنّه مرّ كالحلم، اختفى فجأة ليُضيف انكسارا إلى انكسارات روحي المعذّبة أصلا، فما الذي سيُعزّيني بعد رحيلك؟ ما الذي سيُرمّم انكسار روحي إن لم يكن حضورك البهيّ الباقي في بحر إنجازاتك الهادر.
صحيحٌ أنّها فترة قصيرة تلك التي قضيناها معا، ولكن هل تُقاس العلاقات بين الرجال المحترمين الأوفياء بالسّاعات أو الأيام أو السّنين، أم بمتانة ذلك الرابط العظيم الذي يولد في لحظة ما بينهم، رابط الصداقة الصادقة المنزّهة عن المنافع والمصالح والميول. ذلك الرابط الذي يضع الإنسان على المحكّ، فإمّا أن يسمو به الإنسان وإمّا أن يسقط شرّ سقطة. سموْنا ولم نسقط يا صديقي يا خالد.
آلاف الرجال مرّوا لم أشعر بهم، ومنهم ما زالوا يمرّون، وأنت في أشهر قليلة تشاركنا فيها معا طعم العذاب والألم، تركت لي ما يجعلني لا أفقد الأمل، فقد طغى طعم مرورك الذي لا أجد له وصفا يُنصفه، على طعم علقم الفراق. مرورك البهيّ يا خالد، كرّسك شعلة نور دائمة الحضور في عوالم الظلام.
وبالرغم من إرثك العلميّ والأدبيّ الذي تركته فجعلك عصيّا على الغياب، سأفتقدك كثيرا يا صديقي، وسيفتقدك اتّحادنا، "الاتّحاد القطريّ للأدباء الفلسطينيّين"، الذي لم أحتج لكبير عناء لإقناعك بالانضمام إليه، فزدتنا شرفا وقوّة بهذا الانضمام الذي أسعد كلّ طاقم الإدارة حين حدّثتهم عنك.
في لقاءاتنا القليلة بدأنا نرسم خطوطا قد نتلمّسها معا في طريقنا الجديد، ولكنّ القدر لم يُمهلنا يا أخي، فلماذا استعجلت الرحيل يا خالد؟!
حين يسألني أحد أعضاء الاتّحاد أو أحد الأصدقاء، عنك وعن سبب اهتمامي بك وبعلاقتي بك كأخ وصديق وعضو في اتّحادنا، تعجز الكلمات أحيانا فأكتفي بالإشارة إلى صفحتك في موقع "الحوار المتمدّن"، وهو ليس أيّ موقع، وهي ليست أيّ صفحة، أحضّهم على قراءة ما فيها من علم وأدب يحملان بذور إبداعك ومكنونات فكرك التقدّميّ النيّر. تلك الصفحة الثريّة، أبهرتني وجعلتني اعترف أمامك ذات لقاء، بسوء حظّي الذي حال دون معرفتي بك منذ زمن بعيد. ولكن في رحلتنا القصيرة عرفت السبب، إنّه تواضعك يا صديقي. كنت مثالا للتواضع يفتقده معظم كُتّابنا ومثقّفينا في هذه الأيّام التي تَغرق وتُغرِقنا معها في الظلام.
وأحيانا أيضا، حين يسألني أحدهم، أكتفي بالإشارة إلى لقائنا الأول الذي تمّ مصادفة في بيتك العامر، يوم الجمعة، الرابع من تشرين الأول 2024، وكيف أنّني سُررت أيّما سرور بهذا اللقاء، أوّلا لأنّني نهلت من بحور علمك ومعرفتك، ثم أهديتني "أغنية للضوء"، ديوان شعرك الوحيد الذي أصدرتَه رغم أنّ لديك الكثير من القصائد التي تستحقّ النشر. وثانيا لأنّني أهديتك روايتي الجديدة، "النهار بعد ألف ليل"، وهي رواية يفوق عدد صفحاتها الخمسمائة صفحة، ورغم ذلك، قبل قدوم يوم الجمعة التالي، كنتَ قد قرأتَها وفاجأتَني بمقال كتبتَه حولها، مقال قصير لكنّه شديد العمق والكثافة، ويتمتّع بموضوعيّة لا تُحابي صاحب النصّ مهما كان قريبا منّا.
وأكثر من ذلك، في لقاء تالٍ، وكانت صديقتي الفلسطينيّة النصراويّة المغتربة في كوبنهاغن، المترجمة سوسن كردوش قسّيس، بعدما حدّثتها عنك، قد حمّلتني أمانة، أن أهديك بعض أعمالها التي ترجمتْها عن الدنماركيّة إلى العربيّة؛ في ذلك اللقاء حملتُ لك الأمانة وبلّغتها أصحابها، ففاجأتَني مرّة أخرى. خلال بضعة أيّام فقط، أرسلت لي مقالا موضوعيّا آخر، كتبتَه حول ترجمات سوسن كردوش قسّيس. وبدوري أرسلتُه لها فور وصوله إليّ، فطارت هي فرحا بهذه المفاجأة وهذه الاستجابة السّريعة والموضوعيّة في آن.
في لقائنا الأخير، الذي لم يخطر ببالنا أنّه سيكون الأخير، حاولنا استكمال بعض الخطوط التي بدأنا برسمها معا، أخبرتك إنّني سأغيب شهرا خارج البلاد، ولكن فور عودتي سنتّفق على موعد تقدِّمُ فيه محاضرة لأعضاء اتّحادنا، تتحدّث فيها حول موضوع "الذكاء الاصطناعي"، هذه التكنولوجيا التي غزت عالمنا حديثا وما زال معظمنا يجهلها، ويجهل ما تحمله من نوايا خبيثة وأهداف استعماريّة بوجه جديد، ولكنّك أنت كنت تُدركها، وكنت تفكّر بعمق: كيف يمكن لنا أن نجيّر استخدام هذا السلاح الموجّه ضدّنا، وتلك التكنولوجيا التي يُحاربوننا بها، بشكل يُفيد مجتمعنا وشعبنا بل والإنسانيّة جمعاء. وحاولتَ يومها أن تشرح لي كيف للإنسان إذا أحسن استخدام تلك التكنولوجيا وبرامجها، أن ينتصر عليها وعلى أربابها، وأن يتحرّر بدون حاجة إلى السلاح التقليديّ الذي يُستخدم في الحروب التقليديّة. قلت لي: "يستطيع الإنسان أن ينتصر ويتحرّر وهو جالس أمام حاسوبه، عدوه الصديق، أو صديقه العدو، لأنّ حسن استخدامه لهذا السلاح، التكنولوجيا، سيقوده إلى استقلاله عن أربابها الذين قصدوا بها السيطرة على أقدارنا وفرض هيمنتهم علينا".
فهل لمثلك بعد كلّ هذا أن يغيب يا أخي؟! لا لن تغيب! ودعني في نهاية هذه الكلمات التي مهما طالت لن تفيك حقّك، دعني أؤكّد حضورك بتقديم شكري العميق الذي تعجز كلّ الكلمات عن التعبير عنه، شكري لتلك الإنسانة المثقّفة، والأخت الرائعة التي كانت سببا في تعارفنا، عضو اتّحادنا الكاتبة والباحثة راوية شنطي، أخت زوجتك المصون، فهي التي وجّهتني إلى ذلك اللقاء الذي لم يكن في الحسبان، والذي كان مفروضا له أن يستمرّ دقائق معدودة على أكثر تقدير، أُسلّم بها أمانة وأستلم أخرى، ولكنّك وزوجك المصون، فاجأتماني بما فاق كلّ توقّعاتي، استقبالكم الحارّ بوجوهكم البشوشة وبدعوتكم الصادقة لدخول البيت واحتساء القهوة. وكان اللقاء الأوّل، وتلته لقاءات، قليلة لكن كلّ واحد منها بحجم العالم. فشكرا عزيزتي راوية. كلّ الكلمات عاجزة.
وكان اللقاء وكان الحضور، واستمرّ الحضور بعد الرحيل والغياب. استعجلت الرحيل يا أخي يا خالد! غاب الجسد وبقيت الروح، وبقي الأثر الخالد فبقيت أنت عصيّا على الغياب.
نعم، "لقد مررت من هنا ... وكان لذلك طعم".







.png)


.jpeg)



.png)

