يمثّل ديوان صحوة الروح للشاعرة علا عمر خطيب محطة نضج واضحة في تجربتها الشعرية، بعد عبق الأنين (2005) وزرقة أمل (2019). وإذا كان ديوانها الأول يطغى عليه الوجع الداخلي والبكاء الصريح، والثاني يفتح نافذة على فسحة الأمل والضوء، فإن صحوة الروح يتجاوز الاعتراف الفردي إلى خطاب إنساني وروحي عميق، يمزج بين البوح الذاتي والهمّ الجمعي، وبين الحزن والرجاء.
تفتتح الشاعرة ديوانها بلغة الاعتراف الممزّق كما في «ريح التشتت»: «التشتت يوهن روحي / يكاد تماسكها ينهها»، لتكشف عن روح تبحث عن تماسكها وسط صراع داخلي بين الصمت والبوح. وفي «الابتسامة الحزينة» يتجلّى التناقض بين المظهر والباطن: «أضحك وفي زوايا عيوني دموع / وأخفي تعب قلبي بصوت مرفوع». هذه الثيمات المبكرة في الديوان ترسم صورة للروح المنكسرة، لكنها لا تستسلم للهزيمة.
فالقصائد سرعان ما تفتح أفقًا للأمل، كما في «تفاؤل»: «أنا سعيدة… أملك الكثير الكثير / رغم الوجع الكبير الكبير». ثمّ تصل التجربة إلى ذروتها الروحية في قصيدة «صحوة الروح»، حيث يتحوّل الانكسار إلى يقظة روحية: «عادت لعالم الحقيقة / عادت لربّها / فأهداها سلامها الداخلي». وفي «النصير» نجد يقينًا صوفيًا عميقًا: «إذا الناس عنك تخلو / فربّ السماء لا ينام ولا يغيب».
إلى جانب البعد الروحي، يقدّم الديوان أصواتًا جريئة لقضايا المرأة، كما في «مُطلّقة» التي تتحوّل إلى صرخة تحرّر من الوصم الاجتماعي: «أنا لست ناقصة / بل ناجية..!». وفي «الأم الأحادية» يتجلّى ملحم الصبر والاحتضان، بينما تدين «همس القلوب المكسورة» العنف الأسري بصدق وجرأة. هذه النصوص تضع الديوان في قلب التجربة الشعرية النسوية الفلسطينية، حيث تمتزج المعاناة الفردية بالدفاع عن كرامة المرأة وصوتها.
ولا يغيب البعد الوطني والذاكرة الجمعية؛ ففي «وطن الحبيبة» يتجلى الوطن بوصفه الحبيبة المسلوبة: «يا وطني، كنتَ لي أغلى من الروح / لكنّهم أخذوكِ». كما تحضر فيروز في قصيدة «فيروز… رفيقة العمر» رمزًا للطفولة والذاكرة والحنين. أمّا نقد الواقع المعاصر فيظهر بوضوح في «وهم الفلاتر»، حيث تدين الشاعرة الزيف الافتراضي: «يعيشون خلف زجاج ملوّن / وجوه تلمع كالقمر المصنوع».
أسلوبيًا، يعتمد الديوان على الشعر الحر والنثر الشعري، حيث تغيب القوالب الوزنية التقليدية، لكن تتشكل موسيقاه من التكرار والإيقاع الداخلي والوقفات المتقطعة. الصور الشعرية فيه بسيطة وشفافة، لكنها مشحونة بطاقة وجدانية عالية، مثل: «كزهرة تخترق الجليد» (مختلف)، و*«ضحكتي قشرة صبر على وجه نار»* (الابتسامة الحزينة). هذه البساطة لا تُفقر النصوص، بل تمنحها قربًا من القارئ وصدقية في التعبير.
إن صحوة الروح بهذا كله ليس مجرد ديوان شعري، بل هو رحلة وعي وصحوة: من الانكسار إلى المقاومة، من الحزن إلى الرجاء، ومن الزيف الاجتماعي إلى الصفاء الروحي. وإذا كان عبق الأنين قد مثّل صوت البداية، وزرقة أمل صوت البحث عن الضوء، فإن صحوة الروح هو صوت النضج والتحرّر، حيث تضع علا خطيب تجربتها الشعرية في أفق إنساني وروحي رحب، وتؤكّد أن الشعر قادر على أن يكون أداة بوحٍ وشفاءٍ ومقاومة في آنٍ معًا.







.png)


.jpeg)


.png)

