حين نتأمل المشهد الشعري الفلسطيني المعاصر، يطلّ علينا اسم الشاعر الكبير عبد الناصر صالح كأحد أعمدته الراسخة، وكنجم يشعّ بضياء خاصّ يفيض بالمعنى والرؤيا.. إنّه شاعرٌ استطاع أن يحوّل التجربة الفلسطينية، بما تحمله من جراح وآمال، إلى نصوص تتجاوز حدود المباشرة إلى فضاء رمزي عميق، حيث تتعانق الحكاية بالأسطورة، والذاكرة بالدهشة، والواقع بالحلم، لتنتج قصيدة تعيش في الوجدان العربي والإنساني على حدّ سواء.
تشكّل تجربة عبد الناصر صالح الشعرية، عبر عقود من الإبداع، رصيداً فكرياً وجمالياً لا ينضب؛ فقد حمل قضايا الإنسان الفلسطيني والعربي في قلبه وقلمه، وارتقى بالنص ليكون أكثر من سردية وطنية، بل خطاباً إنسانياً شاملاً يصغي لصوت الأرض، ويستحضر التاريخ بكل أبعاده الرمزية، ويمنح القصيدة طاقة البقاء في مواجهة الغياب، لذلك لم يكن غريباً أن يصبح صالح عنواناً للشعرية الفلسطينية الحديثة، ونقطة ارتكاز في فهم تحولات القصيدة المعاصرة وقدرتها على إعادة تشكيل الوعي الجمعي.
ومن هنا تأتي أهمية كتاب "الرمزية في شعر عبد الناصر صالح" للباحثة المتميزة ندى زبيدي، الذي يعدّ إضافة نوعية إلى المكتبة النقدية الفلسطينية والعربية، ففي هذا الكتاب، لم تكتف الكاتبة بالوقوف عند حدود القراءة التقليدية للنص، بل غاصت في أعماقه، مستكشفةً رموزه وطبقاته الدلالية المتعددة، ومظهرةً كيف استطاع الشاعر أن يحوّل الرمز إلى أداة فنية تحمل المعنى وتعيد تشكيل الواقع برؤية جديدة.
لقد قرأت زبيدي القصيدة بوصفها كياناً حيّاً يتنفس المعنى، وينهل من الإرث الثقافي والإنساني، ويعيد إنتاجه في سياق معاصر يتماهى مع وجع الوطن وطموحه إلى الحرية، ويمثّل هذا الكتاب احتفاءً بالقصيدة الفلسطينية المقاومة التي لم تتوقف يوماً عن مواجهة العدم بالوجود، والظلام بالضوء، والخذلان بالأمل، وهو أيضاً شهادة وفاء لشاعرٍ كرّس حياته لتأصيل دور الشعر كفعل وعي وجمال في آنٍ واحد، وفي الوقت نفسه، يشكّل الكتاب إضافةً نقدية جادّة في مقاربة النص الشعري الفلسطيني من زاوية رمزية، تكشف عن ديناميته الداخلية وصلته بالثقافة والتاريخ والهوية.
إنّ عبد الناصر صالح شاعرٌ يجيد الإمساك باللغة كما يمسك الحرفيّ بأدواته الدقيقة، يصهرها في فضاء الإبداع ليقدّم نصاً مشحوناً بطاقة الحياة، مضمّخاً بالعاطفة الصافية، وراسماً صوراً تحلّق عالياً من دون أن تفقد جذورها المتينة في الأرض، ولعلّ هذا الكتاب الذي بين أيديكم، إذ يضيء هذا العالم الشعري الفسيح، يفتح أمام القارئ أبواباً جديدة للقراءة والفهم، ويؤكد أنّ النص العظيم لا يستنفد مهما تعدّدت القراءات والمقاربات.
إننا أمام تجربة شعرية لا تقاس بزمنها بل بعمقها وقدرتها على البقاء، وأمام دراسة نقدية رصينة أبدعتها ندى زبيدي، تضعنا على تماس مباشر مع جوهر الشعر ومع نبل الرسالة التي يحملها المبدع الفلسطيني في هذا العالم المزدحم بالتحديات.
فلنفتح هذه الصفحات إذن بروح من يُنصت إلى صوت الأرض والإنسان، إلى قصيدةٍ حملت فلسطين في وجدانها كما يحمل العصفور ضوء الفجر في جناحيه.
.jpeg)





.jpg)







