زحفُنا إلى تل أبيب
كنا نتجهّز في المنزل للخروج إلى مظاهرة تل أبيب، لوقف الجريمة والعنف، المظاهرة التي تجاوز عدد المشاركين فيها السبت الماضي 31.1.26، بحسب التقديرات، خمسين ألف متظاهرة ومتظاهر. وإذ بطفلتي التي لم تتجاوز بعد السنوات الخمس، تطلب منّي أن أكتب على اللافتة التي سنرفعها "إحنا أولاد فلسطين"، فاجأتني، فقد كنت قد تحايلت عليها سابقا مدّعية أني سأكتب عبارة "بدنا نعيش"، وذلك لأني لم أرد أن أشغل قلبها الصغير بالمخاوف، وأكشف لها بأن إسرائيل تقتلنا، وبأن هذا بالذات ما سأذهب لأقوله في تل أبيب، وفي كل مكان.
نعم، إحنا أولاد فلسطين، تاريخها وأرضها وتراثها وشعبها، وهذه حقيقة تخفق فينا. ولهذا اختار كثيرون أن يتظاهروا متوشّحين بالحطّة الفلسطينية، وهو خيار واع وليس عشوائيًّا، لكن لماذا خفتت أصوات الهاتفين عندما ردّد أحدهم هتافا يحمل اسم غزّة؟ بعدما صرخوا مردّدين قبله ببرهة "ما منهاب ما منهاب، إسرائيل دولة إرهاب"؟! شعرت لحظتها، لحظة سماع كلمة "غزّة" بأنّ الهامات والعيون تسقط أرضا، والأصوات تتصادم مع الهواجس وتتقهقر لتصبح مجرّد همس داخلي، أو عتاب قاس وموجع، يذكّر بهيمنة العجز والضعف والخوف، وترهيب الدولة الحقيقيّ.
فيما كان الهدف الجوهريّ من تظاهرة تل أبيب، الهدف من الزحف الشعبي والخروج إلى الشارع، هو المضيّ قدما نحو نزع بطانة المهابة والرعب من أدوات الدولة الفاشيّة التي تبطش بشعبنا، وتكبت أنفاسنا وأصواتنا، وتقمع حريّاتنا وخياراتنا وطموحاتنا. هذا ما ذهب بي وبعائلتي وأصدقائي ورفاقي وأبناء شعبي الى هذه المظاهرة، ففي قرارتنا جميعا نفهم ذلك، لأننا عشنا جميعنا معًا، معنى الانكسار في امتحان الالتحام الأكبر مع بنات وأبناء شعبنا الفلسطيني عندما واجهوا الإبادة في غزّة منذ عامين ونصف، وما زالوا يواجهون الإجرام الإسرائيلي كل يوم في قطاع غزّة وفي الضفّة الغربيّة أيضًا، ولم نستطع حينها أن نملأ شوارعنا بالغضب وبالمظاهرات، ولذلك أسباب موضوعيّة تتعلّق مباشرة بنهج دولة الإبادة الفاشي مع "مواطنيها" العرب، أي نحن.
مسافة الاحتجاج بين الإبادة وحرب الجريمة
السؤال الآن إن كان ما قمنا به من احتجاج ضد الحرب هو أقصى ما كنّا نستطيع إنجازه، سؤال غير مجدٍ، لأن مجرّد طرحه لا يعيد عجلة العمل والتأثير إلى الوراء، ولأن الإجابة عنه ستنشغل مجددا بتوصيف وتفصيل وتفسير حالة الترهيب الفاشيّة للفلسطينيين داخل الأراضي المحتلّة عام ثمانية وأربعين، بالترافق مع الإبادة الوحشيّة التي كانوا يشهدونها ويشاهدونها ضدّ أهلهم في غزّة، بالبثّ المباشر، من قبل الدولة التي يعيشون داخلها، ولها سطوتها المباشرة عليهم في كل شيء تقريبا! وبالترافق أيضًا مع الحالة الإقليمية التي صدّرت بالشكل العام، شعورا عميقا بالهزيمة.
أمام حالة التعبئة والتنظيم الشعبي التي نشهدها في الأسابيع القليلة الأخيرة إزاء قضيّة استفحال الجريمة ومكافحتها، أسمح لنفسي بتجاوز ذلك السؤال المرّ، لماذا؟ ليس لأنه غير مهمّ، وإنما لأنّ حالة التعبئة اليوم هي مظهر للإجابة العمليّة عنه، وهي قفزة شجاعة نحو الأمام، قد تشكّل نموذجا للسلوك الشعبيّ الوطنيّ الذي قد يسحق الثقب الأسود المعتم، أي حالة العجز أمام الإبادة، ويتلافى الوقوع بها في امتحانات حتميّة سيحملها المستقبل.
ولأننا الآن، خصوصا بعد ما عايشناه خلال الحرب، بحاجة إلى استعادة الثقّة بأنفسنا. بحاجة إلى استعادة أصواتنا وقوة تنظيمنا ووحدتنا، بحاجة إلى استعادة طاقاتنا وأدواتنا النضاليّة وهيبتنا الشعبيّة وشحنها من جديد، بحاجة إلى استعادة حيّزنا العام وشوارعنا، حتّى في تل أبيب، في قلب رمز المستعمرة الصهيونيّة والإسرائيليّة الأكبر.
هذه الاستعادات المستحقّة لما نمتلكه أساسا، كما أفهمها، يكمن في جوهرها ومحصّلتها اللازمة: تثبيت وتعزيز هويّتنا الوطنيّة القوميّة العربيّة الفلسطينيّة.
أمّا على اعتبار أن ثنائية المواطنة المدنيّة في إسرائيل والهويّة القوميّة الفلسطينيّة للمواطنين العرب، هي مصيدة شائكة تحمل ازدواجيّات وتناقضات عديدة، يضطّر المواطن العربيّ إلى الخوض بها في يوميّاته المعيشيّة كما في نضالاته الاجتماعيّة والسياسيّة، فإنّه لزام علينا أن نواصل كفاحنا الشعبيّ ضدّ الجريمة ومسببّاتها الحقيقيّة بعيون مفتوحة، وبصيرة وطنيّة واعية لحقيقة التغيّرات الحادّة التي كشفت عنها حرب الإبادة، حول ماهيّة المجتمع الإسرائيلي، والقيادات الإسرائيليّة عموما من اليمين الى ما يسمّى اليسار الصهيوني.
برهنة القتل
إنّ النضال لدحر الجريمة وفضح مسبّباتها العضويّة، من سياسات إسرائيليّة مخطّطة وممنهجة ومتواطئة، تهدف إلى حرف بوصلتنا الشعبيّة عن النضالات التاريخيّة، التي كنّا نخوضها ضدّ الاحتلال والتمييز العنصري، وتهدف إلى إغراقنا في الإحباط والعدميّة المجتمعيّة والوطنيّة، وإلى دفعنا نحو الهروب والخلاص الفرديّ، هو في هذه المرحلة نضال "إعادة الإعمار والترميم" الذاتيّ لمجتمعنا الفلسطينيّ في الداخل. مجتمعنا الذي فتكت به وكبّلته الجريمة المنظّمة الداخليّة، ولكن فتكت به إسرائيل أكثر، من خلال تواطؤ مؤسّسات الدولة ذات الصلاحيّات والإمكانيّات الواسعة بتطبيق القانون، وملاحقة المجرمين ومحاسبتهم، والقضاء على خلاياهم. بل أكثر من ذلك، فالدولة على مدار نحو عقدين، قد تساهلت وغضّت الطرف عن هؤلاء المجرمين، وعن تسريب الأسلحة والذخيرة إليهم من خلال الجيش، ولا نستبعد مطلقا أنها تشغّل عملاءها لافتعال الجرائم في الأوقات والمواقع التي تختارها أجهزة استخباراتها، ومراكز أبحاثها الأمنية، من أجل العبث والضغط أكثر على مجتمعنا وإشعال الفتن الداخليّة فيه.
فهل نتساءل رغم ذلك، إن كانت إسرائيل تقتلنا حقّا؟ إنّ المسألة ليست مجرّد تعبير مجازيّ عاطفيّ، بل هي واقع ملموس.
إسرائيل "الدولة" هي المسؤولة مباشرة ليس فقط عن موتنا الماديّ الحسيّ برصاص جرائم القتل في مجتمعنا، أو برصاص شرطتها في زمن بن غفير وأزمان أسلافه، إنّها تقتلنا ببطء "على السكت" عندما تصادر حريّاتنا، وحقوقنا الجماعيّة الوطنيّة القوميّة، بالممارسة وبقوانين الأبرتهايد كقانون القوميّة وغيره، وعندما تهيمن سرديّاتها الصهيونية على كتبنا، من كتب التاريخ الى الجغرافيا فاللغة فالمدنيّات وغيرها، عندما تقضم أراضينا وتهدّم منازلنا بذرائع مخالفتنا لقانون البناء العنصري، وتدخلنا في دوّامات الإجهاد النفسيّ والاجتماعيّ والإفقار، عندما تضيّق على طلابنا خريجي الجامعات الفلسطينيّة والأجنبيّة، عندما تمنعنا من إحياء ذكرى نكبتنا، عندما تتعالى علينا في إعلامها التحريضيّ، وتحرمنا من إعلامنا التحرريّ، عندما تجحفنا في جميع مخطّطات وميزانيّات التطوير والرفاه المدفوعة بأموال ضرائبنا، عندما تتصيّد مواقفنا السياسية وتحاسبنا عليها وتحبسنا بسببها، وتغذي "صيد الساحرات" في المجتمع الإسرائيلي ضدّنا لينشئوا محاكم ميدانية لزملائهم العرب في كل مكان.
إسرائيل، تقتل فينا الأمل، والأمن، والحقّ بالعيش كما نحب ونريد، وإسرائيل هذه تقتل أبناء شعبنا في كل مكان، تقتلهم وتفتك بهم فعليّا، حسيّا، مباشرة، وتمثّل وتنكّل بجثثهم، وتختطفها، وتنبش قبورهم.
ثمّ تتهمنا بالإرهاب عندما نحمل صوتهم ونقف مع وجعهم، ونحزن لموتهم!
نضالنا ضد الجريمة، سيرمّم ما كسرته فينا هذه الدولة المتجبّرة، وترميمنا ذاتيا هو أكثر ما نحتاج إليه اليوم لتعزيز قوّة تأثيرنا السياسيّ، إن كان على مستوى القضايا المدنيّة الآنيّة الحارقة، أو القضايا القوميّة الوطنيّة ببعدها الاستراتيجيّ. وهي عمليّة ترميم وبناء متشابكة وطويلة، ستولد وتكبر في طورها أجيال جديدة من بناتنا وأولادنا، أولئك الأطفال الذين اصطحبناهم معنا إلى تل أبيب لأننا نخاف على مستقبلهم، ولا نريد له أن يسرق منهم، ولأننا نخاف على وطننا، ولا نريد أن يسرق منّا، أو أن يسرق منّا أكثر.
إنّ حضور هذا العدد الهائل من آلاف الأطفال مع أهاليهم في تل أبيب وقبلها في سخنين، كما في مسيرات العودة ويوم الأرض، هو مقولة سياسيّة ناضجة، وهو قرار من ينظر إلى المستقبل هنا في هذه البلاد، وليس مهاجرًا منها، بعيدًا عنها.
هل مقاسنا مدنيّ أم قوميّ ؟
في تل أبيب حملتُ جملة "إسرائيل تقتُلُنا" بالإنجليزية وبالعبريّة، كاتّهام صريح للدولة وللمجتمع الإسرائيليّ الذي يتساوق مع سياساتها ضد الفلسطينيين، سرت بها في الشارع، متظاهرة بين عشرات ألوف المتظاهرين، وكنت كلّما اهتزّ ساعدي أرفعها أكثر، كمن ينتزع سدّادة كانت عالقة في الحلق، بحصة، بل حجرا يجثم على الصدر، إذ لا يمكن أن أفسّر ما نعيشه من قهر وظلم وإجرام منظّم من الدولة وعصاباتها الكثيرة، بغير ذلك.
الحقيقة كما نراها ونعيشها ونشعرها، يجب أن تقال، وهذا تحدّينا الكبير، لكي نئد الجريمة المستفحلة، ولكي نواجه سياسات الاحتلال والتمييز العنصري. مثل هذه التظاهرات التي تحمل بعنوانها العريض ملفّا "مدنيّا" هي المكان الصحيح – مرحليا- بل الضروري لطرح الحقيقة السياسيّة القاعديّة لما يحصل، كما نراها نحن، المواطنين الفلسطينيين، وهي المكان الصحيح لنفكّك مخاوفنا الجماعيّة من الملاحقة والقمع والاعتقال والضرب، الذي يمارس ضدنا من قبل دولة إسرائيل كلّما تظاهرنا، حتى عندما نتظاهر لمناهضة الجريمة.
كنت أعلم ان اللافتة التي حملتها، ولافتات سياسيّة لاذعة أخرى حملها آخرون، قد توتّر البعض، وتخيفهم من ردود الشارع الذي نتظاهر فيه، وربما قد لا تعجب البعض، بذريعة أنّها توجّه النقاش أو التضامن الى مكان آخر غير المرجو الآن لاستنهاض كل القوى والشراكات الممكنة، في معركة مكافحة الجريمة. ولكنّي كنت استشعر قوّة صوت الجماعة في داخلي ودواخلنا، صوت الجماعة الذي نُقل في أحد الفيديوهات المصوّرة من إحدى الحافلات المئة وخمسين، التي نقلت المتظاهرين من بلداتنا العربية إلى تل أبيب، صادحا بنشيد "أناديكم"، قصيدة الشاعر المناضل توفيق زيّاد التي يقول فيها "أنا ما هنت في وطني ولا نكّست أعلامي.. وقفت بوجه ظلّامي يتيما عاريا حافي".
وبما أننا لا نمتاز بذاكرة السمكة، ولم ننس ما اقترفته إسرائيل وجيشها ومستوطنوها، وما زالت، من جرائم في غزة والضفّة الغربيّة والأقصى والقدس، لم أفاجأ بأن جملة قصيرة مكوّنة من مبتدأ وخبر، ستستفزّ بعض المشاركين اليهود الإسرائيليين في التظاهرة "المتضامنين" بحسب ادّعائهم مع وجع مجتمعنا، إلى حدّ مغادرة البعض التظاهرة، كما صرّحت لي إحداهن معترضة ومستفَزّة ومحتجّة، ومستكثرة عليّ أن أعبّر عن رأيي في لافتة صغيرة، و"محمّلتنا جميلة" المواطن المستعمر الأبيض المتعاطف مع الأقليّة الغارقة في "جرائمها"!
"بسبب هذه اللافتة، أنا سأغادر التظاهرة" قالت لي، وكان جوابي الفطريّ دون تفكير ودون قلق: إذن فلتذهبي.
ثم تبعها زوجان عجوزان لا أدرى من أي بلاد هاجروا إلى بلادنا، ليقنعاني بأنهما يؤمنان بحقّي بالعيش في إسرائيل ولا مانع لديهما بذلك، بل إنهما يريدان لي أن أجد وأشعر بكينونتي فيها، ولكنّي بحسب منطقهما أرتكب خطيئة باتّهام إسرائيل بقتلنا!
زي لو بسيدر (هذا مش تمام)، على حدّ قولهما. كدت أموت ضحكا وأنا أردّ على تلك الإسرائيلية بهدوء لم أعهده عن ذاتي، لكنه بدا لي هدوء صاحب الحقّ "إنّها أرض بلادي وهذا وطني، من هنا ينبثق حقّي بالعيش هنا، وطبيعي أن أجد نفسي هنا، فهذا وطني".
طوال المسيرة، أثار الشعار من حولي النقاشات من جانب بعض اليهود ومن جانب العرب أيضا، وكان بذلك يعرّي النوايا من الأقنعة حينًا، ويحرّر الصمت من الأذهان حينًا آخر، إذ ردّدت شابات فلسطينيات على مسمعي: نعم صحيح، إذن من يقتلنا؟! أم أنهم يريدون أن يتدخلوا فيما نقول!
حتى جاءت متظاهرة يهوديّة وفاجأتني حقّا بقولها بتأثّر صادق: إنّ هذا الشعار يعبّر عنّي أيضًا، أنا كذلك أجد أنّ إسرائيل تقتلنا.
رغم أني قصدت ب "نا" الجماعة، نحن، نحن أبناء الشعب الفلسطيني أينما كنّا وتواجدنا، إلّا أنّ ملاحظة هذه السيدة التي يبدو أنها تنتمي الى القلّة القليلة الإسرائيليّة العاقلة المناهضة فعلا لسياسات إسرائيل، قد ذهبت بي إلى معنى أوسع، معنى يشتبك مع العالم كله وما يحدث في كل رقعة تناهض الاستعمار والإمبرياليّة والصهيونيّة، وبهذا ففي الواقع يمكن أن نقول بأنّ إسرائيل تقتل كل من لا يخدم مصالحها الاستعماريّة في فلسطين وفي العالم، تقتله بأدوات وأشكال متنوّعة.
من السذاجة أن نعتقد بأنّ نضالنا "المدنيّ" الضخم لمواجهة الجريمة المنظّمة سيكون نقيّا بالمطلق، ولن يستقطب أوساطا متنوّعة، ولن يُستغَلّ من قبل أوساط لا تنسجم مع طبيعته العضويّة، ومن ضمنها أوساط إسرائيليّة صهيونيّة، برزت في تظاهرة تل أبيب من خلال وجوه سياسيّة وبرلمانيّة تنتمي أو تقود أحزاب المركز وما يسمّى باليسار الصهيونيّ، والتي تبحث عن أصوات عربيّة في صناديق الاقتراع الانتخابيّة الوشيكة، وتحمّل، بوقاحة، العرب مسؤولية وصول بن غفير وسموتريتش إلى الحكم (بسبب تدنّي نسبة تصويتهم في الانتخابات الأخيرة عام 2022)، وليس فاشيّة المجتمع الإسرائيليّ التي ولّدت حكومة نتنياهو، وتبحث كذلك عن تلميع صورتها العسكريّة الحقيقيّة المفضوحة، التي دعمت حكومة نتنياهو في حرب الإبادة ضدّ شعبنا، ومجازره في المنطقة برمّتها. إنّ قرارنا ودورنا والتزامنا وإصرارنا وتحدّينا، بإبراز هويّتنا الوطنيّة خلال نضالنا هذا، الذي يتطلّب منّا الالتزام بالنفس الطويل، وعدم تأتأتنا باقتران هذا النضال وربطه بالجذور السياسيّة الحقيقيّة، المسببّة لآفّة الجريمة المنظّمة التي تجتاح حياتنا، وهي سياسات الدولة العنصريّة والاستعماريّة تجاهنا، سينتج بلا شكّ غربلة تلقائية وسريعة لمن يقف معنا في كافّة قضايانا المستحقّة ولمن يسعى إلى استغلالها باستعلاء صهيونيّ مكشوف ومرفوض، يريد به أن يفرض علينا قوالب نضالاتنا وحدود المسموح والممنوع فيها.
على هذا النضال الشعبيّ الوطنيّ النابع من أصالة مجتمعنا في الداخل وتمسّكه العنيد بحقوقه السياسيّة القوميّة، أن يعلن صراحة أمام هؤلاء، بالسلوك والممارسة والتصريح، بأن "خيّطوا بغير هالمسلّة".
هنا بالذات، في هذه النقطة الحسّاسة خصوصا، يحضر دور القيادة السياسيّة الحزبيّة، المتمثّل وحدويّا بلجنة المتابعة العليا، التي عليها أن تحمي هذا النضال من التشويه، ومن التناقض مع الطموحات الوطنيّة للأكثرية من أبناء شعبنا في الداخل، ومن استدراج نضالاتنا الوطنيّة الى ساحة الأسرلة والتمييع، والنفاق السياسي وازدواجيّة المعايير، فنحن في هذا النضال لا نسعى إلى إنقاذ "الديموقراطيّة" الاسرائيليّة المزيّفة، بل نسعى إلى إنقاذ أنفسنا من إسرائيل.
ومعنى ذلك، أنه فقط من ناهض الحرب، ورفض الخدمة في جيش الاحتلال، ورفع صور أطفالنا شهداء غزّة في تل أبيب والقدس وسط الإبادة، وتحمّل مسؤولية مواطنته كيهودي في إسرائيل من خلال اعترافه الكامل والواعي بجميع حقوق الشعب الفلسطيني، يصدق بوقوفه الى جانبنا في نضالاتنا.
لن نتوقّف عن الحياة
من الموجع جدا أن نجد أنفسنا بعد معارك البقاء والصمود الطويلة التي خضناها في وطننا بعد النكبة، نكافح على الحقّ بالحياة نفسها. هو وجع يفاقمه بغزارة وجع غزّة وجرحها المفتوح على الملح.
موجع أن يرفع أطفالنا شعارات "كفى للموت والقتل" بدلًا من أن يرفعوا حنظلة ومفتاح العودة وعلم فلسطين، وبدلًا من أن لا يضطروا إلى التظاهر أصلًا!
لكنها مرحلة مصيريّة أخرى من تاريخ تجذّرنا في هذه الأرض، ومن الجليّ أن مجتمعنا مستعدّ لخوضها، ولكي نكسبها، ونجتثّ الجريمة من بيننا، علينا تفعيل كامل ضغطنا ووزننا الشعبيّ، وبناء استراتيجية عمل وبرنامج طويل المدى والنفس، ينطلق أوّلا بإحياء الحراكات الشعبيّة التي كانت قد تبلورت في بلداتنا العربيّة قبل الحرب، وناضلت بمنهجيّة ضد تواطؤ الشرطة مع عصابات الإجرام، في حين عاقبت الأخيرة نشطاءها بالقمع والاعتقالات خلال تظاهراتهم تلك ضد الجريمة، وثم خلال تظاهراتهم ضد الحرب، كما في حالة الحراك الشبابي الفحماوي الموحّد في مدينة أم الفحم، التي كانت قد شهدت عام 2021، مسيرة قطريّة ضخمة لصدّ العنف والجريمة، تحت عنوان تحميل الشرطة مسؤوليّة التواطؤ والإهمال المتعمّد.
وثانيا بتحويل بلداتنا من أم الفحم إلى سواها، إلى ساحات تظاهرات حاشدة متواصلة، تستنهض الناس وتنشلهم من حالة اليأس، لينغمسوا في الفعل الاحتجاجي الجماعي الشامل لكافّة الشرائح والمناطق، وبإعلان بلداتنا الحرمان الاجتماعي عمّن ينخرط في الجريمة.
ثالثا، وهو ركيزة الثقل للتعبئة الشعبيّة، الضغط الشعبيّ على إسرائيل الدولة بكافّة مؤسّساتها الممكنة، أي إعلان الإضراب العام والعصيان المدني المنظّم، لشلّ ما يمكننا شلّه ولإحداث فوضى بقرار مدروس. علينا أن نحتجّ بشكل يوجع الدولة، وأن نكون مستعدّين وجاهزين وقابلين لأن ندفع الأثمان المتوقّعة، من أثمان اقتصاديّة وأثمان تنكيليّة، وهذا قد يستدعي تمهيدا تشكيل أجسام تحصينيّة. نجاح هذه الخطوة مرهون بنجاح التصعيد التراكمي في الاحتجاج والتعبئة الشعبيّة، والذي يجب أن يسير بحسب خطّة معلومة مسبقة وواضحة للقيادة وللشارع، ومحدّدة بالتواريخ، بحيث تتم هذه التعبئة على مدار أشهر وليس خلال أيام أو أسابيع قليلة، فتموت الفكرة في مهدها.
رابعا، أن يجري التحشيد والتجنيد بالأساليب التقليديّة وبشكل ميدانيّ ملموس في النوادي الحزبيّة والحلقات البيتيّة والجمعيّات الوطنيّة، وليس فقط من خلال المنصّات الرقميّة ووسائل التواصل الاجتماعي أو وسائل الاعلام، فالتعبئة الحقيقيّة بالنسبة إلى شرائح واسعة من مجتمعنا، تجري وتتحقّق من خلال التلاقي والنقاش والتفكير الجمعي، والشرح وبناء الثقة وجها إلى وجه.
إنّ المسؤولية في تحقيق الهدف ملقاة بالأساس على الأحزاب السياسيّة ومظلّتها الجامعة، لجنة المتابعة العليا، وهذه في الواقع فرصتها لاستعادة ثقة الناس بجدواها، أي الأحزاب وكذلك لجنة المتابعة.
وقد أضيف أخيرا بأنّها مسؤوليّة الأمل الذي يحمله كلّ منّا.. رغم أزيز الرصاص الذي نسمعه في أحيائنا المذعورة كلّ ليلة، رغم الشكّ والريبة، والأخبار الصاعقة بمقتل أحدهم. رغم الخوف الذي يحاصرنا، والفقدان الذي يكسر الظهر ويشلع القلب.
في تظاهرة تل أبيب، توقّفت إلى جانبي سيّدة، كانت تتّشح بالسواد، وتسير بثقل جبال من الحزن، يمسك بذراعها رجل يبدو كأنّه زوجها أو شقيقها، كان يساعدها على الخطو.. ثم أخبرتني بأنها فقدت شقيقها وابنه قبل فترة وجيزة. عند تلك اللحظة عندما أخبرتها بدوري، أنني أنا أيضًا، قبل عشرين عاما، فقدت صديقتي المقرّبة "أمل" في جريمة إطلاق نار في أم الفحم، وأنّ ذكراها ما تزال تهبّ في أنفاسي وتوجعني، عندها استوعبت بأسىً أكبر، كم من مرّة قتلتنا إسرائيل واحدًا واحدًا.
صحافية ومخرجة وثائقيّة فلسطينيّة
01.02.26





.jpg)






