ختمت مقالي الفائت بالسؤال التالي: هل صحيح أن أميركا، بمجلس سلامها الجديد، لا تريد سلاما ولا إعماراً لغزة، وأن كل الأمر وما فيه ضحك على الذقون الفلسطينية؟
الإجابة المباشرة تقول أن المقاربات الأميركية، منذ بدء العدوان على غزة وحتى الآن، لا تتضمن أفكارا أو طروحات عن مشاريع سلام تنصف أو لا تنصف شعبنا. ومن غير الممكن نسيان أن الإدارة الأميركية الحالية، وقفت أكثر من مرة، في الجمعية العامة وفي مجلس الأمن، ضد حق شعبنا في تقرير المصير والاستقلال. صحيح أن كلاما كثيرا قيل عن ما أسمي بالسلام الإبراهيمي، لكن لا أظن أن فلسطينيا عاقلا توهم أن هذا السلام سيشمل فلسطين. خلاصة القول أن مجلس سلام ترامب لم ينشأ لهذا الغرض، وأغلب الظن، ولا أقول المؤكد، أن سلاما بيننا وبين إسرائيل، يقوم على حل الدولتين أو غيره لن يجد له مكانا على أجندة هذا المجلس في المستقبل القريب. موضوع إعادة الإعمار، وهي المطروحة على الطاولة، مسألة أخرى،ولا علاقة لطرحها بحسن الأخلاق الأميركية أو بِسوئها. جرائم إسرائيل الوحشية، وإزالة الغشاوة عن عيون الرأي العام، الشعبي بالأساس، هو من فرضها على الأجندة الأمريكية، ومن دفع إدارة ترامب لمثل هذا الانقلاب في موقفها من المخطط الإسرائيلي لتصفية القضية الفلسطينية من خلال التهجير القسري للملايين الفلسطينية السبعة غرب النهر. الانقلاب المتمثل فيما سمي بمشروع ترامب وقرار مجلس الأمن 2803. ولعلنا نتذكر جميعا أن التعثر في الانتقال من المرحلة الأولى التي قسمت القطاع بالخط الأصفر، وخفضت عمليات القتل من المئات إلى الآحاد عموما، والعشرات أحيانا، إلى المرحلة الثانية التي توجب انسحابا إسرائيليا آخر، فتح معبر رفح في الاتجاهين، دخولا واسعا لِلبيوت المتنقلة - الكرفانات -، شاحنات المساعدات، وبدءا للإعمار متمثلا في البدء بإزالة الركام، هذا التعثر هو من أطلق العنان للتشكيك في النوايا الأمريكية وغير الأمريكية تجاه عملية الإعمار كلها. هنا اسمحوا لي تذكيركم ببعض البديهيات.
1- أن الأمر الطبيعي أن تعيد الدول إعمار ما خربته الحرب. المهزومة ذات القدرات الإقتصادية العالية تفعل ذلك من جيبها، والمنتصرة تلزم المهزومة بدفع تعويضات تغطي كل التكاليف أو جزءا منها.
2- في حالتنا، ولندع خراريف الالتباس عن النصر والهزيمة جانبا، لا نملك أية مقومات أو مقدرات، مالية وغير مالية، لحمل عملية الإعمار على عاتقنا. ومن نافل الكلام الحديث عن إلزام إسرائيل وأميركا بكامل التكاليف أو بجزء منها. ولا أظننا نضيف شيئا إن أشرنا إلى أن أخوتنا العرب الذين سيتحملون عبء تخصيص أكثر من مائة مليار دولار لهذا الغرض، لم ينبسوا ببنت شفة، تذمرا أو مطالبة بحق، أمام الصديقة أميركا، عن تحميل إسرائيل جزءا ولو يسيرا من هذا العبء. والأمر المثير حقا أن ترامب هو من طالب إسرائيل بتحمل عبء إزالة الركام، والمقدر بمليار دولار. والأكثر إثارة أن الأخوة العرب هم من يطالبون بفرض ضمانات أن لا تلاقي مساهماتهم ذات مصير سابقاتها: مدينة الشيخ فلان، ومدينة الأمير علان. مستشفى البلد الفلاني، ومعهد البلد العلاني. ذلك لأن المقروص يخاف من جرة الحبل كما يقول مثلنا الشعبي، مقترحات حماس عن هدنات لخمس سنوات، لعشر سنوات وعشرين سنة تبعث مثل هذا الخوف. . الخ.
3 - منذ طرح فكرة إعادة الإعمار جرى الحديث عن مخططات معدة وتكاليف مقدرة ؛ مصري، فلسطيني، أميركي،شركات مقاولة عالمية والحبل على الجرار، لم يوضع أي منها على طاولة مجلس ترامب أو أيا من لجانه، للبحث والاعتماد. لماذا؟ لأن المجلس واللجان ما زالت في طور التكوين، والمال لم يرصد منه شيء بعد. ومن البديهي أن يكون ذلك مبعثا إضافيا للشكوك، وأن يوفر مادة دسمة للمحللين وعشاق الثرثرة على صفحات التواصل الاجتماعي .
4- يبدو من متابعة تصريحات السياسيين، مداخلات المحللين، تعليقات كتاب الأعمدة، وثرثرات نشطاء التواصل الاجتماعي - السوشيال ميديا - أن هناك عدم استيعاب لحجم ورشة إعادة الإعمار. وأهم من ذلك عدم رؤية الآفاق التي سَتفتحها للأهل في غزة بصورة خاصة، ولشعبنا في الداخل والخارج بصورة عامة. من هذه الآفاق، على سبيل المثال لا الحصر، إفلات القطاع من قبضة الإلحاق بالاقتصاد الإسرائيلي، من قبضة الاعتماد على العطف الإسرائيلي بتوفير متطلبات الحياة، بدءا بشربة الماء، ومرورا بالدواء، الكهرباء، المحروقات، الطعام، العمل. . الخ. كيف؟ الجواب في المقال القادم.
5- هناك شبه إجماع عند تنظيماتنا السياسية، مثقفينا، محللينا وكتابنا، وجمهورنا العام، أن مشروع الإعمار ليس أكثر من غطاء لنوع جديد من الاستعمار الاقتصادي الإمبريالي، طليعته غزة، والرهن لعقاراتها لما بين 50 و100سنة. وعليه يكون بقاء الحال على ما هو عليه من عذاب وشقاء، وحتى بأفق انتحار لشعب بكامله، وإسدال الستار على قضيته إلى الأبد، أفضل من احتمال العودة للنزول تحت كوابيس الوصاية والاستعمار من جديد. أكثر ما يلفت الانتباه في أدلة الإثبات لهكذا استخلاص، دليل تعيين السياسي البلغاري ملادينوف مندوبا ساميا للقطاع من قبل مجلس سلام ترامب. . تسمية وظيفة ملادينوف، والذي سيكون صلة الوصل ما بين اللجنة التنفيذية لمجلس ترامب، واللجنة الوطنية لإدارة غزة، تقف وراء هذا الاستخلاص. ذلك أن القائلين بها يتجاوزون السؤال: كيف لمستعمر أن يعتمد أجنبيا مندوبا ساميا له، ينقل توجيهات وتعليمات، يقرر وينفذ، يدير ويوجه، وهو لا يملك مؤسسات وأجهزة خاصة، لفعل كل ذلك؟ ينسون أن عشر دول من بين ال19 المشاركة في مجلس سلام ترامب حتى الآن هي عربية - ستة - وإسلامية - أربعة -. ويتناسون أن كامل قوة حفظ الأمن والسلام التي لم تتشكل بعد هي عربية وإسلامية، وأن الإعلان عن تشكيلها تأخر بسبب عدم التوصل لحل موضوع سلاح حماس. كما يتناسون أن كامل جهاز الأمن المحلي، وكامل جهاز الإدارة المحلي هو فلسطيني. صحيح أن الدول العربية والإسلامية المشار لها صديقة مخلصة لأمريكا، ولكنها ليست عميلة، أو ليست كذلك بالقدر الذي يجعلها منفذة تافهة لاستعمار أمريكا لبلد شقيق.
ونصل إلى الخاتمة معاودين طرح السؤال: هل ستكون أميركا، وبالأخص إدارة ترامب، من خلال مشروعها هائل الأبعاد، والموصوف بمجلس السلام، مخلصة في تنفيذ مشروع إعادة إعمار غزة؟
جوابي هو: دعونا من إخلاص وعدم إخلاص ترامب وطواقم حكمه،حين يتعلق الأمر بنا عموما وبغزة خصوصا. إدارة ترامب مخلصة للمصالح الأمريكية، وعليه كان، في تقديري، من حسن طالعنا أن مشروع إعمار غزة هو المحفز، المحرك والمولد لمشروع تغيير النظام العالمي بأسره، والمعبر عنه بمجلس سلام ترامب، والذي سيكون موضوع مقال تالي. من حسن طالعنا لأن ترامب، في تقديري، ملزم بأن يثبت لمن يرغب في جذبهم لصفه من الدول، قدرته على إنجاز تعهداته. في تقديري أنه هنا بالتحديد لا يملك ترف تحقيق ربع أو حتى نصف نجاح. وعليه لن يسمح لإسرائيل، أو لأي من حلفاء أميركا، المس بثقة مشايعيه بأن نظامه المقترح يشكل البديل الأفضل والأنجع للنظام العالمي الحالي. هل تريدون أدلة؟ إذاً انتظروني في المقالات القادمة.







.jpg)


.png)
