دَردشَة مع الرِّوائية رجاء بكرِيّة: الرِّوايةُ مشروعُ غِوايَة

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

على شرف صدور روايتها الجديدة "بِروازُ شَوْق" جرى هذا اللّقاء بين القاص زِياد خدّاش والرّوائيّة رجاء بكريّة على صفحات جريدة الأيّام/ رام اللّه(*).

لن أنسى ذلك المساء  الذي جاءت فيه الروائية رجاء بكرية الى رام الله، كنا في منتصف التسعينيات أو أواخراها بقليل، هبط أصحابي مسرعين درجات نقابة الصحفيين حيث نادي القصة واندسوا في سيارتها، رأيتهم من شرفة النقابة، رفضت الذهاب معهم الى بيت لحم، لسبب وحيد، هو أني لا أستطيع بسهولة لقاء كاتبة مبدعة صاحبة رواية (عواء ذاكرة،) ولاحقا امرأة الرسالة، واللتان كانتا مركز  نقاشات المثقفين آنذاك، قلت لاصحابي على الدرج: أريد أن أخطط للقاء رجاء بشكل أفضل، اذهبوا وسلّموا على ذاكرتها، تلك هي عادتي، أتمهل وأتردد في مقابلة مبدع عشت في كتبه طويلا، تواصل رجاء  التي تعيش في حيفا، كتابة  وجع الانسان، والمكان، وحيرتهما معا أمام استلابات الواقع الغريب، شعرية  اللغة الروائية  هو خيارها التي ندافع عنه بشراسة، عملت في التدريس والصحافة، وصدر لها  قبل أشهر رواية (برواز شوق) عن دار ناشرون وموزعون. هنا دردشة معها.

*لا تقولي رجاء انّك لم تأتِ من الشعر. كل حرف في روايتك يفضح ذلك

لا أعرف اذا كُنّا جِئنا من مكان آخر غير الشِّعر. يُخَيَّلُ اليّ أنّنا نولدُ ونحنُ نقبضُ على قلم الرّصاص ونكتبُ قلوبنا أوّلا. والقلب ذو مِزاجٍ حرّيفٍ لا يستقرّ على حال، يبوح بمشاعرِهِ كلاما مُجنّحا. فالبوحٌ تؤجّجهُ دائما المُفردة العابرة وليس المقيمة. ويخيَّلُ اليّ أنّنا حين نقرّر ألّا نبقى شُعراء فانّنا لا نخرجُ بسهولة من دوائرهِ المزركشة، فالقلب المتقلّب بطبعِهِ لن يفتحَ بابهُ ويخرجنا من هيمنتهِ دون عقوبة. فحين نسرقُ آلامنا من بيتهِ الدّافىء ونذهب سنفهم جيّدا أنّهُ لم يُخلٍ سبيلنا تماما وأنّنا بقينا تابعين لكُلّ دفقةٍ فيه   وأنّنا مهما ابتعدنا واختلفنا على مشاريع ورق غير القصيدة سنظلّ ننبضُ بأقلامِ قلوبنا حتّى تقتنع أنّ انتشارها على مساحاتٍ بيضاء جديدة سيُعلي مقامها ويبقيها على قيدِ السّحر في بيتِ دفئها الجديد. لم أتخلّص من أنفاسِ الشِّعر في ورقي، استبقيتها كي أُبعثرَها مثلَ شَعرِ البناتِ في خصلاتِ ريحٍ لا تتعبُ من العبث.

*ما الّذي ساهمت فيه حيفا التي تقيمين فيها في تجربتك الكتابية لغة وفضاءات واسئلة.؟

يا لهذهِ العَجيبة! بمجرّدِ أن تقولَ حيفا يفِجُّ الغَيمُ موجهُ وغابَ عِطرِهِ الحارِق في الجسد، ولو كنتَ في صحراء قاحلة. ألهذا مثلا نعشقُ صحراء الرُّبعِ الخالي برغمِ أنّنا لا نعرفُ شكلَ الاقامة فيها؟ ألِأنّنا نأخذُ البحرَ والموجَ معا مَعَنا ونُسافِر؟ أم لأنّنا محروسون باسفنجٍ رخو لا يهدأ فينا هواهُ؟ الهذا أيضا لا يُرهِبُنا النّزوحُ ولا الحياة؟ هل تذكُرُ يومَ هاتفتُكَ من اخر الجليلِ في أعلى جبلٍ يمشي بسرعةِ الرّيحِ والهواء، محفوف بضربِ العواصف من جهات اللّه واستدرجتكَ الى سحرهِ قائلة، لن يهوي بكَ لا تخف محروس بعين لا تنام، صلبٌ لا يلين أو يتزحزح، وأضفتُ ضاحكة: اسمع، الرّيحُ هنا عاصمة لعواصف قلب وظيفتهُ أن يقلبَ موازين الرّتابة الّتي تركلُها أنتَ ألف مرّة في اليوم. حينَ تُداعبُ شعرَ الهواء وهوَ يُلاطفها يهتزُّ العالمُ جذِلاً ويغرق. هكذا هي حيفا شَغَفٌ لا يتوقّف، كلّما نزلتَ الى المدينة سرَقتَ فتنةَ الموجِ عن شِمالِكَ، وكلّما صَعِدتَ غرفتَ من سِحرِ اللّازورد الّذي يلمعُ على صواري السُفن وهي تستحمّ في مُلوحةِ عينيك. فوقَ ممشى الكرمل درّبتُ مخيّلتي على الحياة صيفاً وشِتاء حينَ دُختُ في جُنونِ "امرأةُ الرّسالة"، هنا أيضا استدرجتُ أبطالَ "عَين خفشة" الى حتفهِم. وهنا أيضا ناورتُ غسّان صَقِر) وهوَ يقرّر اللّجوء الى غزّة هاشِم كي يتحرّر من سِجنِ جلّاديهِ في روايتي الأخيرة "بِروازُ شَوْق". يمكِنُ للشّاطئ القريب من وادي الجِمال، برشقَةِ حنين، أن يتسلّق جسر سانت لِوي بخِفّةٍ بالغة، ويسحبَ معهُ الموجَ والرّملَ والصّدفَ. أحيانا تصعدُ معهُ سُلحُفاةٍ بحريّة عِملاقة كي تختبرَ متعةَ السّّباحة في الهواء، فيخيّلُ اليكَ أنّ الجسر مسرحٌ لعبثٍ لا يفهمهُ سوى من اعتاد أن يُلاعِبَ الغَيمَ بنجوم السّماء. لحيفا بصمة غائرة في القلب.

*في اعمالك ثمة. انقطاعات زمنية. ما الّذي يحدث رجاء أَهو يأس ام خوف ام استراحة روائي متعب؟

لا أعرف اليأس، لكنّي أفهم أن الانقطاع ضرورة لتجديد خلايا الرّغبة. الكتابة النّوعيّة يجب أن تعرف مواعيد انحسارها وتوقيت انتشارها تحت الأضواء. لا أفهم فكرة أن يقيم كاتب تحت الضّوء دون أن يحاسب قلمهُ على نسبة الانتشاء الّتي منحها عملهُ لقُرّائِهِ، وعلى رحيق الشّغف الّذي نفحهُ في عملهِ الجديد. لا أفهم أيضا ضرورة أن تسابقَ قدراتكَ ومزاجكَ كي تنهي رواية كلّ سنتين! هكذا لا يُكتب أَدب. أتتبّعُ بيوت النّمل وأنا أتأمّل كي تسخنَ المسافة على مهلِ بصيرتها، هكذا أعبّىء قريحتي وجسدي. لن يتدوّر رُصاصك قبل أن ينتشي أبطالك بنسغِ حياة تصلحُ أن تنكتب. أحتاج أن أملأ رئتيّ بالهواء ومزاجي بمخيّلة اصطادتها الصّدفة لأجلي وباعتها لهُ عن طيبِ شغف وعليهِ أن يقرّر بسرعة اذا كانت حقول الحبق الّتي يدرّبُ قلبهُ على ايقاعِ ورقِها تصلحُ ملعبا جديدا للسّحر. الرّواية مشروع غواية لا حدّ لعذوبةِ عوالمهِ تستحقّ منّا شهورا من الخربشة، ورق كثير وتجريب قدرته على احتمال انفعالاتنا أثناء لحظة السمّو تلك. الكتابة ليست رصيفا للقزقزة بل للزهوّ, لذلك لا أحاسب نفسي على الغياب لكن ألمّع ابتسامتي ومخيّلتي حين أعود لمعاكسةِ الضّوء بعمل جديد؟

*حدّثينا عن البدايات. كيف بدأت؟ من دعمك؟ من احبطك؟ واي نص طيرك إلى السماء ابتهاجا؟

لا أعرف ماذا نسمّي المرّة الأولى الّتي نُغامِرُ فيها بكلّ شيء كي تلمع أسماؤنا في عيوننا دهشةَ أن يقرأها ناقدا أو هاويا للأدب؟ ولا فكرة أن نُطرد من جنّة الحظوة أو ننال الرّضا بإعلان نصوصنا فاتحة جديدة لابداع لم يسجّلهُ قبلنا أحد! أعتقد أنّ أجمل أسماء النّقد في الأدب الفلسطيني هي من أضاءت حضوري وأشعلت حولهُ تهليلة باذخة الجمال. لكنّ الّذين لم يسعدهم وفودي الى بازار الكلمة لا يعنون ولا لأنفسهم شيئا وضروري ألّا يكونوا جزءا من الحوار، دعنا نسمّيهم عابري كلام في حقل السّطور. ربّما خانتني مخيّلتي حين جعلتني كاتبة روايات وقصص بدل أن تتركني خلف مُكبّر صوت أغنّي. في الحقيقة كان طُموحي أن أصبح مغنيّة وكنت أدرّب نفسي مرارا على الغِناء. خللّ ما في نظام الكون حدث وجعلني أنغمسُ في كتابة الشّعر في جيل العاشرة. أكتب بشغف للاهدف. لم أخطّط أن أكون كاتبة، ومع اكتشافي المُرّ أنّني مولعة بالكتابة والورق الّذي ينام في العتمة توهّجت روحي بالأمل رغم أنّ أسرتي لم تكن سعيدة بولادة شاعرة. وربّما رغبتهم في أن أتنحّى دفعني لهجوم غير مسبوق على مطالعة كلّ ما لم يقرأه سواي والرّغبة في تجريب كلّ ما لن يكتبهُ سواي أيضا. بدأتُ أعتلي المنصّات المدرسيّة وألقي شِعرا وطنيّا طبعا، لكنّ انفتاحي الحقيقيّ حدث في الجامعة هناك بدأت أنسج قصصي الأولي غير المتوقّعة.انأخذتُ لومضاتي القصصيّة حدّ اقتناعي غير المسبوق بأنّي أكتشف منجم سحر خالص الثّراء. لكن حين قصفني شِتاء "عُواء ذاكرة" عام 1995 وكتبت روايتي الأولى الّتي شجّعني على نفَسِها الرّاحل سميح القاسم فهمتُ أنّ الرّواية دولتي العتيدة. "امرأة الرّسالة" أحدثت فارقا نوعيّا ومصيريّا في مشروعي الحداثي، أردت أن أكتب رواية لا تشبه أحدا غيري. لا تخضع لقوانين، تعبر بي قرّاء وبلاد لا تشبهُ بلادي الموغلة في عتمة القوانين المشينة بحقّنا كفلسطينيّين مع وقف التّنفيذ في دولة تجعلنا غُرباء وتصرّ على يهوديّتها برغم أنّ تاريخنا بدأ قبلها. خطّطت أن يعرفني العالم العربيّ عبر خصوصيّة موقعي السّياسي. كان يهمّ أن يعرفوا أنّنا وخلافا لما نشروه عنّا في الدّاخل أنّنا أصل البدايات ولسنا خونة ولا أُجَراء. صدورها عن دار الاداب دعم حضورنا كأقليّة وكقضيّة. منها عبرت ل"عين خفشة" ودوّامة النّكبة الّتي كُتبت لأوّل مرّة على لسان أصحابها بلغةِ المشاحر ومقابر الأرقام. وأعتقد أنّ "برواز شّوق" روايتي الجديدة ستكمل تشكيل هويّتنا الفكريّة في الدّاخل كما لم يشأ سِوانا أحد.

*ثمة امرأة كثيرة في تجاربك الروائية. غاضبة باعتدال. حزينة بصمت، من هي امرأتك يا رجاء وما قصتها؟

المرأة بعينيّ مركز الكون ونسغ الحياة وتحتلّ ورقي كأجيرة ومالِكة ومَلِكَة. أُميّة ومثقّفة. ومنافسة لسلطة الرّجل في كلّ مكان وزمان. باهرة ومُحنّكة، وفكرها غير قابل للاختراق. هي من يؤثّث عالم بطولاتي وأبطالي وبدونها لا توجد رواية بعينيّ.. 

 *يُنشر الحوار بالتنسيق مع الصحيفة الزميلة

قد يهمّكم أيضا..
featured
با بكر الوسيلةب
با بكر الوسيلة
·2026-01-30 13:03:57

زهرةٌ لولدي من جُرح فلسطين

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-30 13:01:47

صمت ينطق بالكثير

featured
مفيد مهنام
مفيد مهنا
·2026-01-30 13:00:31

بدكم أولادي يخدموا بالجيش؟!

featured
زياد خداشز
زياد خداش
·2026-01-30 12:58:22

دَردشَة مع الرِّوائية رجاء بكرِيّة: الرِّوايةُ مشروعُ غِوايَة

featured
مارون سامي عزامم
مارون سامي عزام
·2026-01-30 10:49:52

في ذِكرى مرور رُبع قرن على رحيل أستاذي، الشاعر جورج نجيب خليل: ما زال ظِلَّه رفيق اللغة العربية

featured
علي هيبيع
علي هيبي
·2026-01-30 10:47:27

باعتداد وأمل وإقبال ترتاد الشّاعرة أوصاف الكيلانيّ تجربة الشّعر في باكورتها "أنّات الموج"

featured
نمر نمرن
نمر نمر
·2026-01-30 10:41:02

يا لَيْتَهُ اللِقاطُ الأخير

featured

التجديد الشعري الرمزي بين أبي تمام وإليوت