أستاذي، رحلتَ بسرعة كالشهب في فضاء الإبداع الواسع، لكن أشعاركَ وكُتُبكَ النثرية، لم ولن تفنى من ساحات الأدب، فقد غدت مرجعًا مؤثِّرًا على العديد من المبدعين... كنت رفيق اللغة العربية، فأتقنتها نحوًا وصرفًا وكتابةً، تعاملتَ معها بأناقة فائقة، وبالأخص عندما أردتَ أن تكتب شعرًا أو مقالًا، احترمت مكانتها، وقدَّرتَ أهميَّتها على المجتمع.
أذكُر الدروس التي أعطيتنا في المدرسة، فكانت غنيَّة بالتفاصيل، فيها فائدة قصوى. انحَنَت حروف اللغة العربية أمامك إجلالًا فوق بلاط رفعتكَ، عَرّفتها علو مقامها التعبيري في الأدب، صُنتها من الإسفاف، عَلّمتَ الأجيال احترام لغة الأم، كاحترامهم لأمهاتهم، إذ هذّبَتْ فكرهم... هدّأتْ من روعهم... شخّصَتْ أحاسيسهم بدقَّة. مخزون اللغة العربية الذي بداخلك عكس لنا حقيقة عشقك لها.
في أسفاركَ رافَقَتْ اللغة العربية أفكارك، وعبَّرتَ من خلالها عن انطباعاتك عن الأماكن التي زُرتها، فاكتست بالفرح... أستاذي لقد بَدَأَتْ صفحات الماضي تطفو فوق بحر الذكريات، وعادت بي إلى أيّام المدرسة الابتدائيّة "ج" في مدينة شفاعمرو، إذ كنتَ تدخل الصف، لتُعلِّمنا اللغة العربية، فكان ستار الصمت يغطي أفواهنا لما تَمَتَّعتَ به من هيبة الأب والمربي القلق على مصير كل طالب، زَوَّدْتنا بقُوت العِلْم، ليكُون لنا غذاءً ذهنيًّا كاملًا، دسمًا بالمعرفة، فَانحَفَرَ في عقولنا.
عندما كان يشرُد انتباه طالب ما عن شرحك، أدَّبْته بحكمة دون صراخ، استقيتها من تجاربكَ، مُعيدًا وعيه لمسار الإصغاء حالًا... جميع الطلاب قَدّروا مجهودك التدريسي المنهك، وسعيك الدّائم لتوطيد أسس التربية المدرسيَّة من خلال تعاملك معهم، مع أن بعضهم اعتَبَروا التعليم مجرد تأدية واجب، أمّا بالنسبة لكَ كان حقًّا أساسيًا إلزاميًّا، بلور تطلُّعاتهم العلميَّة، لأنّكَ قدَّستَ مهنة التعليم، مُضَحِّيًا من أجل أن يصل تفكير كل طالبٍ إلى مرمى استيعاب المادّة.
هيّئنا لكَ جوًّا من الانصياع لإرادة رهبتك في الصف، والأهَم أنَّكَ لم تحب استغلال ما تبقّى من الدرس للعب والمزاح، بل مرَّرت المادة بانسياب، دون أن نشعر، فبقينا مشدودين لشرحكَ الممتع لحين قرع جرس الحصَّة، ممّا يدُل على التزامك الأدبي والأخلاقي تجاهنا، خوفًا علينا من الرُّسوب، أو فشلنا في أي مجال مُسْتَقبلًا.
أذكر أنك ذات يوم كتبت على اللوح بالطبشورة، كلمة ما تفننت في كتابتها، لكنّي لا أذكرها، كانت على شكل ثعبان، واعتُبِرتَ خطّاطًا ماهرًا، فكان المعلِّمون يستعينون بكَ أثناء أوقات الفراغ، في غرفة المعلِّمين، لتكتبَ لهم على لوحات كرتونيَّة كبيرة الأمثال والأقوال. أحيانًا كنتُ أراكَ مشغولًا بالتَّحدُّث مع زملائكَ، كم كانوا يسعدون بوجودك بينهم لسعة ثقافتكَ ودعابتك اللطيفة. لم تتقاعس أبدًا عن حضور أي مناسبة، فنَظَمْتَ القصائد حسب طبيعتها سواء المُحزِنَة أو المُفرحَة.
كان إلقاؤك مشهودًا له بصوتكَ الجهوري الرخيم، هذه عظمة الإلقاء الشعري، حتى لو كنت متوعكًا قليلًا، لكن المرض لم يقف مرة عائقًا أمام إرادتك الصلبة... لم تدعه يفرض عليك أمر إطاعته، بل نهرته ليتركك وشأنك... سنين عديدة تداعت فوق سطح طفولتي، وما زالت مهابة شخصيتك ماثلة في ذاكرتي، ظِل ابتسامتك يُظَلِّل مسيرتي، لم أنسَك يا أستاذي، لأن ملامحك لم تتغير علي منذ آخر لقاء لي معك، حينها كنتَ واقفًا منتظرًا قدوم الحافلة، أثنيت على كتاباتي في الصحف، قائلًا لي: "إلى الأمام"، فأنرتَ دروب ابداعاتي الشاقة بنور الدَّعم، فوثبت الشجاعة في سريرتي على المضي قُدُمًا في الكتابة، وعلَّقت شهادتك على صدري مثل وسام فخر واعتزاز من أستاذ قدير في الأدب.
أرجو أن تقبل شهادتي المتواضعة، كم وددت أن أُسمعك إياها، لأنّكَ تستحقها كما استحققت كل التكريم والاحترام في حياتكَ ومماتكَ. نعاك زملاؤك الأدباء... نعاك معلّمو المدارس... نعتك مفردات اللغة العربية... نعاك المجتمع العربي بمرثاة الوداع الأليمة، بكتك لآلئ حروف اللغة أسى وحسرة... وفي إحياء ذكرى مرور ربع قرن على رحيلكَ، ما زلتَ حاضرًا بقوّة في وجداننا، كتاباتكَ وقصائدكَ ما زال لها ثقلٌ أدبيّ، كما ما زال لشخصيَّتكَ في هذه الأيّام ثِقَل كبير على الشُّعراء الجدد.
.png)





.jpg)



.png)