الإرهاب الداخلي لإدارة ترامب: الفوقية العرقية، عنف الدولة، والاعتداء على الديمقراطية

A+
A-
الصورة الملتقطة بواسطة هاتف محمول تظهر أشخاصا خلال مشاركتهم في احتجاج في مينيابوليس بولاية مينيسوتا الأمريكية في 24 يناير 2026. (شينخوا)

الصورة الملتقطة بواسطة هاتف محمول تظهر أشخاصا خلال مشاركتهم في احتجاج في مينيابوليس بولاية مينيسوتا الأمريكية في 24 يناير 2026. (شينخوا)

-هنري أ. جيرو، هو مفكر وأكاديمي أمريكي، يشغل حاليًا كرسي "ماكماستر للبحث في المصلحة العامة" في قسم الدراسات الإنجليزية والثقافية بجامعة ماكماستر، وهو كذلك الحاصل على لقب "الباحث المتميّز باولو فريري في التربية النقدية". وتشمل أحدث مؤلفاته: رعب غير المتوقَّع (2019)، وفي التربية النقدية (الطبعة الثانية، 2020)، والعرق والسياسة وتربية الجائحة: التعليم في زمن الأزمة (2021)، وتربية المقاومة: ضد الجهل المُصنَّع (2022)، والانتفاضات: التعليم في عصر السياسة المضادّة للثورة (2023).

الولايات المتحدة واقعة تحت حصار، لا بفعل عدو خارجي، بل بفعل إدارة دونالد ترامب، التي حوّلت الحكم نفسه إلى شكل من أشكال الإرهاب الداخلي في خدمة دولة تقوم على تفوّق العِرق الأبيض. وأقصد بالإرهاب الداخلي استخدام الترهيب والعنف، بإذن من الدولة، ضد السكان المدنيين، بهدف تأديب المعارضة، وترسيخ التراتبية العرقية، وتطبيع الخوف بوصفه أسلوبًا للحكم.

عملاء مقنّعون في مركبات غير معرّفة، يرتدون عتادًا ميدانيًا ويعملون خارج أية سلطة قانونية يمكن التعرف عليها، باتوا يجوبون الشوارع، يختطفون الناس ويعتدون عليهم، وفي بعض الحالات يقتلونهم. المواطنون وغير المواطنين على حد السواء يُعاملون كمن يجوز قتلهم. لقد انهار العقل وحكم القانون، ليحلّ محلّهما الاستخدام العاري لعنف الدولة دفاعًا عن سياسة فصل عنصري.

هذا نظام انقلب على شعبه. يحكم عبر الإخفاء القسري، والرعب، وتطبيع القسوة وجعلها ممارسة يومية. لم يعد الأذى والبؤس والعنف والقتل انحرافات عن المعايير الديمقراطية؛ بل غدت هي المعايير نفسها. ففي منطقة مينيابوليس وحدها، تورّط عملاء فدراليون خلال الأسابيع الأخيرة في عدة حوادث إطلاق نار أفضت إلى القتل، من بينها جريمة قتل وقعت في 7 كانون الثاني/يناير بحق رينيه نيكول غود، البالغة من العمر 37 عامًا، وهي أمّ ومواطنة أمريكية، أُصيبت برصاص عميل من وكالة الهجرة والجمارك (ICE) خلال عمليات إنفاذ فدرالية. وقد أثار مقتلها موجة واسعة من الاحتجاجات والغضب على مستوى البلاد، مع مطالبة بالمحاسبة والعدالة. وسعت إدارة ترامب إلى تبرير القتل عبر وصم غود بأنها "إرهابية داخلية"، في توظيفٍ مسيّس للمصطلح بهدف التهرّب من المساءلة وقلب معنى عنف الدولة رأسًا على عقب.

بعد وقت قصير من وفاة غود، التُقطت مجددًا مشاهد مصوّرة في مينيابوليس تُظهر عملاء فدراليين يستخدمون قوة قاتلة ترقى إلى إعدامٍ علني. ويُظهر المقطع رجلًا تحيط به مجموعة من الضباط، يُدفع أرضًا، ويُطلق عليه الرصاص مرات عدة بينما كان ممدّدًا بلا حراك أمامهم. وأكد مسؤولون محليون أن الحادثة أسفرت عن مقتل أليكس جيفري بريتي، البالغ من العمر 37 عامًا، وهو ممرض في وحدة العناية المكثّفة كرّس حياته لرعاية المحاربين القدامى. وقد شكّل ذلك ثالث حادث إطلاق نار على يد عملاء الهجرة الفدراليين في المدينة خلال بضعة أسابيع فقط، ما عمّق الغضب الشعبي إزاء ما يصفه منتقدون بعنف غير خاضع للمساءلة من قبل هؤلاء العملاء. ومرة أخرى، ورغم تعدد مقاطع الفيديو التي توثّق عملية القتل، بما في ذلك مقطع يُظهر عنصرًا من حرس الحدود وهو يأخذ سلاح بريتي قبل مقتله، زعم نظام ترامب مع ذلك أن أحد العملاء أطلق النار عليه دفاعًا عن النفس، وهي رواية وصفها حاكم مينيسوتا تيم والز بأنها "هراء وأكاذيب".

في غضون دقائق من عملية القتل، سارع مسؤولون كبار في إدارة ترامب إلى التحرك للسيطرة على السردية. فقد انضم نائب كبير موظفي ترامب، ستيفن ميلر، إلى آخرين في تبنّي ادعاءات غير موثقة لوصم بريتي بأنه "إرهابي داخلي" مع اتهام الديمقراطيين بـ"إذكاء نيران التمرد" بدوافع سياسية مبتذلة. ولم تكن هذه المزاعم مجرد طيش، بل كانت افتراءات استراتيجية صُمّمت لقلب الأدوار بين الضحية والجلاد، ونزع الشرعية عن الاحتجاج، وتبرير عنف الدولة استباقيًا. لكنها ارتدّت على الإدارة، إذ كشفت سيول من مقاطع الفيديو زيف الرواية الرسمية، وأظهرت الفاعلين الحقيقيين: عملاء فدراليين مارسوا الضرب والقتل لا كعناصر شاردة، بل كمنفذين لإرهاب مُجاز من الدولة. إن فهم هذه الوقائع على أنها ليست جرائم معزولة يقتضي مواجهة النظام التاريخي الأعمق من العنف الذي تنبثق منه.
متظاهرة تحمل لافتة خلال مشاركتها في مظاهرة احتجاجية ضد إدارة الهجرة والجمارك في باسادينا بمقاطعة لوس أنجليس بولاية كاليفورنيا الأمريكية في 10 يناير 2026. (شينخوا)كلام الصورة: متظاهرة تحمل لافتة خلال مشاركتها في مظاهرة احتجاجية ضد إدارة الهجرة والجمارك في باسادينا بمقاطعة لوس أنجليس بولاية كاليفورنيا الأمريكية في 10 يناير 2026. (شينخوا)

ينبغي استحضار عنف الدولة ومواجهته لا فقط في أكثر تجلياته استعراضية - كإقحام قوات فدرالية مسلحة في مدن الولايات المتحدة - بل بوصفه حالة بنيوية متجذّرة في تاريخ طويل من الغزو الإمبريالي والإبادة الجماعية والسيطرة العرقية. فمن حروب الإبادة ضد الشعوب الأصلية إلى العبودية والشنق خارج القانون والسجن الجماعي، لم يكن العنف عارضًا في المشروع الأمريكي؛ بل كان أحد مبادئه المنظمة.

ويتجسد هذا التاريخ في تطور دولة العقاب، وفي ثقافة سياسية متماهية مع الإرهاب العنصري، وفي شكل رأسمالي عقابي ذي طابع مافيوي ينهب العمال، ويكدّس الثروة، ويزدهر على عدم المساواة الواسعة، والإفقار، والبؤس الاجتماعي. وهكذا تغدو آلة الموت تاريخية ووجودية في آن، تُغذّيها ثقافة جهلٍ مُصنّع وحربٍ طبقية وعرقية دائمة. ولا يمكن إصلاح نظام كهذا دون إعادة إنتاج علاقات الهيمنة ذاتها التي يقوم عليها؛ بل يجب تفكيكه.

إن ترامب وجيشه من المنفذين، في الشوارع وفي البيت الأبيض، ليسوا قطيعة مع هذا التاريخ، بل ذروته: اللحظة التي يتخلّى فيها نظام عنفٍ ممتد عن قناعه الديمقراطي ويحكم علنًا عبر الخوف. وإن اغتيالَي غود وبريتي، مهما كانا صادمين ومقززين أخلاقيًا وسياسيًا، لا يعبّران عن فقدانٍ مأساوي لحياتين فحسب؛ بل يشيران إلى موت الديمقراطية الأمريكية، وتفكك ثقافتها المدنية، وانهيار مؤسساتها القانونية والثقافية، وبروز صيغة مُحدَّثة من الفاشية، ذروة تحقق بفظاعة تاريخ العنف الطويل الذي بات على أمريكا أن تتعرّف إلى ذاتها من خلاله.

ذلك التاريخ الطويل لا يظلّ مجرّدًا أو نظريًا؛ بل يجري استدعاؤه وتفعيله في الحاضر عبر الاستعراض، والإكراه، والتوظيف الاستراتيجي لسلطة الدولة. وتتردّد مثل هذه الادعاءات في أعلى مستويات إدارة ترامب، وتؤدي وظيفة أسلحة أيديولوجية بامتياز. فهي تُضفي قداسة على إرهاب الدولة، وتمحو الأدلة البصرية على الوحشية، وتغمر الفضاء العام بسياسة خوف فاشية تُجرَّم فيها المعارضة، وتجعل الحقيقة أمرًا يمكن التخلّي عنه، ويُعاد ترميز العنف بوصفه ضرورةً وفضيلة في آن. وغرضها لا لبس فيه: تهيئة الشروط لاستدعاء "قانون التمرّد" عبر تطبيع مشهد إطلاق النار بدم بارد على مدنيين عُزّل.

هذه الجرائم ليست تجاوزات عشوائية ولا أفعالًا شاذة. إنها عروض محسوبة للقوة، صُمّمت في الوقت نفسه لشلّ الرأي العام بالصدمة، ولاستفزاز مقاومة جماهيرية يمكن الاستشهاد بها لاحقًا لتبرير تصعيد القمع. منطق النظام دائري على نحو فظيع: يُواجَه الاحتجاج بالعنف، ويولّد العنف سخطًا، ويُوسَم السخط تمرّدًا، ويغدو "التمرّد" ذريعة لسحق الديمقراطية بقوة السلاح. وهكذا يُقدَّم العنف المُجاز من الدولة بوصفه الوسيلة الوحيدة لإعادة "النظام"، فيما يتحول في الواقع إلى الآلية التي تُخنق بها الحياة الديمقراطية.

هنا تكتسب تحذيرات فاتسلاف هافل في كتابه "قوة المستضعفين" الحاحًا متجددًا. فقد جادل هافل بأن الأنظمة السلطوية لا تقوم على القمع وحده، بل على الإشراك القسري للمواطنين في كذبة، كذبة تُصان عبر الخوف، والطاعة المُقنَّنة، و"الرضا" المصنوع. وما نشهده اليوم هو بالضبط لحظة من هذا القبيل: محاولة لإجبار الرأي العام على تقبّل كونٍ أخلاقي مقلوب تُسمّى فيه جريمة الدولة "أمنًا"، وتُوصَم فيه المقاومة بالإرهاب. إن الخطر الحقيقي لا يكمن في العنف ذاته فحسب، بل في ما إذا كان المجتمع سيُكرَه على العيش ضمن منطق هذا العنف. وقد شدّد هافل أيضًا على ألا يُسمح للسلطة المهيمنة بأن تمتلك الكلمة الأخيرة، وعلى أن المقهورين والمستضعفين يحملون دائمًا في داخلهم القدرة على تجاوز عجزهم. وهذه البصيرة تحديدًا هي ما يطارد نظام ترامب وحشده، لأنها تكشف أن سلطتهم ليست مطلقة ولا آمنة. ففي صميم استعراضاتهم للقوة تكمن بذور زوالهم، وهي آخذة في الترسّخ عبر تنامي الشجاعة والتضامن والمقاومة لدى أولئك الذين يرفضون العيش في ظل الكذبة.

وكما لاحظت كارول كادوالادر بحق، فإن ما يجري في شوارع مينيابوليس يشكّل حالة اختبار. لقد تحولت المدينة إلى مختبر سياسي تفحص فيه الإدارة حدود قوتها وتقيس مناعة المقاومة الديمقراطية. ووفق ما أوردته، استنادًا إلى مقابلة مع المؤرخ المحافظ روبرت كاغان، فإن الاستراتيجية متعمّدة: استفزاز العنف في الشارع، تصنيع الفوضى، ثم استدعاء "قانون التمرّد" كوسيلة لترسيخ الحكم السلطوي. مينيابوليس ليست استثناءً، إنها تحذير، ولمحة عن مستقبل قاتم.

إن الاغتيالات الوحشية المُجازة من الدولة بحق غود وبريتي، الموثَّقة بمقاطع مصوّرة التُقطت بالهواتف المحمولة، تكشف قسوةً تمزّق الغشاء الرقيق للتاريخ وتعيدنا إلى أحلك طقوسه. فهذا الانفلات القانوني الخبيث يستدعي رعبًا سابقًا، حين كان شنق الأجساد السوداء يُنظَّم بوصفه مشهدًا عامًا، وحين تحوّل القتل إلى ترفيه، وأُعيد ترميز القسوة كمسرح سياسي للخوف في خدمة إدارة ترامب. وتستحضر هذه الجرائم، ومعها العنف المتواصل الذي تطلقه وكالة الهجرة والجمارك (ايس)، ذكرى "ليلة البلّور" (كريستال ناخت)، تلك اللحظة في ألمانيا النازية التي انتشرت فيها الوحشية المُشرعنة كطاعونٍ أخلاقي، فدمّرت العقل، وأبادت اللياقة، وخنقت إمكان الحياة المدنية من جذورها. ما نشهده ليس شذوذًا بل تحذيرًا: عنف منفلت من القانون والضمير، يعيد تمثيل دروس الكراهية القديمة بأدوات جديدة وضحايا جدد. إن الرعب هنا ليس غير قابل للتصوّر فحسب؛ بل مألوف تاريخيًا، وهذه الألفة بذاتها ينبغي أن تُقشعرّ لها الأبدان. فالتاريخ، في هذه الحالة، يجب ألا يكون سلاحًا لإرهاب الدولة، بل مستودعًا لذاكرة خطرة، وموردًا للتغيير الجذري.

وهذا التاريخ من الوحشية المُشرعنة لا يقتصر على الذاكرة أو المجاز؛ بل هو مُؤسَّس ومُمأسس في العمليات اليومية لدولة العقاب المعاصرة. فهذه الوفيات، وتصاعد استخدام القوة القاتلة فدراليًا داخل المدن الأمريكية، ليست مآسي معزولة؛ إنها جزء من نمط أوسع، وقطيعة في العقد الاجتماعي وأصول المحاكمة العادلة. ففي توسّعها لشبكة مترامية من حصون احتجاز المهاجرين، أشرفت "ايس"  العام الماضي على ما لا يقل عن 32 حالة وفاة أثناء الاحتجاز، فضلًا عن وفيات أخرى مرتبطة بإجراءات إنفاذ حديثة؛ شبكة عقابية تُدمَج فيها القسوة في صميم هندسة الحكم ذاته، لا بوصفها انحرافًا طارئًا. وينبغي لهذا النمط المرعب خلف جدران سجون "ايس" أن يكون إنذارًا صارخًا بأن العنف والوحشية والقسوة باتت تُعرّف الحمض النووي لديمقراطية آيلة إلى الاندثار.

لم يعد احتضان ترامب للعنف مسألة خطابٍ مجرّد. فهو يتبدّى بوضوح في لغته العنصرية المُجرِّدة من الإنسانية، وفي توسيع ما يُسمّى "الحرب على الإرهاب"، وفي دعمه غير الاعتذاري للقوة الإمبريالية، وهي جميعًا عناصر تعمل على جعل العنف المُجاز من الدولة قابلًا للتصوّر، وقابلًا للدفاع عنه، ومتزايد الشرعنة. هذا العنف ليس مؤجّلًا ولا رمزيًا، إنه يتكشف في الزمن الحقيقي، في فضاءات كان ينبغي حمايتها من سلطة الدولة لا انتهاكها بها. إن نظام الرعب يعمل اليوم بالتوازي في الداخل والخارج، ويتجلّى خارجيًا في قصف إيران واليمن وفي غزو فنزويلا. وما يتكشف داخليًا يعكس عنفًا جرى التمرّن عليه طويلًا خارج حدود الولايات المتحدة.

وكما لاحظ كريس هيدجز، فإن ما نشهده هو عودة عنفٍ قد صُقِل طويلاً في الخارج إلى شوارعنا، "الارتداد الإمبريالي" قيد العمل، حيث يُعاد توظيف تكتيكات الاحتلال والقمع التي استُخدمت يومًا في الفلوجة العراقية ضد مدنيين، هنا في الداخل. وقبل أن نصبح ضحايا لهذا الإرهاب الذي ترعاه الدولة، يذكّرنا هيدجز، كنّا في كثير من الأحيان شركاء فيه.

أشخاص يشاركون في مظاهرة في سان فرانسيسكو، كاليفورنيا، الولايات المتحدة، في 10 يناير 2026. (شينخوا)كلام الصورة: أشخاص يشاركون في مظاهرة في سان فرانسيسكو، كاليفورنيا، الولايات المتحدة، في 10 يناير 2026. (شينخوا)

في ولاية مينيسوتا، صعّد عملاء وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية (ايس) حملات المداهمة والاعتقال في الأحياء السكنية وبالقرب من المدارس، ما بدّد أي ادعاء متبقٍّ بأن الأطفال خارج نطاق الاستهداف. وأفاد مسؤولون تربويون في إحدى ضواحي مينيابوليس بأن مركبات تابعة لـ"ايس" دخلت إلى حرم المدارس، ولاحقت حافلات الطلبة، ودارت حول ساحات اللعب، واحتجزت طلابًا، من بينهم عدد من القاصرين الذين طالتهم حملة إدارة ترامب على الهجرة. وقالت زينا ستينفيك، مديرة مدارس كولومبيا هايتس العامة، في تصريح علني، إن عملاء "ايس" كانوا "يجوبون أحياءنا، يطوّقون مدارسنا، يلاحقون حافلاتنا، يدخلون مواقف سياراتنا ويأخذون أطفالنا"، ما ترك مجتمعًا كان ينظر إلى المدارس بوصفها ملاذات آمنة وقد تحطّم لديه الإحساس بالأمان على نحو عميق.

ويمثّل اختطاف الطفل ليام كونيخو راموس، البالغ من العمر خمس سنوات، على يد "ايس" لحظة تربوية مرعبة بالمعنى الأسوأ للكلمة. فالبراءة ذاتها تُحوَّل إلى أداة. ويغدو رعب طفل رسالة تحذير للأمة: لا أحد بمنأى عن الاستهداف، ولا حتى أولئك الذين يفترض أن يكونوا الأكثر حماية. لم تعد الطفولة ملاذًا؛ بل تحولت إلى خط مواجهة. أما المدارس، التي كانت تُتصوَّر فضاءات ديمقراطية هشّة للرعاية والتعلّم والحماية، فأصبحت تُعامَل اليوم كمواقع مشروعة للمراقبة والإكراه. وعندما يجوب عملاء مسلحون ساحات المدارس ويحتجزون الأطفال، تكون الرسالة واضحة لا لبس فيها: لقد حلّ الخوف محلّ الرعاية بوصفه منطق الحكم. وتُظهر قضية ليام كونيخو راموس، وهي واحدة من عدة حالات شملت أطفالًا جرى احتجازهم قرب المدارس أو في طريقهم إليها، أن الجهات المكلّفة بإنفاذ "قانون الهجرة" باتت تعمل على نحو يمزّق المجتمعات ويحوّل المدارس من أماكن للجوء إلى فضاءات للرعب، وعنف الدولة، والتخلّي النهائي.

لقد تحوّلت وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية (ايس) إلى جهازٍ إرهابي يحمل شبهًا لا مع "القمصان البنية" النازية، لقد غدت مؤسسة سامة وبشعة لم تعد تسعى إلى الشرعية عبر الإقناع أو الاستعراض أو حتى الدعاية. صار الدم في فمها، تتغذّى علنًا على مشهدية العنف وتطبيعه. لقد اكتمل عمل نزع الإنسانية. لم تعد القمعية بحاجة إلى سردية؛ فالعنف بات يتكلم مباشرة، بكفاءة، وعلى الملأ. إن صورة الطفل ليام كونيخو راموس، البالغ من العمر خمس سنوات، وهو يرتجف خوفًا، ليست تفصيلًا عارضًا؛ إنها دليل بصري على حربٍ على الأطفال قد بدأت بالفعل، حربٍ تُعامِل الأرواح الغضّة بوصفها أضرارًا جانبية في مسار ترسيخ السلطة السلطوية.

لكن هذه اللحظة ليست لحظة رعب فحسب؛ إنها أيضًا لحظة ذات تبعات تربوية عميقة. فـ"نظام ترامب" لا يعتمد فقط على القمع والمراقبة والقوة الغاشمة؛ بل يتكئ على الإنتاج المتواصل لذوات فاشية مستعدة لاعتناق حكمه القائم على الرعب بوصفه عقلًا سليمًا، وأمنًا، ووطنية. تعمل الفاشية لا عبر آلة الهيمنة وحدها، بل عبر استعمار الوعي، إذ تُدرِّب الناس على تطبيع القسوة، واستبطان الخوف، والخلط بين الطاعة والفضيلة الأخلاقية. وهي "تُعلِّم" من خلال مهاجمة التعليم العام والعالي، وتجريد التاريخ من ذكرياته الخطِرة وأفكاره ومعارفه النقدية. كما تعمل بلا هوادة على تشكيل الرغبات والولاءات والتصورات، بحيث يبدو العنف ضرورةً، ويغدو الاعتراض خطرًا. في مواجهة هذه التربية القائمة على الخوف، تصبح المقاومة شكلًا بديلًا من التعليم، يوقظ الوعي النقدي ويستعيد القدرة على تخيّل العدالة. إن الاعتداء على الأطفال والشباب والإعلام المستقل والمقاومة المنظمة وعلى المستقبل ذاته، يفضح الإفلاس الأخلاقي للنظام ويجلّي رهانات الصراع. فالشباب يتعلّمون، في الزمن الحقيقي، كيف تبدو السلطة حين تُجرَّد من الأخلاق والمساءلة، ويتعلّمون أيضًا أن الديمقراطية لا يمكن أن تبقى بلا شجاعة وتضامن وفعلٍ جماعي.

الولايات المتحدة ليست على حافة الفاشية، إنها تعيش داخلها بالفعل. غير أن التاريخ يعلّمنا أن السلطوية لا تُهزم بالصمت ولا بالامتثال. إنها تُواجَه حين يرفض الناس التخلّي عن قدرتهم على الغضب، وحين تصبح التربية ممارسةً للتحرّر لا أداةً للهيمنة، وحين يحوّل الشباب الخوف إلى وعيٍ سياسي. إن المقاومة الجماهيرية التي تتكشّف اليوم في مينيابوليس وتمتدّ عبر البلاد ليست احتجاجًا عابرًا، بل نهضة كبرى، قوة تستجمع طاقتها في مواجهة الرعب. وما هو مطلوب الآن يقظةٌ مشتركة، ورفضٌ جماعي لتطبيع الإرهاب أو قبول الخوف أفقًا للحياة السياسية. إنه نداء إلى التزامٍ متجدّد بتربيةٍ على المقاومة، تُسمّي الظلم بلا تردّد، وتصل المعاناة الخاصة بالمسؤولية العامة، وتؤكّد -حتى في أحلك الأوقات- أن مستقبلًا آخر لا زال ممكنًا.

غير أن هذا المستقبل يعتمد على فعلٍ جماهيري منظّم وسلمي، تقوده الطبقة العاملة، والفنانون، والمثقفون، والعاملون في الثقافة، والشباب، والمربّون، والنقابات، ومنظّمو المجتمع، والمنظمات الديمقراطية الجماهيرية، أولئك الذين يدركون أن التعليم، والإنتاج الثقافي، والنضال السياسي ممارسات لا تنفصل. إن الأدوات اللازمة لمواجهة السلطوية ليست جديدة؛ فهي جزء من إرثٍ ديمقراطي صيغ عبر حركات إلغاء العبودية، ونضالات العمال، ومقاومات مناهِضة للاستعمار، ونضال الحرية السوداء، أكثر قوى هذه البلاد دوامًا وتحويلًا للديمقراطية. لقد برهنت هذه التقاليد، مرارًا وتكرارًا، أن الحركات الجماعية المنضبطة والواسعة القاعدة قادرة على تفكيك أنظمة رعبٍ اعتُبرت يومًا عصيّة على الهزيمة. وفي مثل هذه الظروف، ينبغي أن يغدو التعليم في صميم السياسة وفي قلب الصراع على الهوية والفاعلية والذاتية، بوصفه قوةً أساسية في التغيير الاجتماعي. إن استعادة الديمقراطية اليوم تعني استرجاع هذا النسب التاريخي، واحتضان معركة الفاعلية، وإحياء دروسه في الحاضر، والإقرار بأن الأمل الاجتماعي ليس انسحابًا تجريديًا، بل ممارسةً جماعية تُبنى بالتضامن، والذاكرة التاريخية، والمقاومة المستدامة، ورفض تسليم المستقبل للخوف.

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-02-03 16:02:51

الإرهاب الداخلي لإدارة ترامب: الفوقية العرقية، عنف الدولة، والاعتداء على الديمقراطية

featured
جمال زقوتج
جمال زقوت
·2026-02-03 08:59:38

من استنفاد الماضي إلى بناء المستقبل: نحو صحوة وطنية

featured
تقرير خاصت
تقرير خاص
·2026-02-02 11:55:25

منح دعم ثقافية: موقع "تذكرتي" يطلق صندوق الأثر الثقافي لدعم الجيل الجديد من الإبداع العربي

featured
هناء محاميده
هناء محاميد
·2026-02-02 09:40:35

إسرائيل تقتُلُنا

featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-02-01 18:09:00

الأرض "لسيدي وستّي مش لشارع 6"

featured

مجلس ترامب ومفتاح غزة

featured
با بكر الوسيلةب
با بكر الوسيلة
·2026-01-30 13:03:57

زهرةٌ لولدي من جُرح فلسطين

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-30 13:01:47

صمت ينطق بالكثير