لندن: خاص بالإتحاد
صدر أخيراً عن مركز الدراسات القروية في معليا كتاب مثير للانتباه بعنوان "الشفاعمري فلاح إبن فلاح" لمؤلفه إبراهيم مبدّى نعوم المعروف باسم أبو مبدّى. جاء الكتاب في 209 صفحات من الحجم المتوسط، وأشرف على تحرير مادة الكتاب الكاتب الشفاعمري المعروف زياد شليوط. فتسمية الكتاب ليست صدفة لأن إبراهيم نعوم هو الإبن الأكبر لمبدّى نعوم الذي وصفه الكاتب الشفاعمري طيب الذكر إلياس جبور بأنه "كان من طليعة الفلاحين"، مما يعني أن إبراهيم نجل مبدّى هو فعلاً فلاح إبن فلاح.
في مقدمة الكتاب يقول أبو مبدّى أنه اهتم بأن يُبين "ما لشفاعمرو من تاريخ عظيم". ويضيف "لكن أردت هنا أن أروي فقط المائة سنة الماضية وأحداثها ومواقفها الوطنية، تلك التي تحفظ التراث المحلي وما له من علاقة بالتراث العام الفلسطيني".
بعد المقدمة القصيرة يستهل المؤلف الحديث عن موقع شفاعمرو الجغرافي، ويروي أنه خلال القرن الثامن عشر وما بعده قامت بعثات عسكرية بريطانية وفرنسية وهولندية "بإجراء مسح لأراضي الجليل وجباله ومياهه"، حيث تجمعت لدى تلك البعثات معلومات قيّمة منها "ما بيّن مكانة شفاعمرو الجغرافية والتاريخية"، وأظهرت أن أهالي شفاعمرو "عاشوا لفترة طويلة على الزراعة وفلاحة الأرض فقط". موضحاً أن شفاعمرو تملك أكبر مساحة من الأراضي في فلسطين، بعد طوباس. "وتبلغ مساحة أراضيها 120 ألف دونم، منها 60% أرض زراعية و32% أحراش وأرض وعرية".
ويقول أبو مبدّى، مع أن عائلات شفاعمرو اعتمدت على الآبار المنزلية التي تختزن مياه الأمطار للاستهلاك اليومي، وينابيع المياه المنتشرة في أراضي البلدة ويبلغ عددها إثنا عشر نبعاً، إلا أن وادي الملك كان المصدر الرئيس للمياه، خاصة المياه المستخدمة في الري. ويبدأ وادي الملك من صفورية شرقاً ويتجه غرباً في الأراضي الواقعة جنوب شفاعمرو ويصب في النهر المقطع. وأطلق أبناء شفاعمرو على وادي الملك اسم "الوادي العظيم" الذي أقيمت عليه ثلاث طواحين لطحن الحبوب خاصة القمح.
إلى جانب فلاحة الأراضي السهلية، يُبرز المؤلف المكانة التي تتمتع بها شجرة الزيتون في شفاعمرو واهتمام الأهالي بأشجار الزيتون ورعايتها، حيث توجد في شفاعمرو لجنة مكلفة بوضع نظام خاص لموسم قطاف الزيتون يلتزم به أبناء البلدة. ووفقاً لأبو مبدّى كانت أشجار الزيتون في شفاعمرو تغطي مساحة 7000 دونم من الأراضي، ويتسع كل دونم إلى سبع أو ثماني شجرات. وأدت الزيادة الطبيعية في عدد السكان إلى دفع الأهالي لبناء منازل جديدة فوق الأراضي المزروعة بأشجار الزيتون، مما قلّص عدد أشجار الزيتون في البلدة، لكن سرعان ما انتبهوا إلى هذا الأمر، فشهدت شفاعمرو ارتفاعاً ملحوظاً في عدد أشجار الزيتون التي تغطي مساحة تقدر بحوالي 200 دونم حيث يبلغ عدد الأشجار المزروعة حديثاً فيها حوالي عشرين شجرة في الدونم الواحد.
ونتيجة لاهتمام أهالي شفاعمرو بأشجار الزيتون نشأت إلى جانب كروم الزيتون في البلدة معاصر الزيتون لاستخراج الزيت، حيث بلغ عدد المعاصر في البلدة ثلاث عشرة معصرة، "وكانت كلها معاصر قديمة تدار بواسطة الخيل أو البغال التي تُربط بحجر المعصرة وتدور وتحرك الحجر" (صفحة 27). واستفاد أهالي شفاعمرو من التطور الصناعي الذي حصل في العالم وأقيمت فيها معصرتان عصريتان ما زالتا موجودتين إلى اليوم.
يقول أبو مبدى إن زيت زيتون شفاعمرو من أفضل الأنواع وأجودها، ويوضح سبب ذلك بأن أهالي شفاعمرو كانوا وما زالوا يبدأون موسم الزيتون بجمع حبات الزيتون الساقطة عن الأشجار قبل عملية القطاف لأنها تكون ذابلة ويتم عصرها لوحدها، ويُستخدم الزيت الناتج منها لصناعة الصابون أو في الطبخ وبشكل خاص القلي، ولا يخلطونها مع حبات الزيتون التي يجري قطافها عن الأشجار، مما يجعل زيت الزيتون البكر في شفاعمرو فريداً في مذاقه.
ويخصص المؤلف فصلاً كاملاً للحديث عن الحياة الاجتماعية للفلاحين في شفاعمرو من خلال ما شهده في حياته في بيت والده، الذي كان ينعقد فيه ديوان يومي وسهرات تدور خلالها أحاديث منوعة تتعلق بمعيشة المشاركين في السهرة وهمومهم اليومية من زراعة، وتربية المواشي، ومرض الدواب أو الماشية، وحتى الوعكات الصحية الشخصية التي تلم بهذا الفلاح أو ذاك. وأحياناً في حالة فقدان أحد فلاحي البلدة يتم الاتفاق في الديوان على تقديم مساعدة لأرملته وأولاده، فمن يملك المواشي يُقدّم للأرملة عنزة أو بقرة يُطلق عليها إسم "منوحة" أي التي تمنح الناس الحليب أو العزوة، أو تكون المساعدة بتقديم قطعة أرض للأرملة يُطلق عليها اسم "شكارة" لتفلحها هي وأولادها ليعتاشوا منها (صفحة 30).
وبحكم وقوع المنزل الذي ولد فيه إبراهيم في وسط البلدة توفرت له فرصة للتعرف على الحياة التجارية للبلدة حيث السوق والحسبة وكان يشاهد الفلاحين الذين يُحضِرون إنتاجهم الزراعي من خضار وفواكه ويعرضونه للبيع لتنتهي في حوانيت السوق لاحقاً. كما تعرّف من خلال ذلك على الشخصيات التي تلعب دوراً رئيساً في حياة البلدة ويصف أبو مبدّى هذه الشخصيات بأنها تراثية مثل: الدلال، وناطور البلد، والمخضر، وراعي العجال. فالفلاحون كانوا دائماً مشغولين في فلاحة أراضيهم ولم يكونوا قادرين على رعاية أبقارهم ومواشيهم قليلة العدد، وكانوا بحاجة لرعاة. فنشأت فكرة العجال، وهي عبارة عن راعي واحد تكلفه عائلات الفلاحين برعاية أبقارهم، فيتجمع لديه قطيع كبير يُطلق عليه اسم العجال.
لكن إلى جانب الفلاحين في البلدة وُجد فيها عدد من أصحاب المهن مثل الحدادين والحلاقين والإسكافيين. وذكر أبو مبدى أن الحدادين والحلاقين كانوا يقدمون خدمات طبية لأبناء البلدة منها الكي بالنار وكاسات الهوا المعروفة من ضمن العلاجات الشعبية التي كانت منتشرة في المجتمعات الفلاحية.
ويبرز أبو مبدى اهتمام المجتمع الفلاحي في شفاعمرو بحالة الطقس واعتماده على المطر لري المزروعات، ووضعه ما يشبه الروزنامة الخاصة بالفلاحين تحدد أوقات وفترات هطول المطر وتسميتها بأسماء خاصة بهم لا علاقة لها بالأرصاد الجوية المعروفة، حيث كان يُطلق على كل فترة اسم خاص مثل سعد دابح، وسعد بلع، وسعد الخبايا، وسعد السعود.
عملياً ينقسم الكتاب إلى قسمين، وكل ما ورد أعلاه يدخل في القسم الأول، أما القسم الثاني فهو عبارة عن سرد مواقف وأحداث ونشاطات كان لأبو مبدى علاقة فيها، أبرزها دوره كفلاح إبن فلاح في معارك الدفاع عن الأرض التي شارك فيها، مثل "يوم الأرض" أو عضويته في اللجنة لمكافحة ضريبة الأملاك، التي توج نشاطها بإرغام الحكومة على إلغاء ضريبة الأملاك، ولجان الصلح بين فلسطينيي الـ48. ومجموعة مقالات منشورة سابقاً عن نشاطاته الخيرية وأخرى عن علاقاته الشخصية المتشعبة في جميع أنحاء فلسطين وحتى في الأردن.







.png)


.jpeg)


.png)

