بمناسبة إصدار كتاب " אפיטפים" للشاعرة حموطال بار يوسيف (1)
أهدتني الشاعرة حموطال بار يوسيف ديوانها الجديد والذي يحمل العنوان أعلاه والذي يعني" قصائد ترثي الميت، وهي عادة بدأت في العالم القديم واستمرت في المقابر اليهودية في أوروبا"، وبسبب ثقافتها الأوروبية لم تنبه الشاعرة إلى أن هذا النوع من الأدب والشعر موجود أيضا في الشعر والأدب العربي منذ القدم أيضا وما زال، والعديد من الشعراء العرب أوصوا بأن تكتب أبيات من الشعر أو الجمل على شواهد قبورهم قبل وفاتهم، والبعض كتبها أهاليهم ، أو المؤسسات التي عملت على دفنهم ، وبينهم بدون شك شعراء يهود عاشوا بين العرب في البلدان العربية كمواطنين متساوين ، وكذلك في الفترة الذهبية للمسلمين واليهود في الاندلس( إسبانيا)،ولذلك بحثت عن بعض هذه الوصايا أو ماكتب على شواهد القبور عند الشعراء العرب بعجالة وترجمت بعض ما أوصت به الشاعرة، أن يكتب على قبرها ، لآن هذه الوصايا جزء من مفاهيم الشاعر وحياته ، وطبعا في مقال من هذا النوع لم أصل لكل ما كتب لأن هذا يحتاج لدراسة جامعية أوسع.
فهذا أبو العتاهية يوصي أن يكتب على قبره:
" أذن حيٍّ تسمعي اسمعي ثمَّ عيٍّ وعي
وأنا رهنٌ بمضجعي فأنا جذري مثل مضجعي (2).
أمّا يحيى بن عدي فيطلب كتابة:
رُبَّ ميتٍ قد صارَ بالعلمِ حيّاً
وَمُبعِثي قد مات جهلا وعيّا
فاقتنوا العلم كي تنالوا خلودا
لا تُبقِ الحياة في الجهلِ شيئا.
أمّا أبو الصلت الاشبيلي فيقول:
سكنتكِ يا دار الفناء مصدقا
بأني إلى دار البقاء أصيرُ
وأعظم ما في الآمر أني صائرٌ
إلى عادلٍ في الحكم ليسَ يجورُ
فيا ليتَ شعري كيف ألقاه عندها
وزادي قليل قليلُ.
أما محمد بن إبراهيم الأندلسي فيقولُ:
لئن نفذ القدر السابق بموتي كما حكم الخالق
فقل للذي سره مصرعي تأهَّب فإنَّكَ لاحقُ.
وما دمنا في الأندلس ابن فهذا زهير الأندلسي يقول:
تأمل بحقك يا واقفا ولاحظ مكانا دفعنا إليه تراب
الضريح على وجنتي ... كأني لم أمشِ يوما عليه.
ونظم ابن منير الطرابلسي يقول:
من زار قبري فليكن موقنا بأن ما ألقاه يلقاه
فيرحم الله امرأ زارني وقال لي يرحمك اللهُ.
أمَا الزمخشري صاحب التفسير المشهورفيقول:
يا من مدَّ البعوض جناحها
في ظلمة الليلِ
------
البهيم الأليلِ
ويرى مناط عروقها في نحرها
والمخ في تلك العظامِ النُّحَّلِ.
إغفر لعبدٍ تاب عن فرطاتهِ
ما كانَ منهُ في الزمانِ الأوَّلِ.
نلاحظ هنا أن ما كتب على شواهد القبور أو ما طلب الشعراء أن يكتب هو طلب الرحمة من الله، وعظة الناس الأحياء بأن مصوفي نفسي الدهر.يرهم سيكون نفس المصير، أو أن النحل أو النمل أي الحشرات ستنخر جسمه.
أمّا بدوي الجبل الشاعر المعروف.
فطلب أن يكتب على قبره من قصيدة الشهيد وفيها:
أطلُّ على الدنيا عزيزا أضمني إليه ظلام السجن أم ضمني القصر
وما حاجتي للنورِ والنور كامن بنفسي
لا ظل عليهِ ولا سترُ
وما حاجتي للكائنات بأسرها وفي نفسي الدنيا وفي نفسي الدهر.
هنا نرى اختلافا حيث يفخر الشاعر بنفسه ولا يابه بما هو فيه – أي الموت – فهو يطل على الدنيا عزيزا. وربما بوصيته يريد أن يقول لمن يقرأ شاهد قبره، أن يعتز بأفعاله الوطنية والإنسانية وأن لا يخاف من الموت فهذا هو الأساس.
أما باللغة العبرية فحقيقة لم أقرأ سوى الديوان الجديد للشاعرة حموطال بار يوسيف(2) وفيه ترثي نفسها وكأنها تطلب أن يكتب على شاهد قبرها بعضا من هذا الشعر.وفي تظهير الكتاب نجد وصفا للكتاب" .... كتاب لايشبه شيئا آخر باللغة العبرية أبيات قصيرة ... النغمة مضحكة...وأحيانا مباشرا ... مع قلة أدب.. ".
ومن نماذج شعرها الذي تطلب أن يكون على شاهد قبرها:
"دفنت هنا امرأة بحجم متوسط
والتي لم تلائم بالمرة
لأنها لم تستطع ولم توافق
أن تأكل ما قدمته لها أمها
وكذلك عندما كبرت رفضت أن تبلع
شوربة الذرة السمكة الكبيرة
أفلام تلفزيونية، صحف
وكل ما رأته غير ذائق.(3)
وكذلك في قصيدة أخرى تقول:
دفنت هنا امرأة في التفاصيل
وبعد مدة اعتقدت أن الحياة :
بداية كل عائلة مع أبناء وبنات
وبعد ذلك، في الكهولة، على عشب
جبعات رام وجبل الكشاف
تستطيع أن تتمشى وأن تغني وأن ترقص
ولكن العمر رفض أن يتقاسم
حرقوا كل الحسابات
واسرعت الانصراف" (4)
وفي قصيدة أخرى تكتب:
" دفنت هنا امرأة عادية جدا
أدارت في السر والعلن معارك
مع كل العالم ، بدون سلاح وبدون اسخبارات,
ولم تستسلم للهزائم
ولا للإهانةِ ولا للسقوط.(5)
هنا على سبيل المثال نلاحظ الاعتزاز بالنفس وبالمسيرة التي سارتها الشاعرة بالرغم من المصاعب وربما الإخفاقات والهزائم في بعض مسرتها الحياتية ولكنها انتصرت عليها، في جانب آخر نستطيع أن نرى أن المرأة \ الشاعرة في رسالتها للقارئ سواء في النص الشعري أو على الشاهد ، على قبرها دعوة لعدم الاستسلام لا لإهانات الخصوم ولا للسقوط في امتحان أومشروع أو مهمة بل المثابرة والاستمرار في البرنامج الذي يضعه ألأنسان لنفسهِ.
وفي قصيدة \ شاهد أخرى \ اخر تقول:
دفنت هنا شاعرة
والتي في غير الموعد
عملت بتحدٍ أعمى
ضد التيار السائد.(6)
والنموذج الأخير الذي أقدمه هو هذا الشاهد:
دفنت هنا امرا’
ذات إمكانيّات ورثتها وراثة
أن تضع الابرة في النقطة الحسّاسة (7).
أي أنها تجيد عملها ونشاطها بالضبط.
وأخيرا ألف مبروك ديوانك الجديد ونشاطك الجديد الذي يختصر بكلمات وأبيات شعرية موجزة كفاحك الشخصي من أجل حياة أفضل بالرغم مما مررتِ به من مصاعب وقسوة حياة .
وبالرغم من العراقيل التي وضعها – ربما – البعض أمام تقدمك.
ومن جهة أخرى أردت أن أضيف لبنة أخرى لمعارفك ومعارف القراء بأن لدى الشعب الاخر الجار والشقيق مثل هذا الادب والشعر بصفتهم بشر.
إشارات:
חמוטל בר יוסף( 2025), אפיטפים , בהוצאת קטרזיס.
مجلة الرسالة (مصر)،العدد(909)، بقلم: محمد منصور.
حموطال بار يوسيف: محاضرة للغة والادب العبري في جامعة بئر السبع متقاعدة،وباحثة في الادب وشاعرة، وقد ترجمت لها قصائد نشرناها في مجلة الإصلاح الثقافية ومن ثم في كتاب مشترك من ترجمة كاتب السطور ود. نعيم عرايدي ود. نداء خوري بعنوان " الزمن"، إصدار دار الأماني للنشر والتوزيع -عرعرة المثلث.
حموطال با ر يوسيف ( 2025) شواهد ، ص7.
نفس المصدر ص10.
نفس المصدر ص20.
نفس المصدر ص35.
نفس المصدر ص49.
.png)






.png)


.jpeg)



.png)

