بُطرس البَطارِسة

A+
A-
د. بطرس دلة

د. بطرس دلة

رحل ولم يرحل بطرس البطارسة، من آل دَلّة الكرام، صخرة الأدب واللاهوت، وما بينهما من فكر وتربية وأفاق واسعة، تُطِلّ على الكون وما به من خير لاقتفائه، وَشَرّ لِدحْره ومقاومته، البساطة، التّواضع، الانتماء وحُسْن السّيرة والمسيرة، تبادلنا الزّيارات والمكاتبات والجولات الأدبيّة والسّياحيّة في ربوع الوطن الخلاّب، هو أكبر منّي: عُمراً، عطاءَ، علماً ومعرفة، زُرنا العديد من معاهدنا التربويّة: بيادر وعتيد كفر ياسيف، الكمّانة، نحف، كوكب أبو الهيجا وغيرها، برفقة زملاء أذكر منهم: محمد نفّاع، نايف سليم، إخوان هيبي، أسمهان خلايلة والقائمة طويلة، للحديث عن الأدب والتّراث الشّعبي، وهذا الشّهم لا تُعدّ ولا تُحصى طرائفه، نوادره، أمثاله، حكاياته، مُلَحُه، خِفّة ظِلّه، حُسْن الحديث والاستماع والملقى، جرابه أوسع من جراب الكردي أدبيّا وثقافيّا واجتماعيّا.

 ربطتنا علاقة صداقة ومودّة وتبادل زيارات مع النّاشط الاجتماعي العبري: المرحوم: دوف يرميا/ نهريّة/إيلون، دوف يُغنّي بالعربيّة والعبريّة لطلاّبنا مع الأكّورديون، بطرس وأنا ترجمنا لدوف الكثير من الرّسائل والتّعليقات من العبريّة للعربيّة نُشرتْ في صحيفة الاتّحاد بالذّات، (عربيّة دوف كانت عامّيّة وشعبية)، دوف ومجموعة يهوديّة-عربيّة لجمع المعونات لللاجئين  الفلسطينيّين في مخيّمات لبنان، بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 ، شاركنا معاً في تكريمه، ثمّ في تشييع رماده، قبل عقدَين من الزّمن، كتب دوف في وصيّته: إحرقوا جثّتي بعد موتي، ضعوا رمادها في قارورة صغيرة واطمروها بجانب ساق شجرة، دون إجراء أيّة مراسم دينيّة أبداً، وهذا ما صار.

 خصّني أبو حسام بالكثير من الرّسائل الخاصّة، ثمّ مقالة وقصيدة شعرية في فصلية الشّرق 2006، لصاحبها الدّكتور محمود عبّاسي، واسمحوا لي بأن أنَوّهَ إلى العمل الجبّار الذي قامت به بلديّة الطّيّبة عام 2021، بإصدار كافّة كتاباته في ثلاثة مجلّدات كبيرة.

نشاطر العائلة الكريمة برحيل هذه القامة الإنسانيّة الشّامخة، ولن نقول مع طيّب الذِّكر ميخائيل نعيمة: النّهر المتجمّد! بل النّهر المُتدفّق الدّائم الجريان، خريراً، حرير، جريراً، هديراً، شلاّلاً، عذوبةً وندىً.

والشّجرة الطّيّبة تؤتي ثماراً طيّبة، فإذا هي من ثمارها تعرفونها.

العنوان: بطرس البطارسة، تيمّناً بأسْقف الأساقفة اللاهوتيّة والأدبيّة.

ومن الضّرورة بمكان أن نشير إلى اللازمة الرّوحيّة:

 من آمَن بي ولو مات فسيحيا، وأبو حُسام في قلوب الجميع حَيٌّ باقٍ.

                    2) ثُمانيّة صوفيّة مُعْتَزِلة

قصيدة صوفيّة مُعتزلة وثُمانيّة، لفَتَتْ انتباهي وشدّتني إليها في هذا الزّمن الرّديء الذي نعيشه، ويُفرض علينا فرضاً وإكْراهاً، لم أستطع معرفة هويّة كاتبها، إلاّ أن الذي عَمّمَها يُشير إلى اسمه: وحيد ظاهر، من أين لسْتُ أدري، ولهُ الشّكر والتّحيّة أينما كان، كلمات القصيدة هي:

 كُلّ جيل مِنْغَيِّر أهالينا/ وْكُلّ جيل مِنْبَدِّل أسامينا/

 وْمِنْبَدِّلْ وْمِنْغَيِّر الأعمار/ إلّلي مْقَدّرة من عند بارينا/

وْكُل جيل مِنْبَدِّل بْلاد الثّار/ عا بَلَدْ رُحْنا وْعا بلد جينا/

وْكُل جيل مِنْبَدِّل بْيوت لِحْجار/ فيها سَكَنَّا وْعَمْد تِحْمينا/

وْكُلّ جيل عِنْدو مَرْكَب البَحَّار/ فيهْ بْيجي وْبيروحْ عا المينا/

وْكُلّ جيل عِنّا لِلمعيشة كار/ تَنْعيش مِنّو خبز يكْفينا/

وْكُلّ شي مَرَق عا هالأرض أدْوار/ أعْصار من أجيال ماضينا/

ما تْبَدَّلوا وْما تْغَيَّروا الأبْرار/ وْبِقْيِتْ عَقيدة سّيِّد الكونين

                    مْرافْقِتنا وْجالسِة فينا.

 عن المضامين، التّفسير، البلاغة، الغيبيّات، الأرقام، التقشّف، القناعة، الالتزام، الرّوحانيّات والإيحاءات لدى مختلف الدّيانات والمذاهب، أتركه للقرّاء، وهناك الكثير ممّا يُجادَل عليه، نَتْرُكُهُ للمُتَبَحِّرين في اللاهوت والفقه والتّفسير والتّأويل، الأرقام التّالية: 1 ،3، 5، 6 و8، ومدلولاتها هناك الكثير مِمّا يُقال كذلك، نعود للقرآن الكريم، سورة الحاقّة:

(وَيَحْمِلُ عرشَ رَبِّكَ فوقهم يومئذٍ ثمانية) (ص).

 ولا بُدّ لنا من العودة إلى المُعْتَزِلة، وهي حركة إسلاميّة ظهرت في البصرة، القرن الثّاني للهجرة النّبويّة، أتباعُها يعتمدون على العقل في فَهْم النّصوص الدينيّة، لَهُم مبادئ وأصول: العدل، التّوحيد، الوعد والوعيد، الأمر بالمعروف والنّهي عن المُنْكَر.

 تجدر بنا الإشارة للخليفة العبّاسي السّابع/ المأمون، كانت خلافته بين السنوات: 813 -833 للميلاد، حيث لعب دوراً هامّاً في متابعة ودعم هذا النّهج والفكر.

                      3) سِتّي يا سِتّي

بعد سماح وإذن هيئة التّحرير والقرّاء الكرام، أرجو أن أهدي مقطعاً من أغنية فيروزتنا الغالية: سِتّي يا سِتّي إلى أحفادي وحفيداتي (الغوالي) على قلبي بِرَأفتهم/نّ، وما يحيطونني به من ألَفَة، مودّة وعناية: سيدا! بَدّكْ إشي، عايز إشي، أساعدك إشي...وهذا من مودّتهم/نّ لجدّتهم/نّ لميحة، التي  خاطبتني: اهدهم/نّ هذه الفيروزة نيابة عنّي:

 -سِتّي يا سِتّي إشْتَقْتِلِّكْ يا ستي/ عَلّي صَوتِكْ صَوْتِكْ بْعيد/ جايي منْ الكَرِم جايي من التّفاح/ صَوْتِكْ حامل شمس وْفَيّ/ لون التّين والزّيتون/ إيهْ وْريحة الطّيّون يا سِتّي.

-إيهْ يا سِتّي ما حدا يُنْطُرْني/ لا تْأجْلوا العرس، يِمْكِنْ طَوِّلْ/ وْشو هَمّ الفِستان/ قولي للعروس إنتي الزّينة وانتي العرس/ وْسَلّميلي كْثير كْثير وْما بَقى بَكّير يا سِتّي/...

 ويقطع عبد الله هذه الأحلام والأشجان مُجْتَرَّاً:

حِرِتْ ما بين ضيم الوَقْت والهَمّ

مْريض وْدوم عندي علاج وِالهَم

تْذّكّرت الغوالي واعزاز والْهُم

والهم مْعَزّز كُثُر طَيّات التّراب.

*ثمّ ذَكَّرَتْ إحدى الكريمات مع عِبارات تسبقها عَبَرات وآهات:

محروق يا إمّي أنا عا غَيْبْتِكْ محروق

 مِثْلِكْ ما ظَلّ حدا يِسْأل عن حْوالي

ما عاد طَعْمِ الهَنا مِن غير إيدِكْ ذوق

وْما عاد لون الفَرَحْ بالعين يِحْلالي

بَكّير بَكّير جِسْمِكْ بِكى وْيِبْسوا العْروق

وْصارت غْصون الأمل تِتْقَرْفَط قْبالي

ونادي يا إمّي تًعي يِرْجع صفا مطلوب

وْقلبي يْروح وْييجي عا قَبْرِك الدّاني.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية